تونس (Reuters)

إذا كانت الخلاصة تحيل على حجم عجز الحكومات التسع المتعاقبة على إدارة ملف التنمية والعدالة الإجتماعية، مما جعل قطاعاً واسعاً من الجماهير لا تدين النخب العاجزة فقط بل تحبط من انتظارات الثورة، وتحول غضبها من تداول النخب الحاكمة وعجزها وعبثها، إلى يأس من المنظومة التي أفرزتها.

تونس الاستثناء في محيط الربيع العربي، لم تستثن في انتخابات 2019، من تسلل الشعبوية من شقوق الأزمات الحادة، لتستقر في قرطاج، وبشرعية انتخابية فاقت ثلثي الناخبين. لم يفهم المتابعون اليوم كيف قفز قيس سعيد لسدة الرئاسة من دون أن تتوفر له شروط النجاح التقليدية في استحقاق انتخابي رئاسي، تضخ فيه الأموال وترسم له استراتيجيات الدعاية والتواصل، وتسنده قوة أو قوى حزبية وازنة وتراهن عليه في حالة الدول التي لم تستكمل مقومات سيادتها واستقلال قرارها الوطني القوى الإقليمية والدولية المعنية.

من آليات الشعبوية وتقنياتها الناجعة رد الاعتبار للجمهور في مقابل ترذيل النخب، بل إن مدارها الدعائي يتكثف عند هذه المخاتلة، وقيس سعيد أبدع في استعمال التقابل الماكر بين الجماهير والنخب، واستعمل المباح وغير المباح في خطابه لتخوين وترذيل مجتمع النخبة، وهيأ طيلة سنتين المناخ النفسي والشعبي ليغتصب الحكم، "كل الحكم" ليلة 25 جويلية 2021.

حدث مكروه سقوط آخر حصون الربيع الثورات، وأول ديمقراطية ناجزة في عالم العرب، بين مخالب شعبوية سائبة، وخرج جمهور الرئيس/البطل يرقص فرحاً بيوم الخلاص من منظومة الفشل والعبث. ليس مهماً الآن استعراض مواطن الضعف البنيوي وهشاشة المسار السياسي الذي أفرزته الثورة التونسية. المهم والسؤال الحارق اليوم مداره المستقبل، فهل تنجح الشعبوية في وأد أول محاَولة تاريخية ناجزة لدخول العرب إلى عالم الحداثة السياسية، ونادي الديمقراطية؟

صعوبة الإجابة لا تتصل فقط بتعقيد الحالة التونسية في علاقتها بتوازناتها الداخلية وترتيبات المعطى الإقليمي والدولي، بل في عدم إجرائية أدوات التحليل السياسي في فهم ومقاربة “ظاهرة شخصية الرئيس ". ليلة انقلاب الرئيس علي الموجود الدستوري والماثل السياسي، وعد بالعودة إلى الشرعية ورفع "إجراءاته الاستثنائية" بعد شهر وهي المدة المنصوص عليها في الفصل 80 من الدستور، وبعد يومين تصدر بلاغاً بإمكانية تجديد المهلة، وبعد انقضاء الشهر أصدر بلاغاً ثانياً أعلن فيه أنه سيجدد لنفسه المهلة "حتى إشعار آخر"، وفهم قليل الذكاء ومتوسطه أن الرئيس لن يعود للوراء كما ما فتئ يردد في الأيام الاخيرة.

بعد مرور أكثر من شهر على الانقلاب تبينت مؤشرات للعودة إلى نصاب قمعي بوليسي، رغم التطمينات المتكررة للداخل والخارج أنه لن يتراجع عن مكاسب الثورة، ولن يمس من الحريات العامة، فقد تكررت المداهمات البوليسية الليلية للمطلوبين في قائمة الانقلاب، من سياسيين ومدونين لم يُعرف عليهم فساد مالي بقدر ما عُرف عنهم معارضتهم للإجراءات الأخيرة، كما وضع آلاف التونسيين في قائمة الممنوعين من السفر، وتكرر وضع شخصيات سياسية وقضاة في الإقامة الجبرية دون موجب قانوني واضح، وقبل هذا أغلق مقر قناة الجزيرة وجُيرت القناة الوطنية للدعاية الصفراء للانقلاب، وفي أول احتجاج سلمي في الشارع واجهه البوليس بتعنيف الصحفيين والمحامين.

كانت هذه أول المؤشرات على الانحراف نحو تركيز نصاب سياسي مغلق وعنيف، لتنزيل الأجندة المسكوت عنها، وعنوانها الكبير نسف منظومة الديمقراطية التمثيلية بكل وسائطها الحزبية والمدنية واستبدالها بالنظام المجالسي القريب من نموذج نظام اللجان الشعبية في ليبيا القذافي.

لعل غرف التخطيط في قرطاج ووراء البحار استشعرت تعقيد وصعوبة الذهاب نحو الأقصى في تمشي الرئيس، ففي الداخل بدأت دينامكية مواجهة ومعارضة جادة للانقلاب الدستوري الناعم، وتتالت المواقف والبيانات المنددة بالاعتداء على الحقوق والحريات العامة، وتعالت الأصوات من مختلف المواقع للتحذير من المنزع الاستبدادي، ودعت للعودة الفورية إلى استئناف المسار الديمقراطي. وفي الخارج يبدو الرئيس بدون سند خارجي واضح، فدول الجوار الإقليمي وباستثناء فرنسا، كانت مواقفها مجمعة على ضرورة غلق قوس الإجراءات الاستثنائية في آمادها المحددة دستوراً، وكان أبرزها وأكثرها وضوحاً موقف إدارة بايدن الذي كان متشدداً في معارضة مبادرة الرئيس بالتأويل المتعسف للفصل 80 من الدستور وتفعيله المتسرع دون موجب سياسي وواقعي ملموس.

قيس سعيد لم يلتزم إلى حد الآن بتقديم خارطة طريق للعودة إلى الشرعية على ما نصحه به حلفاؤ قبل خصومه. ويمكن من خلال رصد مؤشرات واحتمالات المستقبل المنظور حصرها في الممكنات الأربعة التالية:

1- استثارة أو صناعة "خطر ماثل" باستعمال ورقة الإرهاب والتفجيرات واتهام الغنوشي وحزبه بتدبيرها، فيضرب الانقلاب عصفورين بحجر واحد: ليستجيب من ناحية لرغبة داعميه في الداخل والخارج في استئصال الإسلاميين أو تحجيمهم، ويشرع سياسياً في استمرار الانقلاب وتركيز مشروعيته بدالة مقاومة الأصولية والإرهاب. هذا الاحتمال الذي أكده تسريب جديد لوثيقة من الدوائر الاستشارية للقصر في موقع "عربي 21"، وإن كان وارداً، فهو الأضعف من بين الفرضيات الممكنة، ليس فقط لكلفته المدمرة، بل ولسذاجته وانكشافه للرأي العام حتى أصبح محل تندر في منصات التواصل الاجتماعي، وإذا أضفنا لهذا صعوبة تمريره دولياً، فيمكن القول إنه الاحتمال الأضعف رغم أنه في حكم الوارد.

2 - المرور بالقوة إلى إلغاء الدستور وتنزيل المشروع الانقلابي بآلية الاستفتاء، وهذا الوارد سيستفيد مما يبدو من حالة الخوف وضعف المعارضة للانقلاب من جهة، وغضبية الجمهور من منظومة الثورة، ولكن تعقيد الوضع الاقتصادي وعمق الأزمة الاجتماعية، من جهة وحاجة البلاد إلى مقاربة تشاركية شاملة لمعالجة الأزمة المالية الحادة والمركبة، وحاجة البلاد إلى دعم المؤسسات الدولية المانحة، تقف عائقاً أمام هذا الخيار وعاملاً طارداً لإمكانية تنزيله.

3 - أن تتولى المؤسسة العسكرية المبادرة بالإطاحة بالرئيس، وتنتقل الحالة التونسية من عنوان الانقلاب الدستوري الناعم إلى الانقلاب العسكري الصلب، وهو احتمال اشتغلت عليه مقاربات عديدة في الداخل والخارج، وأن ما يحدث ليس سوى مقدمة لمسرحية لانقلاب قادم خلف عربة 25 جويلية المتزينة بلحاف الشرعية الدستورية.

لا يمكن الجزم بهذه الفرضية إذا استحضرنا تقاليد المؤسسة العسكرية التي عرفت بحيادها وعدم تورطها في الشأن السياسي، ودورها الإيجابي أيام الثورة ورفض قياداتها قمع الشارع. هذا كله أو جله صحيح، ولكن قبول الجيش بتنفيذ تعليمات الرئيس ليلة انقلابه وتحريك الآليات العسكرية لغلق البرلمان وقصر الحكومة، والاستيلاء على غرفة العمليات في المقر المركزي للحرس الوطني، مؤشرات لاحتمال تورط المؤسسة العسكرية في الشأن العام، وممكن مبادرتها بافتكاك الحكم، بخاصة إذا وجدت غطاء دولياً لخطوتها، وهو أمر مستبعد ولكنه من الممكنات الماثلة.

4 - الاحتمال الأخير هو عودة العقل والتعقل لمؤسسة الرئاسة بالعودة إلى الشرعية، والبحث عن ترتيبات وتسويات سياسية مع مكونات الخارطة السياسية والمدنية والاجتماعية، وإطلاق ورشات إصلاح شامل لتجاوز مفردات الأزمة العامة َالعميقة، في إطار شرعية دولة المؤسسات والقانون، وهذا الخيار عائقه الوحيد هو، "الموت السياسي" للرئيس في مناخ شعبوي غالب ينتظر منه استئصال الماثل الدستوري والسياسي، مما سينسف شرعيته الأخلاقية والطهورية، وينهيه سياسياً.

يبدو من الواضح أن الرئيس في ورطة، فتردده وعدم وضوح خطواته القادمة يؤشر إلى أنه في حيرة عاجزة، ستتعمق مع قادم الأيام وتفتح التجربة التونسية على المجهول، إلا إذا تمكن "الذكاء التونسي" مرة أخرى من الخروج الأنيق من أخاديد التاريخ ومآزق السياسة وقد ينجح بل الغالب والمرجح أنه سينجح.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي