هناك تخوف من إندثار الكثير من المهن والوظائف التي يقوم بها الإنسان مع تطور الذكاء الصناعي. هذه النظرة المتشائمة يقابلها نظرة أخرى ترى إمكانية تقسيم العمل بين الإنسان والروبوت.

لا يكاد يخلو أي نقاش حول التكنولوجيا اليوم من البحث في تأثيرها على مستقبل العمالة البشرية، خصوصاً في ظلّ التطوُّر المتسارع والمذهل لتكنولوجيا الذكاء الصناعي.

فهناك تخوف -وهو تخوف له ما يبرره ومقبول على نطاق واسع- من أن الذكاء الصناعي والتوجهات الاندماجية المتنامية بينه وبين التكنولوجيا الحيوية قد تهدّد الكثير من الوظائف التي يشغلها البشر حاليّاً، الأمر الذي سيعزز من نسب البطالة وهو ما يقود حتماً إلى حالة من عدم الاستقرار المجتمعي. فنحن مقدمون على عصر لا يكون فيه الروبوت المزود بالذكاء الصناعي مجرد آلة بل نصف إنسان، وسيكون الإنسان الذي يتكئ على الذكاء الصناعي في تسير حياته نصف روبوت.

إن علاقة الإنسان بالتكنولوجيا كانت على الدوام علاقة إشكالية. فمن ناحية، عملت الحياة على تسهيل حياة البشر، ولكنها من جانب آخر أحدثت تحوُّلات جوهرية على نمط حياته، الأمر الذي أدَّى إلى خروجه عن الكثير من أنماط حياته المألوفة، خصوصاً في مجال العمل.

فلقد استبدلت الآلة الطاقة العضلية للإنسان. فبدلاً من عشرات العمّال للقيام بعمل واحد أو لإنتاج شيء معيَّن واحد، تم الاكتفاء بآلة واحدة يعمل عليها عامل واحد ربما أو اثنان. ومع تقدُّم العلم باتت هذه الآلة تعمل ذاتيّاً مِمَّا أدَّى إلى الاستغناء أكثر عن العمالة الإنسانية.

وإذا كانت التكنولوجيا التقليدية بمعنى التكنولوجيا المتعلقة بالطاقة الحركية قد دفعت الرأسماليين إلى الاستغناء عن الطاقة الجسدية للإنسان أو تقليل الاعتماد عليها إلى الحدود الدنيا، فإن تكنولوجيا المعلومات والطفرة الحاصلة في الذكاء الصناعي من شأنها استبدال الطاقة الذهنية للإنسان، وهو ما دفع الكثير إلى التحذير من أن هذا النوع من التكنولوجيا سوف يؤدِّي إلى ضعف العقل الإنساني وإصابته بالكسل أو يسميه البعض بالاستغباء الإنساني.

وقد أشرت في مقال سابق لي على منصة TRT عربي بعنوان "الأجهزة الذكية تهدّد الذكاء البشري"، إلى الأضرار التي قد يلحقها الاعتماد المفرط على الأجهزة الذكية بالذكاء البشري. نعم أنا أشاطر الفريق المتخوف من الأثر السلبي للتكنولوجيا على الإنسان الكثير من هواجسهم، ولكنني ما زلت متفائل بأن التكنولوجيا قادرة على توفير الكثير من الخيارات والطرق البديلة إذا ما أحسن الإنسان التعاطي معها لتقليل الآثار الجانبية السلبية المترتبة عليها.

من هذه الخيارات أو الطرق البديلة -على سبيل المثال- ما يمكن أن تقدمه تكنولوجيا المعلومات والذكاء الصناعي على مستوى التدريب وصقل المهارات. علينا الاعتراف بدايةً بأننا لم نعُد نعيش في زمن الحِرَف والمعرفة المجردة بل في عصر المهارة. فمع الإنتاج الهائل للبيانات الذي توفره تكنولوجيا المعلومات لم يعُد البحث عن المعلومة بالأمر الصعب. فما دمتِ تمتلكين دخولاً لشبكة الإنترنت، وتعرفين كيفية استخدام محرك البحث Google بطريقة جيدة، فلا خوف عليك إذن في أنك سوف تحصلين على المعلومة التي تريدينها.

اليوم لا يغدو الحصول على المعلومة إذاً بالأمر الصعب، وإنما كيفية استخدام المعلومة واستثمارها أصبح هو التحدي ومعيار التميز. لذلك بتنا اليوم نرى تركيزاً متنامياً على صقل المهارات المعنية باستخدام المعرفة واستثمارها. أصبح مألوفاً اليوم عندما تذهب إحدانا للتقديم إلى عمل جديد سؤالها عن الدورات التي اشتركت فيها وليس فقط الشهادات الأكاديمية التي حصلت عليها.

اليوم لا يغدو الحصول على المعلومة إذاً بالأمر الصعب وإنما كيفية استخدام المعلومة واستثمارها أصبح هو التحدي ومعيار التميز.

إقبال حسين

من هنا يمكن القول إن هناك إمكانية عالية لتكنولوجيا المعلومات والذكاء الصناعي للإسهام في جانب تدريب العمالة البشرية من أجل جعل مهاراتها أكثر تقدماً واحترافية. وهذا ينصب في مجال التخصص وتقاسم العمل.

ويسعفني في هذا الطرح أن تقسم العمل كفلسفة اجتماعية لا يبدو أنها ستندثر مع التقدم التكنولوجي. فبدلاً من الحديث عن شكل فلسفي آخر في البنية الاجتماعية لواقع العمل، يجري الآن إعادة تكييف الفلسفة الواقعية مع متطلبات المرحلة.

فالتخصص وتقسيم العمل نشأ في الأساس عن التغيرات في البنية الاجتماعية الناجمة عن الزيادة الطبيعية المفترضة في حجم وكثافة السكان، والزيادة المقابلة في المنافسة على البقاء. وبهذا الفهم الذي تبنَّاه الفيلسوف الفرنسي إميل دوركهايم نرى الاختلاف مع فهم آدم سميث الذي نظر إلى تقسم العمل كنتيجة للرغبة في الوفرة المادية. وهذا يقودنا إلى البحث في إمكانية إضافة عنصر جديد لتقسم العمل، فبدلاً من أن يجري التقسيم بين العمالة البشرية وحدها، يمكن إضافة الذكاء الصناعي والروبوتات.

في هذا السياق توقع الرأسمالي ورجل الأعمال الاستثماري مارك أندريسين أن يتم تقسيم الوظائف بين "الأشخاص الذين يخبرون أجهزة الكمبيوتر بما يجب فعله، والأشخاص الذين تخبرهم أجهزة الكمبيوتر بما يجب عليهم فعله".

لم يعد تقسيم العمل إذن ينحصر في التصنيفات القديمة القائمة على الجندر أو العرقية أو الجغرافيا، بل بات الآن ينقسم بين الإنسان والإنسان الآلي، بين الإنسان البيولوجي والإنسان المعلوماتي. وهذه تغيرات تحدث في أصل المكون الاجتماعي الإنساني وفق ما يرى دوركهايم.

إن استخدام العمّال لسماعات الواقع المعزَّز من شأنه أن يوفر للعامل الفرصة ليحصل على مدرب إلكتروني خاص به يوفر عليه الكثير من الوقت والجهد.

إقبال حسين

وبتنا نرى عدداً متزايد من الصناعات يحاول الاعتماد على تقنيات كالواقع الافتراضي والواقع المعزز من أجل تدريب العمال على مهارات جديدة أو صقل مهاراتهم السابقة. ما زالت تكلفة هذه التقنيات مرتفعة نوعاً ما ولكن مع التوجُّه العامّ في انخفاض تكلفة التكنولوجيا بشكل مستمرّ، يمكن لهذه التقنيات أن تنتشر على نطاق واسع في المستقبل القريب.

إن استخدام العمّال لسماعات الواقع المعزَّز من شأنه أن يوفر للعامل الفرصة ليحصل على مدرب إلكتروني خاص به، يوفر عليه الكثير من الوقت والجهد، وبدلاً من أن يطور العامل مهارته في الغرف الصفية، يمكنه الآن باستخدام هذه التقنية أن يطوّر مهارته وهو في بيئة العمل.

هذه الأساليب الجديدة في تدريب العمال كما يرى جاك كارستن المتخصص في الأبحاث التكنولوجية، تكشف عن إمكانيات أكبر لمستقبل العمل. فبدلاً من الاعتماد على مجموعة مهارات واحدة، سيتمكن العمال من رفع مستوى مهاراتهم بسرعة أكبر وكفاءة طوال حياتهم المهنية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي