من الصعب أن تُجمِع التقارير الدولية على نتائج محددة حول اقتصاد دولة معينة، فكثيراً ما توجد اختلافات وفي الحد الأدنى توجد تباينات حول تقدير النسب العامة للتراجع أو التقدم، ليبقى الاتفاق حول المنحنى الصاعد أو الهابط خلال فترة بعينها دونما تقدير دقيق.

مع اقتراب نهاية العام الماضي وبداية العام الجديد بدت لغة التقارير الاقتصادية الدولية أقرب إلى الاتفاق ليس حول المنحنى الصاعد للاقتصاد التركي خلال العامين الحالي والقادم، وانما ايضا حول نسب ومعدلات هذا الصعود المتوقعة خلال العام، والتي أتت متقاربة إلى حد كبير.

ومؤخراً أشادت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، بإصلاحات أنقرة في المجال الاقتصادي، ورحبت بالإصلاحات الاقتصادية التي أجراها البنك المركزي التركي مؤخراً، معتبرة أن هذه السياسات ستعزز انتعاش اقتصاد البلاد، وأنها ساهمت في معاودة المؤشرات الاقتصادية التركية إلى الارتفاع بعد التراجع الحاد الناتج عن الضغوط السلبية الناجمة عن تفشي جائحة كورونا، وتسببها في توقف عجلة السياحة بسبب القيود الدولية الصحية، وتراجع الطلب العالمي على الاستهلاك.

وأكدت المنظمة في هذا الاطار أن نتائج الإصلاحات الهيكلية للاقتصاد التركي، والسياسات النقدية والمالية التي اتبعتها الدولة مؤخرا ستدفعان الاقتصاد التركي نحو النمو بنسبة 2.6 بالمئة خلال العام 2021، و3.5 بالمئة في العام الذي يليه.

كما أشادت المنظمة كذلك بالبنية التحتية الصحية التركية، التي أرجعت لها الفضل في السيطرة بشكل كبير على رقعة تفشي الوباء، الأمر الذي عزز من تأثير السياسات الاقتصادية والمالية المتخذة خلال العام الماضي، وهو ما تُرجم بشكل أو بآخر في تحسن الأداء الاقتصادي في الربعين الأخيرين من 2020.

كما عدل البنك الدولي توقعاته للاقتصاد التركي خلال العام الماضي والعامين المقبلين، حيث حول البنك في تقرير"الآفاق الاقتصادية العالمية" توقعه للنمو السلبي بنسبة 3.8% خلال 2020 إلى نمو ايجابي بقيمة0.5 %، كما توقع نمو الاقتصاد التركي بمعدل 4.5% خلال العام الجاري 2021، و5% في عام 2022.

كما وضعت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني توقعات متفائلة بشأن الاقتصاد التركي خلال العام الجاري، مشيرة إلى أن بدء التطعيم ضد كورونا وتقليل القيود والإجراءات الخاصة بمكافحة الجائحة، مع تسارع الانتعاش الاقتصادي في أوروبا، سيؤديان إلى تسارع نمو الاقتصاد التركي في النصف الثاني من عام 2021، والذي من المقدر أن ينمو بنسبة 3.5% خلال 2021.

كما استندت الوكالة في تقديرها لمعدل النمو التركي للعام الجاري على استعادة السياحة التركية عافيتها خلال وقت لاحق من 2021 واستئناف نشاط الصادرات، الأمر الذي سيحول عجز الميزان الجاري بنسبة 3.5% في العام الماضي إلى فائض، علاوة على سياسات رفع سعر الفائدة التي انتهجها البنك المركزي خلال الربع الأخير من العام الماضي.

واشارت الوكالة إلى أن التحدي الذي يواجه تركيا خلال الفترة المقبلة يتمثل في نجاحها في خفض معدل التضخم بطريقة مستدامة، وإعادة بناء مصداقية السياسة النقدية، وزيادة الثقة في استدامة التمويل الخارجي لتركيا، وزيادة المدخرات المحلية، والحد من الدولرة (تحويل النقد المحلي إلى أجنبي)، وتقليل الاعتماد على القروض والاقتراض الخارجي في زيادة النمو.

وكانت المفوضية الأوروبية قد توقعت بنهاية العام الماضي تعافيًا اقتصاديًا أسرع لتركيا في عام 2021، حيث قدرت نمو الناتج المحلي الإجمالي التركي بنسبة 3.9٪ في عام 2021 وبنسبة 4.5٪ في عام 2022.، وحذرت آنذاك من التأثير السلبي علي التعافي والنمو من نقاط الضعف الهيكلية وسحب حوافز السياسة النقدية، وهو ما تلافته الإدارة الاقتصادية التركية لاحقاً.

كما حسن بنك جولدمان ساكس توقعاته بانكماش الناتج المحلي التركي بنسبة 2.5٪ فقط للعام الماضي في مراجعة لتوقعاته السابقة لانكماشه بمعدل 5.1٪، كما توقع أن يتبع ذلك انتعاشاً بنحو 4٪ في عام 2021.

وجاءت توقعات البنك المركزي التركي ومنظمات رجال الاعمال التركية التي نشرت مؤخرا متقاربة إلى حد كبير مع التوقعات الدولية السابقة، حيث التوقع بنمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2021 بمعدل 3.8 %، وحوالي 4.3% في عام 2022.

أفلت الاقتصاد التركي من الانكماش الكبير الناتج عن تداعيات انتشار فيروس كورونا بفضل المبادرات الاقتصادية للحكومة، وعلى راسها الائتمان الرخيص الممنوح للمواطنين لدعم شراء العقارات، علاوة على تحويل السياسات النقدية نحو رفع سعر الفائدة بعد تغيير محافظ البنك المركزي

وقد شجعت النهاية القوية للاقتصاد التركي العام الماضي المؤسسات الدولية على رسم صورة متفائلة حول التوقعات المستقبلية للأداء الاقتصادي خلال العام المقبل، لا سيما في ظلّ بعض النجاحات غير المسبوقة للاقتصاد التركي، والتي من أبرزها تجاوز حصة تركيا 1% من الصادرات العالمية خلال الشهور العشرة الأولى من 2020 بين يناير/كانون الثاني وأكتوبر/تشرين الأول العام الماضي مسجلة 1.03%، علاوة على احتلالها المركز الأول أوروبياً في تصدير القمح.

ويبقى هذا التفاؤل بالقدرة على التعافي مرهوناً بقدرة الدولة على تحجيم انتشار الوباء، ونجاح خطة التطعيمات، بما يدفع نمو طلب المستهلكين المحليين، علاوة علي عودة القطاع السياحي إلى معدَّلاته السابقة، والاستمرار في تطبيق السياسات النقدية الحالية، مع الإقرار بأن الخلل التجاري لا يزال كبيراً، ومعدل التضخم هو الأعلى خلال السنوات الأخيرة، وكلاهما يمثّل خطورة كبيرة على ديمومة التفاؤل.

هذا بالإضافة إلى بعض القضايا الهيكلية الأخرى التي تزيد حدة المشكلات الاقتصادية مثل تباطؤ الإنتاجية وانخفاض معدَّل الادخار المحلي، والقروض الخارجية، وثبات سعر الصرف، والزيادة السريعة في تكلفة العمالة والآثار السلبية التي خلّفها الإغلاق على مستويات البطالة والفقر.

لا تعني العودة إلى النمو الاقتصادي التعافي الكامل، فبناء الثقة يستلزم وقتاً، والمعركة مع المشكلات الذاتية ممتدة، ولكن الاقتصاد التركي يتمتع بمرونة وتنوع كبيرين، مكّناه من تخطّي تداعيات انتشار الجائحة، ومع مزيد من الجهد والإصرار سيتحول تفاؤل المؤسسات الدولية إلى واقع.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.




TRT عربي
الأكثر تداولاً