جانب من المظاهرات الشعبية في تونس ضد أجراءات الرئيس قيس سعيد (Zoubeir Souissi/Reuters)

لقد تعمّقت الأزمة بسبب تفريط الرئيس في مطالب الناس وانشغاله بملاحقة معارضيه من برلمانيين ومدوّنين، مستقوياً عليهم بمرافق دولتهم وقواها الصلبة تلك التي استعملها لإغلاق مقرَّي البرلمان والحكومة.

وانقطع الاتصال بين فرقاء السياسة في البلاد وامتنع الرئيس من الدخول في حوارات مع معارضيه، بل اعتزل حتى مناصريه، وصارت الدولة محكومة بقرارات ارتجالية لا أحد يعلم لها منطقاً ولا مرجعاً ولا من رقيبٍ عليها.

في هذا السياق جاءت المساعي الخارجية للوساطة بين الرئيس ومعارضيه، من الولايات المتحدة الأمريكية ومن دول الاتحاد الأوروبّي ومن الجزائر وتركيا وقطر لمنع البلاد من الانحدار الذي يهدّد استقرارها.

غير أنّ الرئيس كان في كلّ مرّة يُرضي تلك الأطراف الخارجية بما تريد سماعه ثم يخرج على الشعب التونسي ليهاجم معارضيه ويتّهمهم بالعمالة والخيانة والفساد وليشبّههم بالفيروسات والأوبئة، فينشر بأقواله تلك مناخاً ملائماً لحرب كتلك التي شهدَها بعض البلاد العربيّة المجاورة.

ولمَّا لم تفلح الوساطات الخارجية في إقناع الرئيس بجسر الهوّة بينه وبين معارضيه المطالبين بإعادة فتح البرلمان، كان لا بدّ من أن تأتيَ ضغوط الداخل التونسي من معارضي الرئيس أنفسِهم، ليقولوا للرئيس لست وحدك، لا بمعنى التبعية والانسحاق بل بمعنى المعارضة والاختلاف.

وفي هذا الأفق كانت وقفة يوم السبت 18 سبتمبر/أيلول 2021 الاحتجاجيّة على قرارات رئيس الجمهوريّة الاستثنائيّة.

لقد تحرّك الشارع التونسي الذي لا يريد الرئيس قيس سعيّد أن يراه، فكان تحرُّكه حدثا دالّاً كسر سرديّة الحركة التي يسمّيها أنصارها تصحيح مسار، ويلحّ معارضوها على نعتها بالانقلاب.

لقد ظهر للعيان أنّ في تونس شعباً آخَر لا يريد الرئيس أن يراه ولا يسعه أن يتحدّث باسمه، هذا الشعب لا يرى ما يراه الرئيس ويقول له أنت رئيس دولة منتخَب تحكم بأمر الشعب لا بأمرك وحدك، وعندما انتخبناك لم نفوّضك لتتحدّث بدلاً منّا كما لو كنّا لك رعايا تفعل بنا ما تشاء. ذاك عهد قد انقضى وولّى، هذا زمن المواطنين لا زمن الرعايا.

ولأنّ منطق الانقلاب يقوم على المغالطات فقد استثمر النظام الوقفة الاحتجاجية المعارضة له ليظهر فضله في السماح بالتظاهر ضدّه، وفي ذلك اعتراف ضمنيّ بأن الحرية عند المنقلِب ليست من حقوق الإنسان الطبيعيّة، بل هي من فضل الحاكم على المحكوم، ويمكن للحاكم أن يسحب فضله متى أراد.

ولفضح المغالطات المؤسسة للانقلاب نقول إنّ السماح بالتظاهر لا ينفي انقلابيّة الانقلاب ولا يعني أنّ المنقلب صار بإرادته ديمقراطيّاً يقبل بالتعدّد ويسمح بالرأي المخالف، بل يعني أنّه عاجز عن منع التظاهر بالقوّة ومرتبك لا يعرف ما يفعل.

ويعني، إلى ذلك، أنّ الأجهزة المتحكّمة في القصر الرئاسيّ وحوله عديدة متنازعة إذا رفض بعضُها أمراً سمح به بعضُها الآخر. ولقد أمكن التظاهرُ لأنّ أنصار الانقلاب ينحسرون أمّا معارضوه، من كلّ الأطياف، فيتضاعفون في كلّ يوم، وما عاد بوسع سلطة الانقلاب منعُهم من التعبير عن رأيهم.

من هؤلاء الذين تظاهروا ضدّ الرئيس قيس سعيد؟

كان إعلان الرئيس إجراءاته الاستثنائية قد أحدث في الناس صدمة، لا سيما في هؤلاء الذي رأوا فيه انقلاباً على الدستور. لا يفهم هؤلاء كيف لحاكم دولة مُنْتَخَبٍ أن يقود انقلاباً، فيغلق برلمانها بدبّابة ويحلّ الحكومة اعتماداً على تأويل شاذّ للدستور.

جاءت الصدمة ومعها خوف وبهتة، وبقي الناس ينتظرون بين مرتاب وطامع. ثمّ إنّ الريبة تلاشت واستردّ الناس أصواتهم وعاودهم عزمهم على خلاص علموا أنّه لا يكون إلّا بأيديهم ما حافظوا على إرادتهم، وإذاً فقد جمعوا عزمهم وتظاهروا وقد استردّوا وعيهم بأنّ الحرية التي جادت عليهم بها الثورة لا يليق بهم أن يتخلّوا عنها.

الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي (TRT Arabi)

وكان الذين تظاهروا ضدّ قرارات الرئيس قيس سعيّد هم من جمهوره الذي انتخبه في دورة الانتخابات الثانية، نفروا لانتخابه حتّى يقطعوا الطريق على منافسه نبيل القروي الذي كانوا يخشون على البلاد فسادَه إن هو فاز بكرسيّ الرئاسة، ثمّ تظاهروا ضدّه لمّا راوا حياده عن الطريق.

لماذا يتظاهر هؤلاء ضدّ قيس سعيّد؟

لقد أخفق الرئيس قيس سعيّد في الإيفاء بوعوده لناخبيه، وتَحوَّل منذ انتُخب لرئاسة الجمهورية التونسية، إلى معارض للدولة يفسد كل شيء حتّى يظهر في مظهر المصلح الأوحد الصالح للحكم وحده.

لقد سكن القصر الرئاسي وأحجم عن كل فعل وبقي ينتظر ما تفرزه تناقضات البرلمان الذي لم يرَ فيه غير خصم لدود وعقَبة تحول دون مروره إلى إنفاذ مشروعه في الحكم المجالسيّ، وبدا واضحاً أنّه كان يستثمر في الصراعات المتفاقمة داخل البرلمان. وبدل أن يكون حكماً بين الفرقاء انحاز إلى بعضهم ضدّ بعض وجعل له حلفاء وأعداءً، وتحوّل إلى جزء من المشكلة عوض أن يعمل على تقديم الحلول، كما عمل على تعطيل عمل الحكومة حتى لا تشاركه سلطته التنفيذية، وقد انتهى بإخفاء رئيسها حتّى لا يبقى منافساً له.

ولم يثنه حتى الوباء عن "برنامج" تعطيل مرافق الدولة، بل انتهزه فرصة له ليُظهِر فشل الحكومة في إدارة أزمة الجائحة، مثلما انتهز الوضع في البرلمان لترذيله أمام الشعب.

وبعد أن أعلن عن إجراءاته لم يفعل أكثر من إغراق الدولة في تفاصيله الصغرى بسبب سوء فهمه للسياسة وعدم تقديره للدولة ولما ينبغي لها. رفع شعار محاربة الفاسدين لكنّه لم يطارد غير نواب البرلمان.

وقد خرجت الجماهير للتظاهر لأسباب، منها: عجز الرئيس عن تدبير شؤون الدولة وغموض خطابه وتناقض تصريحاته، فتارة يتحدث عن احترام الدستور وتارة يتهكّم عليه، ويعد بالإعلان عن خريطة الطريق ثمّ يسخر من المطالبين بها، ويعد بتشكيل الحكومة ثم يقول بلا جدواها والدولة مستمرّة بدونها. يُضاف إلى ذلك تعريضه البلاد للخطر بإقحامها في صراع المحاور، وفوق كلّ ذلك تصريحاته بشأن فرنسا.

أمّا أهداف التظاهر فهي حمل الرئيس على احترام الدستور والعمل به ودعوته إلى إعادة فتح البرلمان باعتباره السلطة الرقابية التي تمنع عودة الدكتاتورية وتحول دون الانفراد بالسلطة، والدفاع عن الحريات العامّة والخاصّة ضد الشعبويّة التي تهدّدها. وخلاصة كلّ ذلك استئناف العمل على تحقيق أهداف الثورة من حرية وعدالة اجتماعية وكرامة وطنيّة.

فهل يستجيب الرئيس قيس سعيّد لاحتجاجات الشعب التونسيّ؟ وهل يفهم ما يدعوه إليه؟

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي