ما الذي دفع السعودية لعقد مؤتمرَي قمة على المستوى الخليجي والعربي يسبقان القمة العاديَّة لمنظمة المؤتمر الإسلامي؟

مجموعة من الدوافع جعلت الرياض تقوم بعقد مؤتمرَي قمة على المستوى الخليجي والعربي يسبقان القمة العاديَّة لمنظمة المؤتمر الإسلامي:

أولاً: استشراف الرياض بأن القمة الإسلامية لن تجاري طموحاتها في إدانة إيران والتحشيد ضدها، هنا، استشعر القادة السعوديون أنهم سيظهرون -وفق ذلك- بمظهر المعزول غير المسنود من مجاله الإسلامي، فتمّت الاستعانة بالعمق العربي والخليجي لإنقاذ ماء الوجه.

ثانياً: الموقف الأمريكي، تحديداً موقف ترمب، غير الراغب في الحرب، وتصريحاته الأخيرة في طوكيو عن عدم تفكيره في إسقاظ النظام في طهران، كل ذلك أشعر الرياض بعدم اليقين، وأحرج القيادة السعودية أمام مواطنيها، لذلك أرادت ترميم المسألة ببعض الأسمنت العربي والخليجي.

ثالثاً: لا تزال السعودية تحاول أن ترسّخ مفهوم مركزيتها في مستويات اتخاذ القرار الخليجي والعربي والإسلامي، فثمة شكوك أن أدوارها قد انحسرت في الآونة الاخيرة، لذا تراها تحاول أن تقول "ليس بعد".

أخذت السعودية بيانين من ثلاثة كما تريد لكنها واجهت بروداً واضحاً وانقساماً حقيقياً في المواقف كما أنها فشلت في إقناع الجميع بخيار المواجهة المفتوحة مع إيران.

عمر عياصرة

رابعاً: الهجمات الأخيرة على خطوط أرامكو وبواخر الفجيرة، كانت مؤلمة من جهتين، أولاهما أنها أحرجت القدرات والصفقات التسليحة السعودية المبالغ فيها، والأخرى أن ردود الفعل الأمريكية والدولية وحتى العربية كانت باردة إلى حدّ الإحباط.

خامساً: رغبة المملكة العربية السعودية في إقناع إدارة ترمب بأن مع رؤية عزل وضرب إيران تماهياً خليجياً وعربياً وإسلامياً، ممَّا يدعم تيار "بولتون وبومبيو" في مواجهة تردُّد الرئيس دونالد ترمب.

سادساً: ضمن أضعف الإيمان، أرادت السعودية مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية في عملية "عزل ومواجهة" إيران دبلوماسياً واقتصادياً، استكمالاً لعملية الإطباق عليها، ونقل أزمتها إلى الداخل المحلي، ومن ثم إجلاسها إلى الطاولة التفاوضية الأمريكية أقلَّ قوةً وتحكُّماً.

في النهاية انعقدت القمم الثلاث في مكة المكرَّمة، فماذا كانت النتيجة؟ وما أبرز المُعطَيات المستقاة مما جرى:

أخذت السعودية ما تريد من إدانة للهجمات على محطاتها النفطية، وعلى ميناء الفجيرة الإماراتي، وكان الملاحَظ أن البيان الصادر عن القمة الخليجية والعربية صِيغَ بإرادة سعودية خالصة، فمعظم نقاطه كانت تتحدث عن "شيطنة إيران" وإدانتها، مما أظهر العمقين العربي والخليجي بمظهر المحتشد وراء الرياض.

لكن بالمقابل، حين تستمع إلى كلمات القادة العربية، كلهم باستثناء ملك السعودية، تلاحظ تجنُّباً شديد الورع لذكر إيران أو اتهامها مباشرة، مع الإبقاء على إدانة الهجمات التي تعرضت لها السعودية والإمارات، وتلميح في بعض الأحيان إلى الحوثيين.

أيضاً كانت المفاجأة بإعلان العراق رفضه للبيان الختامي، وأنه لم يشارك بصياغته، مما وضع السعودية في حرج الاستفراد بالبيان، كما أظهر دولة كبيرة وهامة بحجم العراق بمظهر المصطفّ إلى جانب إيران.

هذا ناهيك بتوجهات الأردن وفلسطين ولبنان والكويت نحو تأكيد مركزية القضية الفلسطينية، وأنها أولوية يجب عدم مزاحمتها بأولويات "الصراع الإيراني-السعودي".

لكن رغم الكلمات المتحفظة للرؤساء العرب، فإنهم أعطوا السعودية ما تريده في البيان الختامي، فكان التناقض هنا سيد الموقف، وظهر العرب مجاملين في البيان، وهامسين مُحرَجين في كلماتهم أمام القمة.

ما يلفت الأنظار في هذه القمم، كلمة وموقف أمير دولة الكويت، الشيخ صباح الأحمد، فقد كان زعيماً بامتياز، حاول نقل القمتين العربية والإسلامية من تماسَّات النخبة إلى عموم إشكالات الأمة.

العرب عجزوا في بيانهم عن تدشين أكثر من فقرة واحدة لصالح فلسطين بينما تحدثت إحدى عشرة فقرة عن إيران وتم إهمال كل قضايا العرب وساحاتها المتفجرة.

عمر عياصرة

نعم، عبّر الشيخ صباح الأحمد عن تجربة الكويت المريرة في بدايات التسعينيات، رغم أنه لم يذكرها مباشرة، لكن الحكمة والتوازن والدعوة إلى الحوار فاضت بمنسوب عالٍ وصادق في أثناء تقديمه خطاب الكويت للقمتين.

مصر، كانت متخبطة، لم تظهر بمظهر القائد، فالرئيس عبد الفتاح السيسي كلما حاول التحليق، عاد لينضبط مسجوناً خلف قضبان محور وتأثير "السعودية-الإمارات".

العرب عجزوا في بيانهم عن تدشين أكثر من فقرة واحدة لصالح فلسطين، بينما تحدثت إحدى عشرة فقرة عن إيران، وتم إهمال كل قضايا العرب وساحاتها المتفجرة، وهنا يظهر النفوذ السعودي وأنانيته النخبوية.

القمة الإسلامية جاءت مختلفة، بيانها مختلف، أولوياتها مختلفة، وهنا يظهر الفارق النسبي في استقلالية القرار بن الدول العربية والإسلامية.

لم تستطع السعودية، رغم تَسلُّحها ببياني العرب والخليج أن تتلاعب بتوجهات القمة الإسلامية، وهنا يأتي سؤال النفوذ السعودي: كم تَقلَّص في الآونة الأخيرة؟ ولماذا؟ وما دور سياسات محمد بن سلمان بكل ذلك؟

القمة الإسلامية أنصفت المسألة الفلسطينية نسبيّاً، رفعت السقف، وتجاوزت ديباجة "المبادرة العربية" إلى الحديث عن الخطة الأمريكية ونقل السفارة.

لم تستطع السعودية رغم تَسلُّحها ببياني العرب والخليج أن تتلاعب بتوجهات القمة الإسلامية وهنا يأتي سؤال النفوذ السعودي: كم تَقلَّص في الآونة الأخيرة؟ ولماذا؟

عمر عياصرة

الأتراك كانو حاضرين بفاعلية معقولة، وظهرت بصمتهم في البيان الختامي في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فما قاله وزير الخارجية التركي بشأن القضية الفلسطينية تم نقله حرفيّاً إلى البيان الختامي.

ومن ملاحظات مداولات القمم الثلاث، وضوح أن كل دولة مشغولة بهمومها الخاصة ومصالحها وأولوياتها، كما كان واضحاً عدم رضا الغالبية عن استراتيجة "سعودية ابن سلمان" التي تقوم بتسليع المواقف والمساعدات.

نعم، أخذت السعودية بيانين من ثلاثة كما تريد، لكنها واجهت بروداً واضحاً وانقساماً حقيقياً في المواقف، كما أنها فشلت في إقناع الجميع بخيار المواجهة المفتوحة مع إيران.

ولا بد من لفت النظر إلى سؤال الداخل السعودي، وكيف ينظر إلى هذه القمم، وهل كان مستهدَفاً منها، وهل بات المواطن السعودي يشعر بالأمان المضاعف، بعد هذه القمم التي تلت هجمات الحوثيين وفشل الدفاعات السعودية في وقفها.

أسئلة كثيرة تختبئ في ثنايا تجاعيد المشهد السريالي الذي شهدناه في مكة، لكن هناك حقائق لا يمكن إغفالها، أهمُّها أن قمم العرب والمسلمين ليست أكثر من حبر على ورق، ومدى تأثيرها لن يغادر القاعة الفاخرة التي عُقدت بها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي