يقال إن القرن العشرين بدأ مع الحرب العالمية الأولى، وانتهى مع سقوط حائط برلين. كان سقوط حائط برلين يؤرّخ لمرحلة يُغلَق فيها قوس، ويُفتح آخر.

أغلق قوس الحرب الباردة التي توزعت فيها البشرية بين نموذجين سياسيين واقتصاديين، وتصورين للإنسان والمجتمع، وفُتح غداة سقوط حائط برلين قوس جديد يؤشّر على انتصار قيم الليبرالية، أو كما اعتُقد حينها، أو الليبرالية الجديدة، التي تزامنت مع العولمة.

منذ ذلك التاريخ انبرت الولايات المتحدة تنشر آيديولوجيا جديدة تقوم على الليبرالية في الاقتصاد والدمقرطة في السياسة. كانت تلك هي القيم التي أعلن عنها مستشار الأمن القومي حينها أنتوني ليك، في إدارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، واعتبرها "براديغم" السياسة الأمريكية في العالم، وكان ذلك في ربيع 1993، بمعهد هوبكينس بواشنطن.

وجرت مياه تحت الجسور بعدها، ولم تكن الليبرالية الجديدة، أو ما سمي "توافق واشنطن" الذي كانت تمليه المؤسسات المالية العالمية، والداعي إلى تحرير الاقتصاد ورفع الحواجز الجمركية، والتخلص من القطاعات الاجتماعية، إلا ديكتات، أو إملاءات. لم تُفضِ تلك الإملاءات إلى الرفاه الموعود، ووسّعت الشرخ بين الأغنياء والفقراء، وقلصت الطبقة الوسطى التي تآكلت قوتها الشرائية، وتحولت عمليات الخصخصة التي كان ينادي بها الصندوق العالمي، إلى عمليات نهب ممنهَج، من خلال مافيات مختصة في شراء مؤسسات اقتصادية بأبخس الأثمان.

إن ما يجري في العالم العربي منذ 2011 هو أحد تداعيات أزمة الغرب أو إملاءاته وغض الطرف عن ممارسات مفضوحة للفساد والاستبداد.

حسن أوريد

كانت روسيا حالة مدرسية للاستيلاء على مؤسسات اقتصادية بطرق ملتوية، فضلاً عن المحسوبية أو ما يسمى Cronies في كثير من دول العالم الثالث، بخاصة في العالم العربي، حيث لم يكُن يستفيد من عمليات الخصخصة إلا النافذون.

لقد اقترنت الليبرالية الجديدة في روسيا وفي العالم بظهور ممارسات أشبه ما تكون بمافيات، وتحولت إلى سلطات موازية. أما ما كانت تنادي به الولايات المتحدة من تبادل حرّ فقد تبين أنه لم يكُن متوازياً، وإنما لفائدة الولايات المتحدة، وكانت الولايات المتحدة أول من طالب بسياسة حمائية حينما تبينت أن التبادل الحر مع الصين ليس في صالحها.

لنقُل بإيجاز شديد إن الليبرالية الجديدة فشلت، وأبانت عن عيب بنيوي ملازم للمنظومة الليبرالية، هو سوء التوزيع، إذ استفحلت الفوارق بين فئة قليلة راكمت أموالاً طائلة، والسواد الأعظم الذين ازدادوا فقراً، وهو ما يفسر ظهور المسألة الاجتماعية في العالم، سواء الغربي وغيره.

متى أُغلِقَ قوس ما بعد حائط برلين؟

ترى جريدة الفاينانشيال تايمز أنه أُغلِقَ غداة الاستفتاء على خروج بريطانيا من المجموعة الأوربية، أو البريكست سنة 2016، لأن خروج بريطانيا يزعزع أهمّ معقل اقتصادي برز في أعقاب الحرب العالمية الثانية كانت الغاية منه الحفاظ على سؤدد الغرب، وهو المجموعة الأوربية.

لكن هناك من يرى أن نهاية ما بعد حائط برلين بدأت مع الأزمة المالية لسنة 2008، وأن النموذج الذي رفعته الولايات المتحدة أخذ يترنح حينها. مؤشرات نهاية سؤدد الغرب تبدأ من سنة 2008، وهو ما أشار إليه كتاب صدر قبل أيام للباحثَين الأمريكيَّين إيفان كاتسفين وستيفن هولمس بعنوان "النور الذي أخفق The light that failed"، يعتبران فيه سنة 2008 فيصلا بين مرحلتين، مرحلة كان الغرب فيها هو النموذج ويسعى العالم ليقلده أو يقتفي أثره، وما بعدها إذ لم يعُد نموذجاً، وأخذت دول تتحلل من وصايته الاقتصادية وسبقه التكنولوجي ومنها الصين.

الذكرى 30 لسقوط جدار برلين
الذكرى 30 لسقوط جدار برلين (TRT Arabi)

يضيف الباحثان عاملين، يؤشران على نهاية مرحلة ما بعد سقوط حائط برلين، هما أولاً ظهور روسيا على الساحة العالمية، في أشكال إن لم ترْقَ إلى صراع الحرب الباردة فهي تأخذ شكل تنافس في مراكز نفوذ، كما في أوكرانيا وسوريا. أما العامل الثاني فهو الرئيس الأمريكي ترمب، الذي أدخل الولايات المحتدة في سياسة انعزالية سياسيّاً، وحمائية اقتصاديّاً.

انتهت مرحلة ما بعد سقوط حائط برلين، وهي مرحلة لا تؤشّر على إعادة ترتيب في العلاقات الدولية فقط، بل على وضع سؤدد الغرب على المحكّ، فهل سيبقى الغرب القاطرة التي تقود العالم؟

لأكثر من أربعة قرون ساد الغرب العالم، وفرض تصوراته ورؤاه، اقتصاديّاً وسياسيّاً وعسكريّاً وفكريّاً. واقترن التحديث بمدى التطابق مع القيم والرؤى والنماذج التي يمثلها حتى أصبح التحديث مرادفاً في الغالب للتغريب. ولأول مرة بعد أربعة قرون سينتقل الثقل الاقتصادي خارج الغرب، وستصبح الصين في غضون أقل من عقد من الزمن القوة الاقتصادية الأولى في العالم.

هذا التحول العميق لن يحدث كما رسالة في البريد، أو بسهولة، بل سيُفضِي إلى اختلالات عميقة، والمرجَّح أن ساحة هذه الاختلالات ستكون العالم العربي. فإذا كانت ساحة التغييرات العميقة بعد سقوط حائط برلين هي أوربا الشرقية، فالمرجح أن العالم العربي هو ساحة التغييرات التي تحدث من داخل الغرب، لأسباب جغرافية وتاريخية واجتماعية.

ليس في الأمر تَخَرُّص، بل هو واقع، إذ إن ما يجري في العالم العربي منذ 2011 هو أحد تداعيات أزمة الغرب، أو إملاءاته، وغضّ الطرف عن ممارسات مفضوحة للفساد والاستبداد، فضلاً طبعاً عن المشكلات البنيوية للعالم العربي التي لا يمكن حجبها والمرتبطة بتوزيع السلطة والثروة، والثقافة المستشرية.

المؤسسات التي أقامها الغرب عقب الحرب العالمية الثانية، تعيش أزمة وجودية. الأمم المتحدة لم تعُد إلا مؤسسة للخطابة، وتعدم أي سلطة تنفيذية، فضلاً عن عجز مالي مُستشرٍ. والمجموعة الأوربية بدورها تعرف تصدُّعاً، وأزمة ثقة. والناتو تتخلله أزمة وجودية وتصدُّع خفيّ بين الولايات المتحدة وأروبا، أو على الأصحّ فرنسا.

نحن مُقبِلون على مرحلة غير مسبوقة في العالم، ستغير في العالم العربي المنظومة المتوارثة عن الاستعمار، ومن الضروري رصد ما يجري، ويتعين بعدها فهم ما يعتمل، في أفق بناء تصوُّر جديد للمجتمع وللإنسان وعلاقات الدول.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي