TURKOVAC asilarinin Ankara'ya ilk sevkiyati yapildi (Metin Aktas/AA)
تابعنا

لقد حققت تركيا إنجازاً جديداً على صعيد مكافحة جائحة كورونا، ضمن سجل حافل في الحقيقة بدأ منذ إعلان أول إصابة بالفيروس يوم 11 مارس/آذار 2020. لا نتحدث هنا عن البنية التحتية التي تتمتع بها تركيا في القطاع الصحي الذي ينافس معظم الدول الأوروبية وأكثرها تقدماً، ولا عن مسارعتها إلى الحصول على اللقاحات المعتمدة من أجل تحصين مواطنيها والمقيمين على أراضيها بلا مقابل فحسب. بل بادرت تركيا بتقديم مساعدات طبية لمعظم دول العالم، بما فيها الولايات المتحدة وأوروبا، فضلاً عن المنظمات الصحية العالمية، لتتصدر قائمة الدول الأكثر بذلاً للمساعدات الطبية حول العالم إبّان اشتداد الجائحة وبعدها.

تركيا التي يُقال إنها تمر بأزمة اقتصادية تمكنت من مواجهة فيروس كورونا بأقل الخسائر، مقارنة مع العديد من دول العالم المتقدمة، كما تمكنت من تحقيق إنجاز يُحسب لها، ألا وهو صنع لقاحها الخاص بشكل محليّ مئة بالمئة، من خلال ثلة من أبرز علمائها على رأسهم الطبيب البروفيسور أيكوت أوزدارنديلي، الذي عمل منذ وقت مبكر مع فريقه في جامعة أرجيس بولاية قيصري خطوة بخطوة دون كلل لإخراج هذا اللقاح المحلي "توركوفاك".

لم تكن جاهزية اللقاح بعد استكماله جميع الخطوات والمراحل اللازمة بالخطوة المتأخرة، بقدر ما هي منحة جاءت في الوقت المناسب، في الوقت الذي لا يزال فيه العالم يرضخ لتبعات جائحة كورونا، ونشير هنا بشكل خاص إلى الدول الفقيرة في إفريقيا وآسيا، والتي لا تزال نسبة هائلة من شعوبها لم تتمكن بعد من الحصول على لقاح مضاد للفيروس مثل بقية مواطني دول العالم.

ولم يكن مفاجئاً أن يبشر الرئيس أردوغان العالم كله عندما أعلن عن جاهزية اللقاح التركي، إذ قال: "آمل أن يعود لقاحنا توركوفاك الذي تسعدنا مشاركته مع البشرية جمعاء بالخير والفائدة على بلدنا وأمتنا".

دبلوماسية اللقاح

لا يخفى على المتابع التنافس المتطور الذي نما بوضوح في ظل جائحة كورونا بين الدول الرائدة في العالم، مثل الولايات المتحدة والصين مثلاً، مما أخرج حملات المساعدات والدعم عن سياقها الإنساني إلى سياق صراع على النفوذ الناعم لتحقيق مصالح خاصة في الدول المستهدفة من تلك الحملات.

تخصص الولايات المتحدة على سبيل المثال نحو 80 مليون جرعة لقاح لدول العالم، ورغم أنها تؤكد أنها لا تهدف إلى تحقيق مصالح خاصة من الدول المستهدفة، تركز بشكل مباشر على الدول المقربة منها أو التي تخضع لنفوذها بتعبير أدق، لا سيّما في شرق آسيا في مشهد يبدو أن من جملة أهداف مساعداتها منافسة الصين على هامش هذا النفوذ الناعم.

وحين الحديث عن المنافسة الآسيوية-الآسيوية نجد تزاحماً وزخماً بين الصين والهند كذلك، فبينما تمثل الصين ركناً رئيسياً له فلسفته الخاصة أمام النفوذ الغربي، تقف الهند حليفاً تقليدياً قريب من واشنطن، ويدخل الجانبان في تنافس مفتوح لإثبات قدراتهما من حيث امتلاك القوة الناعمة والتأثير وتحقيق النفوذ السياسي.

وبالطبع القائمة تطول في استعراض الدول المتنافسة فيما بينها ضمن هذا النطاق الذي تمخض عن جائحة كورونا، ويكفي أن نعلم حجم أهميته الطارئة بالنسبة إلى هذه الدول من أجل وضع بصمتها في خارطة النفوذ السياسي والمصالح الاستراتيجية.

كما يمكن النظر إلى عنصر اللقاحات في هذا الخضم على أنه امتداد لعنصر المساعدات الإنسانية والإغاثية ما قبل كورونا، والقاسم المشترك في كل منهما هو الهدف المنشود من وراء هذه المساعدات، وليس بالضرورة أن يقتصر على الصعيد السياسي والنفوذ فحسب، بل يهدف أحياناً للتأثير على الصعيد المجتمعي وتوجيه السلوك البشري أو "هندسته" بتعبير آخر في نطاق العولمة الحديثة.

دبلوماسية اللقاح الإنسانية

تركيا باعتبارها دولة إقليمية رائدة، ليست مستبعدة بالتأكيد من دائرة التنافس والتزاحم وإثبات القدرة على تحقيق النفوذ السياسي وضمان المصالح الاستراتيجية، إلا أن الفارق أو الخاصية التي تتميز بها تركيا في هذا السياق، هو "الشراكة معاً" من ناحية و"البعد الإنساني" من ناحية أخرى.

عنصر الشراكة يكمن في إمكانية تحقيق مصالح ومكاسب مشتركة بين جميع الأطراف معاً، والشراكة بدورها تضمن معنى التساوي بعيداً عن التعامل بفوقية أو وضع شروط أو فرض أوامر مقابل المساعدات وغيرها، ويمكن أن نرى الفارق عبر هذه الزاوية من خلال زيارة المسؤولين الأتراك لدول إفريقية محدودة القدرات الاقتصادية على سبيل المثال، وزيارة مسؤولين لبعض الدول المنافسة الأخرى لهذه الدول التي ينظرون إليها كحدائق خلفية أو مستعمرات إن أحسنّا الظن.

أما العنصر الإنساني وهو الأهم والأبرز هنا، فإنه يهدف إلى ضمان تحقيق المساواة والعدالة في هذا العالم، ووفق هذا المبدأ نشهد بوضوح مساعي تركيا ومحاولتها إيصال المساعدات الإنسانية إلى أناس قلما يتذكرهم أحد، دون انتظار مقابل ودون وجود مصلحة نفعية أصلاً، سيراً على مبدأ "فتح القلوب" وليس إنشاء القواعد العسكرية واغتصاب الأراضي واستعباد الشعوب.

ولا شك أن تركيا نجحت في أن تكون من أكثر الدول سخاء في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية مقارنة مع ناتجها المحلي، لتخلق بُعداً خاصاً في مفهوم القوة الناعمة يعتمد الإنسانية مبدأه الأول.

واستكمالاً لهذه الرحلة سارعت تركيا منذ بداية جائحة كورونا إلى تقديم وإيصال المساعدات إلى شتى دول العالم، وتمكنت بالفعل من إيصالها إلى 160 دولة لا سيّما النامية والفقيرة منها.

والآن وقد باتت تركيا منتجة للقاح مضاد لهذا الفيروس، فإنها ستبدأ بتنفيذ ما وعدت به على أرض الواقع، من حيث مشاركة هذا اللقاح مع البشرية كلها دون تمييز أو احتكار أو تقييد، فالرئيس أردوغان أكد "نشعر بالسعادة لمشاركة (توركوفاك) مع البشرية جمعاء"، مما يؤكد حضور هذا الانشغال والبعد العالمي في الاستراتيجية التركية. بعد أن كانت قد تبرعت أصلاً بكميات كبيرة من اللقاحات التي اشترتها إلى العديد من الدول المحتاجة التي لم تتمكن من الحصول على اللقاح بعد في وقت سابق.

المهمة الآن تبدو أكبر وأكثر سهولة في الوقت ذاته، فهي ستتبرع الآن بما تنتجه من لقاح لهذه الدول، بعد أن انتقلت إلى مرحلة الإنتاج المتسلسل للقاحها المحلي "توركوفاك".

وأعتقد كما يعتقد الكثيرون، أن تركيا كما نجحت في وضع بصمتها الخاصة في مجال المساعدات الإنسانية والإغاثية، ستنجح في وضع بصمتها الخاصة في مجال دبلوماسية اللقاحات، من حيث اعتماد المبدأ الإنساني أولاً قبل التنافس المادي البحت، لتكون مثالاً يدخل القلوب دون انتظار مقابل، ودون وضع شرط أو فرض أمر.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي