متظاهر في العاصمة التونسية يرفع العلم التونسي في وجه قوى الأمن  (Zoubeir Souissi/Reuters)
تابعنا

وهو ما نجده بين سطور مؤلفات أدبية كتبها، على سبيل المثال لا الحصر، عبد الرحمن منيف ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم والطيب الصالح والطاهر بن جلّون وغازي القصيبي.

ومع ذلك، كانت إشكالية الأقلام العربية عموماً، تتلخص في أنها قلما أنتجت تاريخاً أو أدباً أو صحافة بخطاب يمثّل شكلاً من أشكال النقد الأخلاقي للساسة والسياسة. ولعل أكبر أزمة ثقافية تبرز في هذا السياق أن المثقفين سواء كانوا أدباء او مؤرخين أو سياسيين محترفين لم يتخلّوا عن الدولة، بل إن مجموع الفكر العربي أدباً وسياسة وثقافة مسكون بالدولة. لا يزال كثيرون يتمسكون بالدولة بوصفها مركزاً أحادياً يطوّع ويخترق أطرافه التابعة أو دولاب نفوذ وتأثير أو هوية ومشاعر وطنية جامعة. وفي تعبير آخر مخزناً يوزّع الإرث والقيمة والثروة.

يظلّ الهوس بالدولة من مفاتيح فهم معضلة السلطوية كمنظومة ذهنية وأفق ثقافي قبل أن يكون ممارسة سياسية قابلة للتحليل الإمبريقي أو القياس. ولذلك فهي المكان المناسب لبدء أسئلتنا حول تراجع التحرّر بالمفهوم الذي يعرّفه مفكرون من أمثال الفيلسوف الألماني هابرماس ونظيره الفرنسي ميشال فوكو.

حدّد فوكو الخطاب الموجَّه وما ينبثق عنه من تواصل كأداة هيمنة: من يملك الخطاب يملك السلطان. وبالتالي يتجلّى في تفكير فوكو نقاط إبداع لها ارتباط بالحالة العربية المتردية. وهنا يمكن القول إن التشبث بالدولة هو مصداق لفكرة فوكو أن لا وجود لمربعات خالية من السلطة. ومن هذا المنطلق تصبح القابلية للتحرُّر معدومة، فهي مجرّد مثالية لن تجد لها ترجمة في الواقع المعيش.

ولعل المجتمعات التي خلقت هامشاً فيه إمكانية للتحرّر (emancipation) هي تلك المجتمعات التي تجاوزت في الذهنية الأدبية أو السياسية أو الفنية علاقات القوة المنبثقة من مركز أحادي يعيد إنتاج ذاته من خلال هيمنة جديدة سواء من خلال الخطاب (سياسياً كان أم أدبياً أم دينياً) أو التوزيع، توزيع الثروة والسلطة وما إلى ذلك... وفي الحالة العربية يحضر البعدان معاً، لكن هذا لا يعني أن التوق إلى التحرّر لا يفرز معيارية متشظية وعابرة.

لا يكاد يوجد مواطن عربي خال من السلطة وهوس الدولة، حتى المعارض يريد دولة قوية ورئيساً عتيداً وسيادة غير مجزأة و"مخزناً" يوزّع المهامّ والقيمة والمناصب، والمكرمات والإكراميات والرواتب. وبالتالي لا توجد إمكانية للتحرر في الواقع العربي وفق التصور الذي يطرحه فوكو، لأن هذه الوظائف تعيد إنتاج ليس فقط الدولة، بل أيضاً وبدرجة أولى بنية علاقات النفوذ المتباينة بطابع هيمنة يتجدد بتغير الزمان والمكان.

يأخذ التحرّر لدى مفكري الغرب أنماطاً متنوعة، تجعله تجسيداً للتحرّر الذهني الحقيقي. يختلف هابرماس مع فوكو ويجعل من حركة التواصل معيارية أساسية تقبع في صميم أي عملية تحرّر. وعند تطوير نظريته في الفعل التواصلي (communicative action)، حدد هابرماس إمكانية التخاطب والتوافق على قيمة التشارك والتواصل كجزء من العملية التحررية نفسها. ويشكل هذا خطاباً عاماً، أو حقلاً مفاهيمياً للتحرر الاجتماعي تبرره قيم الاعتراف المتبادل.

وعلى الرغم من هوس الدولة القوي كذهنية، فاللافت للانتباه أن التنظير السياسي العربي ليست له نظرية دولة، ويتبع تدريس الفكر السياسي في الجامعات العربية بيداغوجيا الفلسفة السياسية الغربية (باختصار شديد يونانية ورومانية)، بداية من تصنيف أنواع الدساتير الموجود بالفعل في هيرودوتس، وما تجسد في فكر أفلاطون، وصولاً إلى ماعدّله أرسطو في تصنيفاته الثلاثة للحكم وانحرافاتها المعروفة.

توجد تأويلات من المخزون الإسلامي للفضاء الجمعي كمجال عمران وتعاون محتمَل في تجسيد حياة هدفها الصالح العامّ والخير الجماعي، لكن لا يعد هذا رديفاً لمدينة الإغريقيين كفضاء تعاون وتعارض. إن المخيال (imaginary) العربي مسكون برفض التحزُّب والانقسام والاختلاف، ونجده قد كرّس الوحدة بدل الاختلاف، ونظر إلى أن هذا الأخير سبيل للفتنة.

يكشف أي بحث بسيط حول هذا الموضوع حقيقتين غير معترف بهما على نطاق واسع: أن الدولة كبعد نظمي كانت ولا تزال في قلب الصراع السياسي في الفضاء العربي، وأن هناك مزيداً لنتعلمه حول ما نعنيه بالسياسة وبخاصة أنها مفردة متعددة الأوجه لكن لأسباب تاريخية كانت ولا تزال الدولة قضية تختزل فيها احتمالات الاستمرارية المادية والعاطفية والفكرية.

وفي ظل تراجع احتمالات التحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي دون تنّين الدولة الذي يلقي بظلاله على الفكر والحراك والفرد والجماعة وكتاب المدرسة وخطبة الجمعة والفن والرياضة والمناصب والرواتب والتعبير والإعلام، نكتشف أنه من الصعب غرس نبتة معيارية تحرّرية في ظل دولة عنكبوتية إن صح التعبير.

ففي الدول العربية يضيق وبشكل متزايد نطاق السيناريوهات المحتملة للأهداف التحررية التي حملها الربيع العربي والتي اكتسبت رافعة أخلاقية ومفردات خطاب وجمهور وإمكانات التعبئة لأهداف ورؤى تحررية ملموسة وعلاقات مع الداخل والخارج.

ومن تونس إلى غيرها من البلدان العربية، فقد بات صعباً تنظيم قوى مضادة قوية في المجتمع تعترض على الهياكل القائمة للهيمنة وتعيد تشكيل الخطاب بمعيارية تحرّرية تنطلق مثلاً من حراك متواصل على منوال ما يقترحه هابرماس، وتأتي صعوبة تحقيق ذلك للأسباب التالية:

أولاً الحالة، سواء في تونس أو الأردن أو في سوريا أو في المغرب أو في مصر، تكشف عن إعادة خلق وحدات زائفة بدلاً من قبول الاختلافات والتناقضات والاعتراف بها، ويبدو المشهد التونسي خطيراً جداً، والبلد يتحول من مهد للتعددية السياسية إلى لحدها.

ثانياً، أن الخلفية التي أنتجت إعادة الخلق الزائفة هذه، لا تعترف بالصراع السياسي أو بصراع الآيديولوجيات أو بالمعارضة في الممارسة السياسة، وبصورة أكبر في النصوص الخارجية أو الداخلية، فبعض الأحزاب والتنظيمات المدنية له زوايا رمادية لا تسمح في أحيان كثيرة بالاختلاف أو الاعتراف بالاختلاف وبالآخر.

ثالثا، التردي الكبير في المشهد الإعلامي العربي، وهو في أغلبه يعيش حالة من التخبط السياسي ويتبع خطأً وظيفياً يمارس فيه الإعلام دوره كتابع لأرباب الدولة. يتبنى جلّ الإعلام الذي لم يتم حظره في تونس سردية الدولة وأربابها الجدد بعد "تغيير 25 جويلية" أو "انقلاب 25 جويلية".

يجب أن نعترف بأن شقاً كبيراً من المثقفين العرب داخل بلدانهم يصوغون خطاباً يتماهى مع شروط الدولة، واختاروا تعريف أنفسهم قضايا الدولة والكتابة من وجهة نظر الحكام، أو على الأقلّ بالنيابة عنهم. يثير هذا على الفور مشكلة أخرى تبرز في ما "تقول" رواياتهم، إذ تبدو وظيفية تقوم بإعادة إنتاج الوعي الخضوعي في النص المكتوب والمرئي والمسموع.

وأخيراً لا آخراً، تواجه النضالات العربية ورطة أخلاقية كبيرة مرتبطة بالممولين، وهم جزء من أعمدة النظام الدولي الذي أفرز ولا يزال علاقات نفوذ القوة، التي فرّخت نخب السلطة الأحادية. ولعل الأخطر من ذلك أن تصبح مصادر الريع والتمويل معتمدة على دول لديها أزمة كبيرة مع مفردة الديمقراطية والتحرّر. وقد أصبحت هذه الدول دولاً ريعية، ليس فقط لمواطنيها، بل ولإعادة إنتاج أنظمة استبدادية في جغرافيا الربيع العربي.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي