هل تنهي “المبادرة الديمقراطية” تدابير سعيد الاستثنائية؟ (AA)
تابعنا

ومن أهمّ مظاهر هذا الانسداد الفوضى التي شهدها البرلمان إلى حد شلّ أشغاله وجلساته بما رذَّله في عيون عموم التونسيين، وتعطيل عمل الحكومة وتكبيلها جرّاء عدم سماح رئيس الدولة بإجراء القسم الدستوري للوزراء المصادق عليهم من طرف البرلمان في إطار التعديل الحكومي الذي قام به رئيس الحكومة، فضلاً عن الوضع الصحي الخطير بفعل انتشار الوباء وتأخر الحكومة في اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحفظ حياة المواطنين مما خلّف شعوراً عاماً بالغضب والاحتقان الشّعبي عبّر عنه من تظاهروا يوم 25 يوليو/تموز ومن خرجوا مستبشرين بقرارات الرّئيس.

ومهما قيل عن حقيقة هذه الأوضاع وحجم تدخل أطراف مستفيدة سواء في صناعتها أو تأجيجها أو مزيد تعقيدها، ومهما قيل كذلك عن دور رئيس الدولة وحزامه السياسي والشعبي في مزيد تأزمها لقطف ثمرتها، ما ستبينه الأيام القادمة، فالأكيد والماثل للعيان أنّ رئيس الدولة كان أكبر مستفيد من تردّي تلك الأوضاع إذ كان منطلقه ومستنده لتبرير إعلان الإجراءات الاستثنائية بمقتضى ما تأوّله من خطر داهم.

اليوم وبعد إزاحة كل "العراقيل والأخطار الدّاهمة والجاثمة والقائمة"، وهي توصيفات استعملها الرئيس بتدرّج تصاعدي لتبرير ديمومة الإجراءات الاستثنائية، وبعد الخطوة الثانية التي جسّدها الأمر 117 بتاريخ 22 سبتمبر/أيلول 2021 وما تلاه من إجراءات وقرارات، تَوضَّحت نيات الرئيس ومآلاتها وتداعياتها على المشهد السياسي الداخلي وصورة البلد في الخارج فضلاً عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي المنذر بالانهيار.

لعلّ أبرز مفارقات الوضع التونسي الراهن غير المتوقعة أنّ بلداً شهد ثورة عنوانها الأبرز "الحرية والكرامة" فتحت الباب على مسار انتقال ديمقراطي، يتمكّن فيه شخص، بلا سابقة في العمل السياسي، من الوصول إلى سدّة الحكم ليكون رئيساً يحتكر سلطة التأويل والقرار وتجميع كل السلطات بيده ليعمل على قلب كل المنظومة التي تعاقد عليها التّونسيون ابتداءً من الدّستور إلى الهيئات الدّستورية وعلى رأسها المؤسسة البرلمانية، مع التلويح بتغيير منظومة الحكم برُّمتها لاستبدال منظومة أخرى بها، دون المرور عبر تفويض شعبي نزيه وشفّاف من خلال الوسائل الدّيمقراطية والاستعاضة عنه ببدعة "الاستفتاء الإلكتروني".

أمّا المفارقة الأخرى المثيرة للانتباه والجدل في آن واحد، فهي غياب أو تأخر ردة الفعل الواسعة والسريعة على ما أقدم عليه رأس السلطة من إجراءات تستهدف المنظومة الديمقراطية وتفتح البلد على الاستبداد والحكم الفرد والمليشيات.

لقد أصيبت الطبقة السياسية بالبهتة أمام المزاج العام المستبشر بما وقع، ولم تستوعب ما حصل ولم تستفق من بهتتها إلّا بعد الإعلان عن الأمر 117 بتاريخ 22 سبتمبر/أيلول 2021 الذي كان بمثابة قانون جديد منظِّم للسّلطات العمومية يلغي الجزء الأكبر من أبواب الدستور ويعطي مطلق الصلاحيات لرئيس الدولة، مع قلب مثير لهرم كلسن بجعل الأوامر والمراسيم فوق القانون والدستور مع تخصيصها بعدم القابلية للطّعن والنّقض.

كانت استفاقة المنتظم السّياسي والمدني متردّدة خجولة في البداية مع عدد من الاستثناءات التي عبّر عنها رجال القانون الدستوري وعدد من النخب السياسية والفكرية القليلة، ثمّ توسّعت دائرة النّقد والرّفض لتعبّر عن نفسها من خلال تحرّكات جماهيرية، وقع استنفار قوات الأمن لتطويقها والتّقليص من حجم المشاركين فيها.

نجحت هذه التحرّكات الكبرى في إسقاط دعوى التّفويض الشّعبي العامّ التي وقع تسويقها لإضفاء المشروعية الشّعبية على توجّهات الرئيس، وبيّنت في أدنى الأحوال وجود شارعين أحدهما مساند والآخر مناهض لهذه الخيارات التي لم تفرزها الإرادة العامة بالوسائل الديمقراطية المتعاقد عليها.

لكنْ لم يتولّد عن كلّ هذا الزّخْم الميداني جبهة وطنية واسعة مناهضة لما اعتُبِر انقلاباً، تدير حواراً وتصوغ خارطة طريق تفاوض بها الانقلاب أو تواجهه.

عدا تلك الخطوة الشّجاعة لمؤسّسي مبادرة "مواطنون ضد الانقلاب" التي قادت التحركات ولكنها لم تتوسع رغم كل محاولات التنسيق وتقريب وجهات النظر، مما يطرح أسئلة جوهرية عن طبيعة الطبقة السياسية والمدنية التونسية ونخبها الفكرية وعلاقتها بالديمقراطية والدولة المدنية ومبدأ التعاقد المجتمعي.

توجد حالة من الانقسام الحادّ وعدم الثقة تشُق المجتمع السياسي التونسي، تحول دون مواجهة المغامرة السياسية التي قادها الرئيس، من خلال جبهة موحدة بشكل أكثر نجاعة وفاعلية. ولكن مقابل ذلك يوجد من يراهن على التداعي التلقائي لهذا المشهد جرّاء العزلة الدولية التي يعيشها، والفشل في كسب ثقة المانحين والمموِلين وما لذلك من تداعيات على مستوى الملف الاقتصادي والاجتماعي الحارق، لم تَمَس فقط الفئات الهشّة بل كذلك الطبقة الوسطى التي شملها التآكل وتدهور القدرة الشرائية ومستوى العيش.

لذلك يتوقع جزء من الطبقة السياسية الصدام القادم لا محالة بين الفئات الهشّة من الشعب ومن بنى خطابه وسرديته على مقولة "الشّعب يريد".

لكن حتى لو وقع ذلك فلن يعفي الطبقة السياسية والمدنية من مسؤولياتها في بلورة بديل يحول دون استمرار الانقلاب أو يحد من نتائجه بنفس القدر الذي يحول دون العودة لمشهد ما قبل 25 يوليو/تموز بانقساماته وخياراته السّياسية والاقتصادية الملتبسة.

ما يجب أن تدركه الطبقة السياسية والمدنية والنخب الفكرية في تونس أنّ الدّستور والنظام البرلماني المعدّل هما عُهْدة الثّورة، مهما كانت الملابسات والتشوّهات التي حفّت بأداء الأحزاب والفاعلين السياسيين سواء داخل البرلمان أو الحكومات المتعاقبة أو كواليس المفاوضات والتوافقات والتحالفات، بكل ما اعتراها من شوائب وشبهات أصبحت حديث الرأي العام. لا يزال البلد في مرحلة تأسيسية انتقالية تحتاج إلى المزيد من بناء التعاقدات وتوسيع دوائر المشترك في كلّ المجالات.

فلا بديل مثلاً من منوال تنموي يشارك في ضبط معالمه وتوجهاته ومقرّراته المجموعة الوطنية لتتقاسم المسؤوليات والأعباء والمنافع لإخراج البلد من أزمته المُزمنة التي لا تعكس فقر الموارد والإمكانات بقدر ما تعكس فشل السياسات التعليمية والتنموية على امتداد عقود.

ولا بديل كذلك من نقد ذاتي لكل مكونات المجتمع السياسي على اختلاف مشاربها ومواقعها، للوقوف على مواطن الخلل والفشل في بناء المشترك الوطني، يتلوه حوار وطني لا بد منه لتجديد التعاقدات وإعادة بناء المشهد السياسي من خلال قانون انتخابي جديد وانتخابات رئاسية وتشريعية سابقة لأوانها، تقطع مع المشهد الراهن، وتحصِّن البلد من نهج المغامرات التي تتجاوز الإرادة الشعبية وتختطف البلد.

لقد توهّم صانع هذا المغامرة الانقلابية المرتجلة أنّه يمكن أن ينجح منفرداً إلا من أنصاره من ذوي الخلفيات والتوجّهات والمصالح المتناقضة، في مواجهة هذه التحدّيات الجسيمة، دون حوار وطني أو مشروعية دستورية أو سند برلماني، أو مناخات من السلم الأهلي والوحدة الوطنية.

لعلّ أبرز ما أخلّ به الرئيس وهو من صميم مهامّه الدستورية والأخلاقية، باعتباره رمزاً لوحدة الدّولة والوطن والشّعب ولو اقتصر دوره عليه لكفاه، الفشل في تجميع التونسيين ورأب صدعهم، بل كان على العكس من ذلك عامل تغذية للانقسامات والضغائن وفقدان الثقة وإثارة القلاقل، بما يطرح السؤال عن المصدر الحقيقي للخطر الدّاهم والجاثم والقائم والمتواصل.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي