إن لبنان بكل مكوناته الحية ومؤسساته، من داخل الجهاز الأمني والجسم السياسي والإداري، مُطالب بتحديد عقد اجتماعي جديد، وهو العقد الذي أخذت إرهاصاته في الظهور من خلال ما عبَّر عنه الشارع قبل سنة، لتجاوز الطائفية.

بدءاً، حيث أنا، على ضفاف الأطلسي، من طنجة بالمغرب، في أقصى نقطة من تلاقى البحر الأبيض المتوسط والأطلسي، تبلغني تموجات نكبة بيروت جراء الانفجار المُروع الذي عصف بمرفئها.

يهزني هزّاً، ولا يسعني إلا أن أعبر عن تضامني مع الشعب اللبناني بمكوناته كافة. أشعر بالحزن والأسى والألم، وأقول ما قاله مدير جريدة لوموند عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول: "كلنا اليوم لبنانيون".

عملنا كمثقفين وكتاب أن نفهم الأحداث وأبعادها، لكننا لسنا منزوعين من أحاسيس أو انتماء. وما حصل في لبنان يسائلنا جميعاً في العالم العربي والشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط. أترك الغضب والألم والأسى جانباً في محاولة لتحليل أبعاد ما جرى.

للمزيد اقرأ:
تفجير بيروت.. المتسبب مجهول والمستفيد معروف!

لا شيء سيبقى كما كان من ذي قبل في لبنان، بل في المنقطة. انفجار مرفأ بيروت مرحلة فارقة، في لبنان وفي المنطقة.

يُلقي الحدث بظلاله، من خلال الجوانب الأمنية، وأوجه القصور فيها. ولا أحسب أن تحريات سريعة أو متسرعة أو إجراءات زجرية ضد مسؤولين صغار يمكن أن تجتث الداء، أو يمتص الغضب.

البلد مخترق، وإن كان من العسير في الظرفية الحالية، تحديد الطرف أو الأطراف المسؤولة وراء الحدث. لكن لا يعفي ذلك من مسؤولية تخزين مواد قابلة للانفجار، ذات خطورة عالية، في مرفق حيوي، في منطقة مأهولة.

كيف جرى ذلك لست سنوات منذ دون أن يثير الموضوع مخاوف ومحاذير السلطات الأمنية؟ ولا يمكن لسلطات الدولة، سواء الأمنية أو السياسية أو الإدارية، التنصل من المسؤولية مما هو تقصير بيّن.

لكن المسألة تتجاوز تقصيراً أمنياً، وترتبط بمشكل بنيوي مرتبط بلبنان، وهو التدخلات الأجنبية التي ما فتيء يتعرض لها، والتي كانت سبباً في الحرب الأهلية لسنة 1975.

لقد أضحى البلد الذي كان رمزاً للتعايش، ويُنعت بسويسرة الشرق الأوسط، أول بروفة للحرب الأهلية في العالم العربي، واستفحل الأمر مع اجتياح القوات الإسرائيلية لبيروت، مستفيدة من قدرتها على الاختراق، والتواطؤ، مما أفضى إلى الجريمة النكراء لصبرا وشاتيلا، حيث قُتل أزيد من ثلاثة آلاف فلسطيني بدم بارد.

الاختراقات تُحدث أثرها حينما تغيب الدولة، أو حين تهتز مؤسساتها، أو تصبح في وضع دولة فاشلة، وهو ما يغري أطرافاً خارجية بالتدخل، مستفيدة من حالة البلبلة من أجل شل مؤسسات الدولة، أو اجتراح أعمال عنف، أو القيام بأعمال إرهابية. ولذلك ما حدث في لبنان لا يهم لبنان وحده، ويعبر عن المخاطر الممكنة أمام فشل الدولة واهتزاز مؤسساتها السياسية والأمنية في العالم العربي كافة.

للمزيد اقرأ:

من هيروشيما إلى بيروت .. عار الإنسان وفخ التكنولوجيا

الأوضاع الانتقالية تجعل دولة ما هشة، وهو الوضع الذي تعمد أطراف خارجية، إما من دول أو جماعات جانحة، إلى توظيفه وتأجيج تناقضاته. لقد أغرى الوضع الانتقالي في تونس أطرافاً خارجية للسعي "لتفجير" التجربة الديمقراطية التونسية من خلال أعمال التشويش والبلبلة والبلطجة مع التضخيم الإعلامي.

مأساة لبنان لا تهم لبنان وحدها، إذ ما حصل في بلد الأرز، يمكن أن يقع في أي مكان من العالم العربي تعرف فيه بنيات الدولة فشلاً أو اهتزازاً.

إن تغول الأنظمة الأمنية ووجود بنيات موازية ليس دليل عافية، بل يؤشر على اعتلال الدولة. الدولة هي بالأساس عقد اجتماعي يسمو على كل الانتماءات.

إن لبنان بكل مكوناته الحية ومؤسساته، من داخل الجهاز الأمني والجسم السياسي والإداري، مُطالب بتحديد عقد اجتماعي جديد، وهو العقد الذي أخذت إرهاصاته في الظهور من خلال ما عبَّر عنه الشارع قبل سنة، لتجاوز الطائفية، لكنه عرف التفافاً وزيغاً.

لا يمكن سلخ لبنان عن الوضع في المنطقة ككل التي تحتاج إلى خطاطة جديدة من أجل الأمن والتعاون. لنقلْ بصراحة إن دور الجامعة العربية في حل النزاعات العربية وإيجاد إطار للتعاون، أصبح متجاوزاً، على اعتبار أنها أسهمت في حل النزاعات وإيجاد إطار للتعاون، ولا يمكن لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي كان يدعو له شمعون بيريز ويجري تحيينه في الظرفية الحالية، أن يكون إطاراً للتعاون مثلما تدعو له بعض الأطراف، خفية أو جهاراً.

وأي حجة تبقى للمُطبّعين ودعاته إن ثبت ضلوع إسرائيل في تفجير مرفأ لبنان؟ وفي جميع الحالات، يتوجب وضع خريطة طريق جديدة من أجل ضمان الأمن والاستقرار في منطقة ما تزال ملتهبة، وتؤثر تداعياتها على العالم.

ليس ما يعرفه لبنان أزمة سياسة بل وجودية، وهو ما يحتم التعبير عن تضامن فعلي، غير بلاغات الإدانة والتضامن من قِبل الحكومات "الشقيقة". لبنان على عتبة أزمة غذائية، تستفحل مع تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية وتعطيل مرفأ بيروت، الشريان الاقتصادي للبنان.

من العبث الاعتقاد، مثلما يقول المثل الفرنسي، أن المأساة لا تقع إلا للآخرين. لا توجد دولة في العالم العربي، في ظل الوضع الانتقالي الذي يمر به، محصنة من أعمال العنف والتشويش والبلبلة، ولا ينبغي أن يُنظر إلى نكبة بيروت كحالة معزولة، تهم لبنان وحده، وإذا لم يجرِ استخلاص العبرة مما وقع، فليس مستبعداً أن "نؤكل يوم أُكِل الثور الأبيض". وليست هي أول مرة يؤكل الثور الأبيض، وعسى أن تكون الأخيرة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي