المحكمة الدستورية (Others)

علّل الرئيس رده بحجج أهمها انقضاء الأجل الدستوري المحدد بسنة، إضافة إلى تعليلات أخرى انطباعية لا علاقة لها بالقانون.

وقد تبين بالحجة أن الواجبات لا تسقط بانقضاء آجالها، كما أن محاولات إرساء المحكمة الدستورية لم تنقطع طيلة العهدة الانتخابية 19/14، ومنذ بداية العهدة الجديدة 24/19. ومن الواضح أن الإشكال من جانب رئيس الجمهورية سياسي، حيث يتصور أن وجود المحكمة الدستورية سيمنعه من تأويل الدستور، وقد يجد نفسه تحت طائلة الخرق الجسيم له، وتدعمه في ذلك بعض الأطراف التي تستهدف منظومة الحكم والمسار الديمقراطي برمته.

وأمام مصادقة مجلس نواب الشعب يوم الثلاثاء 4 مايو/أيار على تنقيح القانون 50 المتعلق بالمحكمة الدستورية بأغلبية مريحة بلغت 141 نائباً بزيادة عشرة نواب عن أغلبية ثلاثة أخماس المجلس، فإن رئيس الدولة ليس له إلا ختمه في أجل لا يتجاوز أربعة أيام، أي يوم 8 مايو/أيار 2021، حتى لا يقع في الخرق الجسيم للدستور.

هذا من الناحية القانونية، أما من الناحية السياسية فإن الخلاف حول إرساء المحكمة الدستورية يأتي في سياق أزمة اقتصادية ومالية ناتجة عن الفساد الممنهج الذي مارسته المنظومة القديمة، وعن فشل المنوال التنموي والسياسات المعتمدة قبل الثورة وبعدها، والتي تكاد تؤدي إلى انهيار المالية والعمومية وإفلاس الدولة، وقد زادتها انعكاسات الأزمة الصحية تعقيداً، إضافة إلى ما يمكن أن يترتب عليها اجتماعياً من إثقال لكاهل المواطن، وزيادة لنسبة الفقر والبطالة، ومخاطر انهيار المنظومة الصحية بسبب ضعف القدرة على مجابهة الموجة الثالثة لجائحة الكورونا وما تخلّفه من ضحايا.

الرئيس التونسي يجدد رفضه للقوانين المتعلقة بإرساء محكمة دستورية في البلاد (رئاسة الجمهورية التونسية)

في ظل هذا الوضع، الذي يتطلب في الأصل وحدة وطنية بين الدولة والشعب وتضامناً سياسياً بين كل مكونات المشهد السياسي والمجتمعي، يلقي الخلاف بين رأسَي السلطة التنفيذية بظلاله على الأوضاع ليزيدها تعقيداً، ولتتحول إلى أزمة شاملة ومركّبة وخطيرة باتت تهدد منظومة الحكم، وربما المسار الديمقراطي من عدة مداخل، من أهمها رئيس الجمهورية الذي أصبح جزءاً من الأزمة بدلاً من أن يكون جزءاً من الحل، وذلك بإصراره على رفض الحوار الوطني، واحتكار تأويل الدستور، وتعطيل التحوير الوزاري والمحكمة الدستورية، وإثارة موضوع القوات المدنية الحاملة للسلاح وغيرها من الإشكاليات. أما المداخل الأخرى فهي الأطراف السياسية التي تتقاطع مع أجندات دولية وإقليمية تراهن على المزيد من تأزيم الأوضاع والفوضى.

وبتطور الأزمة وتصاعدها خاصة إثر خطاب رئيس الدولة يوم 18 أبريل/نيسان وما أثاره من مخاوف، فقد بدأ يتشكل المشهد في اتجاه التقاء واسع قد يتطور إلى جبهة للدفاع عن الديمقراطية والدستور والمحكمة الدستورية. برز هذا التوجه في مواقف العديد من الأطراف السياسية والمجتمعية، مقابل دعوات لتقويض منظومة الحكم من الداخل، بالمراهنة على الانهيار المالي للدولة والفوضى أو بدعوة الجيش للتدخل، وذلك من خلال مواقف بعض الأحزاب والكتل، والطرف الاستئصالي من بقايا المنظومة القديمة وبعض الأطراف اليسارية.

فما دلالات هذا التصويت ومآلاته وانعكاساته على تطور الأزمة السياسية في تونس؟

أما دلالاته فإن أهمها إنجازه على الرغم من الأطراف الهاربة من المحكمة الدستورية، وإعادة تجميعه لائتلاف الحكم البرلماني والحكومي، حيث لم يختلف العدد كثيراً عن التصويت على الثقة في الحكومة الحالية وعلى التحوير الوزاري، كما يمثل تصويت 5 نواب من الكتلة الديمقراطية و10 مستقلين رسالة تؤكد أن المحكمة الدستورية قضية وطنية فوق الصراعات السياسية، إلا أن الملفت للانتباه هو التصويت الهزيل لكتلة تحيا تونس.

كما أكد التصويت عمق التمسك بالديمقراطية والدستور، واستكمال بناء منظومة الحكم، ورفض الانفراد بالسلطة، واستعداد مجلس نواب الشعب للدفاع عن الدستور، وعن وحدة الدولة.

أما مآلاته فهي مرتبطة بسلوك رئيس الدولة في علاقته بالتعاطي مع مجلس نواب الشعب وبقية مؤسسات الدولة. فهل سيغلب الرئيس المصلحة الوطنية، ويدفع وفق القانون والدستور لإرساء المحكمة الدستورية، أم سيواصل في رفضه المبطن لبناء مؤسسة ضرورية في منظومة حكم ديمقراطي لم يقع تفصيل قانونها عل المقاس كما يدعي البعض بل اعتمد تنويع مصادر اختيار أعضائها لضمان حيادهم، ولا وجود لدليل على إمكانية استهدافها لأي مؤسسة من مؤسسات الدولة؟ ومع ما يبدو من مؤشرات سلبية ظهرت في تدوينة لشقيق الرئيس نوفل سعيد الذي ليست له أي صفة رسمية، يؤكد فيها لا دستورية التنقيح، بحجة انقضاء أجل إرساء المحكمة الدستورية، فإن المصادقة على القانون بالأغلبية الحاصلة ستسلط ضغطاً سياسياً كبيراً على رئيس الجمهورية في حالة رفضه الختم بعد استيفاء الآجال القانونية وإجراءات الطعن إن حصل.

أما انعكاساته على المشهد السياسي، فإن أهمها في حالة رفض الرئيس للختم هي الهروب إلى الأمام في تصعيد الأزمة وتعطيل دولاب الدولة، في ظل أزمة اقتصادية خانقة وبحث عن حلول لتجاوزها مع المؤسسات المالية الدولية وأصدقاء تونس من قبل الحكومة ورئيسها.

كما يمكن أن يزيد هذا التصويت في تعميق الفرز السياسي على أساس ديمقراطي ولا ديمقراطي وفي عزلة الرئيس وحلفائه. ويبدو أن مقابلة رئيس الجمهورية قيس سعيد مع رئيس حركة الشعب زهير المغزاوي يوم التصويت على القانون، وإعلانه القبول بمبدأ الحوار مع تأكيده أنه لا يجب أن يكون كبقية الحوارات دون أن يقدم تصوراً في ذلك، يشير إلى أن اللقاء قد حصل من منطلق شعوره بالثقل السياسي لتعطيل بناء المحكمة الدستورية، ويمكن أن يكون مؤشراً إيجابياً على استعداده غير المشروط للحوار.

أما بالنسبة إلى بقية مكونات المشهد السياسي من ائتلاف حكومي وبرلماني ومنظمات وطنية وأحزاب غير برلمانية، فإن هذا التصويت وما يمكن أن يحصل من تعطيل للمحكمة الدستورية سيدفع بها نحو مزيد من التقارب والالتقاء على أساس حماية الديمقراطية، والمسارعة بإطلاق حوار وطني سياسي واقتصادي واجتماعي بإشراف المنظمات الوطنية دون استبعاد لمشاركة رئيس الجمهورية، وذلك للتوافق حول حلول لتجاوز الأزمة. وفي الأثناء فإن هذا التصويت سيعزز موقع الحكومة ودورها وجهودها في التعاطي مع الأزمة، بما يقدمه من رسائل استقرار وتماسك لمؤسسات الدولة، وقدرة على التقدم في استكمال بناء منظومة الحكم. وفي كل الأحوال فإن مصادقة البرلمان على تنقيح القانون 50 المتعلق بالمحكمة الدستورية يوم 4 مايو/أيار 2021 قد حركت حالة الجمود والسكون التي عاشتها الساحة السياسية الأيام الماضية، وسيكون لها ما بعدها في قادم الأيام على الساحة التونسية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي