(Yassine Mahjoub/AFP)

تونس التي ينظرون إليها استثناء ديمقراطياً عربياً، دخلت فجأة في 25 يوليو/تموز الماضي مرحلة من الإجراءات الاستثنائية الملتبسة المثيرة للجدل اختلفت النخبة والرأي العام في توصيف طبيعتها، لكن وحّدتهم المخاوف بشأن مآلات الأحداث وتبعاتها.

تبدو تونس اليوم في ظل الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس قيس سعيد بشكل منفرد في حالة من التيه والسير من دون بوصلة ولا أفق.

فالرئيس على الرغم من مرور قرابة شهرين لا يبدو أنه يملك رؤية لما يريد، ولم ينجح بتكليف رئيس للحكومة أو وضع خارطة طريق طالبه بها الجميع من الأيام الأولى لإعلان إجراءاته.

ومن دون أي جهات رقابية يجري الرئيس تعيينات واسعة مستهدفة بالأساس المؤسسات الأمنية والعسكرية للدولة، ما يوحي بأنه يعيد تشكيلها من دون معايير واضحة ولا شفافة، وتحيل ضمناً إلى سعيه لتكريس مؤسسات موالية له بدل مؤسسات جمهورية محايدة.

والخطير أن المؤسسات الدستورية التي أقيمت عبر مسار ديمقراطي توافقي تعيش لأول مرة حالة من الشلل شبه التام، فالبرلمان وضع على بوابته أقفالاً، وأمامه عناصر من الجيش، وقصر الحكومة في القصبة مغلق بعد أن أُخلي من موظفيه بشكل لم تعرف له البلاد مثيلاً منذ عقود طويلة.

نهضت تونس خلال العشرية الماضية على الرغم من المناخات الإقليمية والعربية العاصفة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً واجتماعياً وصحياً، تجربةً لافتة. قد لا تقنع بها ويخفت ألقها لديك إذا ولجت في تفاصيلها وتابعت التنازع المستمر لبعض قواها السياسية أو مشاهد التهريج في مجلسها النيابي وما يقع فيه من تجاذبات.

بيد أن المشاهد المنصف للوضع العام في صورته العامة سينظر بعين الارتياح إلى المنسوب المقبول للحريات العامة والفردية الذي يبز الديمقراطيات الغربية أو مسار الانتقال الديمقراطي عبر مؤسسات منتخبة أو محطات انتخابية متتالية حرة ونزيهة.

وحتى بعض الممارسات التي قد تبدو مسيئة إلى المشهد الديمقراطي كانت بحقيقتها تعبيرات غير ناضجة وغير عقلانية لهذا المسار الذي يتعقلن تدريجياً، بخاصة أن جل القوى الفاعلة فيه حديثة عهد بفضاء الحرية والمنافسة الديمقراطية.

لم تمثل الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس التونسي، فقط خرقاً جسيماً للدستور واستهدافاً للنظام السياسي القائم على فلسفة توزيع صلاحيات السلطة بين مراكز حكم ثلاثية الأضلاع لحماية ديمقراطية وليدة طرية العود، وإنما مثلت هذه الإجراءات أيضاً قفزة في الفراغ والمجهول.

يبرر الرئيس إجراءاته بعدم قبوله بمشهد سياسي ومنظومة حكم رديئة على حد تعبيره. وتمثّل هذه النظرة في حد ذاتها رؤية قاصرة تنظر إلى تعقيدات المشهد السياسي من علٍ، وتتجاهل حقائق صلبة تتعلق بتواصل جزء من النظام القديم في الواقع، معبراً عن نفسه بأشكال مختلفة، وظل يضغط على المشهد السياسي، إرباكاً أو تطويعاً، مستفيداً من التشبيك مع قوى الثورة المضادة في الإقليم.

ظل الرئيس يتحدث عن المنوال النموذجي للحكم ويكرره في خطابه، بينما رفض هو نفسه في بداية عهدته التوقيع على قانون انتخابي منقح يحمي المسار الديمقراطي من الذين يشيدون بالنظام القديم.

واليوم وبعد مرور أكثر من 50 يوماً على الخطوات المثيرة للجدل للرئيس سعيد، بدت البلاد وهي تواجه مأزقين بدل مأزق واحد، انطلقنا في 25 يوليو/تموز بمأزق تعليق مؤسسات دستورية وهي البرلمان والحكومة، ومركزة الصلاحيات في يد رئيس الجمهورية، لنواجه لاحقاً مأزقاً إضافياً ممثلاً في عجز الرئيس سعيد عن تشكيل الحكومة، ولا حتى إعلان خارطة طريق توضح كيف يدير الرئيس المرحلة الاستثنائية وبأي اتجاه.

مأزق اعتبرته الطبقة السياسية وقطاعات واسعة من الرأي العام أدخل البلاد في شبه شلل لمؤسسات الدولة. وكانت النتيجة الطبيعية لهذه المآلات المخيبة والمتوقعة للإجراءات الاستثنائية أن انتقلت أطراف منها مؤيدة لخطوات سعيد إليها متحفظة ثم رافضة.

وتشكل ما يشبه الإجماع اليوم على أنه لا يمكن الاستمرار في حالة الاستثناء، ولا يمكن القبول بترك مؤسسات الدولة في حالة شبه شلل كامل.

ولقد تعمّقت هذه المخاوف مع بروز نزعة لدى مؤسسات الحكم التي تأتمر بأوامر سعيد، من التضييق على الحريات الأساسية كمنع التنقل والسفر وإخضاع العديد من الشخصيات لإجراءات من دون أوامر قضائية.

ونحن نتجه إلى نهاية التمديد الأول من الإجراءات الاستثنائية يواجه الرئيس عزلة غير مسبوقة بسبب افتقاده أي رؤية مصاحبة للإجراءات الاستثنائية التي أعلنها.

كما بات واضحاً أن دائرة رفض استمرار حالة الغموض التي كرستها الإجراءات الاستثنائية المثيرة للجدل تتسع بشكل متسارع.

فالإجراءات التي راهن البعض على تأييدها عند الإعلان عنها، خطوةً في الحل باتجاه إصلاح الاختلالات التي شابت منظومة الحكم والمشهد السياسي، تبين أنها جزء من المشكل، بل عمّقت الأزمة ووضعت البلاد على طريق المجهول وتحولت مع الزمن إلى تهديد حقيقي للمسار الديمقراطي والمكتسبات التي تحققت خلال الأعوام العشرة الماضية.

وإذا استمرت الديناميكية الإيجابية في احتواء الإجراءات الاستثنائية والالتفاف على آثارها السلبية، فستنجح النخبة السياسية والاجتماعية بإعادة البلاد إلى الوضع الطبيعي وتسهيل مهمة الرئيس في إنهاء الإجراءات الاستثنائية والركون إلى الحوار لبناء توافقات جديدة تتجاوز المظاهر السلبية لمرحلة ما قبل 25 يوليو/تموز، تشمل عودة مختلفة لمؤسسة البرلمان، وفريق حكومي يسهر على التصدي للملفات الاجتماعية والاقتصادية الحارقة.

ويبقى هذا السيناريو هو الراجح، إذا لم تحصل مفاجآت في القصر تخلط الأوراق. وهو سيناريو المخاطر الكبرى بسبب ما تتعرض له البلاد من اختراق لقرارها السيادي في ظل حالة الهشاشة التي يعيشها الوضع الحكومي.

لقد تماسكت تونس إلى حد كبير بمواجهة الإكراهات الداخلية والضغوط الخارجية، رغم أنها أرهقتها فعضت على تجربتها الديمقراطية بنواجذها، إصراراً بلا تراجع.

ويقيني أن تونس عشر سنوات بعد الثورة إذا تمكنت من احتواء الآثار السلبية للإجراءات الاستثنائية فستكون بالطريق الصحيح على الرغم من الأخطاء الكثيرة التي تحتاج إلى تدارك، والصعوبات والتحديات الجسيمة التي تقتضي حسن تدبير.

أما تونس المثال فلا يمكن أن تتحقق وعمقها الاستراتيجي مريض، وبيئتها الإقليمية والعربية متضعضعة، وهي مكوّن من جغرافية إقليمية كلها ندوب عميقة تحتاج إلى اندمال، وتصدعات عنيفة تحتاج إلى التئام.

إن تونس بوصفها تجربة استثنائية من زمن الربيع العربي لا تحتاج إلى إجراءات استثنائية تربك مسارها الديمقراطي وتهدد مكتسباتها السياسية، بل تحتاج إلى عبقرية استثنائية لتعزيز مسارها الديمقراطي ليكون أكثر صلابة، حتى تستجمع شروط استعصائها على رياح الثورات المضادة العاصفة التي تريد أن تعيد تونس إلى نادي الدكتاتوريات الذي تزدحم به المنطقة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي