نعيش  هذه الأيام الذكرى العاشرة لانطلاق الشرارة الأولى في تونس لثورات الربيع العربي، والتي توسعت إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا، ومثلت نتيجة طبيعية لمخاض عسير مرت به المنطقة بين ظلم الأنظمة وفسادها واستبدادها وتطلعات الشعوب للحرية والكرامة.

وقد بدت المنطقة مع بدايات سنة 2011 وكأنها قد دخلت عصر الديمقراطية التي طالما تجولت حولها دون أن تحط رحالها فيها، بسبب الرهانات والمصالح الدولية والموقع الجغراسياسي، وتمركز الكيان الصهيوني الغاصب في قلبها النابض فلسطين.

لقد مارست أنظمة الاستبداد والفساد عملية تجريف للحياة السياسية في كل أرجاء المنطقة، أدت إلى حالة فراغ سياسي ونقمة اجتماعية حصلت بالتراكم، ثم كان الانفجار الاجتماعي الذي أسقط أنظمة الحكم في تونس ومصر وليبيا ثم انكسر في اليمن وسوريا وتحول إلى صراع مسلح وفوضى.

وبهذا التوصيف فإن ما حصل سنة 2011 في المنطقة العربية هو ثورات مكتملة الشروط، بسبب ما أحدثته من تغيير جذري في وعي الشعوب، وارتفاع منسوب تطلعها للحرية والديمقراطية.

والقول بأنها ثورات على غير النمط المتعارف عليه، رغم أن الظواهر الاجتماعية أبعد ما تكون عن النمطية فإنه لا ينقص من قيمتها شيئاً كأهم حدث في تاريخ المنطقة مطلع القرن الحالي.

ككل الثورات، فقد واجهت الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي كل مساعي الإجهاض والإفشال والانقلاب والفوضى التي لا تزال مستمرة دون هوادة من أجل وأد كل نفستحرريفي المنطقة، واشتركت في ذلك كل الأطراف الإقليمية التي تخشى على عروشها بالتحالف مع الكيان الصهيوني وبدعم دولي. دون نفي لوجود أطراف أخرى داعمة لمسار الحرية والديمقراطية في المنطقة .

إنّ واقع الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي، في ظاهره يبعث على اليأس من حيث الحصيلة العامة التي انتهت في سوريا إلى دمار وفوضى عارمة، وقتال فتنة أو قتال بالوكالة، أو قتال حضوري لقوى إقليمية ودولية، وتشريد لشعب كل ذنبه أنه طالب بالحرية والكرامة بعد أن جثم على صدره طيلة عقود نظام البعث المستبد الفاسد.

وكذلك الحال في اليمن الذي تحول إلى حلبة صراع إقليمي ودولي، وليبيا صاحبة الموارد الطبيعية الضخمة التي باتت لقمة سائغة للمطامع الدولية، دون اعتبار لمصالح الشعب الليبي، مع بارقة أمل في توافق قد يؤدي إلى حل سياسي يضع أسس بناء نظام ديمقراطي.

أمّا في مصر، التي تمثل قلب المنطقة بحكم الموقع والتاريخ والحجم والدور، فإن أوضاعها في تدهور غير مسبوق سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بعد الانقلاب على الشرعية ومسار الانتقال الديمقراطي في بداياته، بعملية تزييف للوعي وإيهام باستمرار الديمقراطية، وذلك بتواطؤ مع نخب علمانية لم تعتبر من التاريخ البعيد والقريب للسلوك السياسي للانقلابيين، بما جعل أوضاع مصر اليوم أسوأ بكثير من أوضاع ما قبل الثورة.

لقد بقي من الموجة الأولى ضوء في آخر النفق، أو كما يقال شجرة واحدة من الغابة، هي التجربة التونسية التي استطاعت أن تصمد إلى حد الآن في وجه الموجات العاتية لما يسمى بالثورة المضادة، حيث قدمت نموذجاً سياسياً ناجحاً لمسار الانتقال الديمقراطي، رغم ما فيه من تعثر في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، قائم على سياسة التوافق وبناء المشترك رغم حدة بعض النخب وتشددها وارتباطاتها .

ولقد كان لخصوصية تونس من حيث موقعها الاستراتيجي في الربط بين أوروبا وأفريقيا وبعدها الجغرافي عن الكيان الصهيوني، وطبيعة شعبها القائمة على وحدة الدين والمذهب العقائدي والفقهي وعدم تعدد الأعراق، كان لكل ذلك دور مهم في تقديم نموذج لثورة مكتملة المراحل نسبياً أطاحت بنظام ديكتاتوري ونجحت في بناء نظام ديمقراطي.

هذا النجاح جعل التجربة التونسية في عين عاصفة الاستهداف الإقليمي، الذي يعتبر نفسه المتضرر الأساسي من هبوب رياح الحرية والديمقراطية في المنطقة، وكذلك الدولي الذي يخشى من تضرر مصالحه حيث تكررت محاولات الإرباك والتحريض وضخ الأموال ولا تزال متواصلة دون هوادة.

إنّ ما تعيشه المنطقة من جراء انكسار الموجة الأولى لثورات الربيع العربي، دون فقدان الجذوة التي لاتزال مستمرة في تونس تجعلنا نتساءل حول آفاق تطلع الشعوب العربية للحرية والديمقراطية؟ أو بصيغة أخرى حول إمكانية انطلاق موجة أو موجات ثورية أخرى من أجل الحرية والديمقراطية؟

وبالمتابعة والمعاينة والرصد لما يجري من أحداث في أرجاء الأمة، نلاحظ مزيداً من تكريس الاستبداد وإحكام السيطرة على الشعوب، والتلاعب بمقدراتها ومزيد من تهميشها مع مزيد من الفشل في الملف الاقتصادي والاجتماعي والتلاعب بالأوطان.

يحصل ذلك بتدخل مباشر وغير مباشر من بعض الأطراف الإقليمية والدولية صاحبة المصالح في المنطقة، وبصلف صهيوني واعتداء على الحقوق والمقدسات منقطع النظير، ضمن ما يعرف بصفقة القرن واتفاقيات "أبراهام" للتطبيع مع أكثر من طرف عربي مقابل ثمن بخس.

كما أن مقارنة أوضاع منطقتنا بغيرها ممن كنا معه في وضع مشابه أو ممن نختلف عنه يؤكد أن شعوبنا العربية ليس أقل نضجاً واقتداراً من شعوب أمريكا الجنوبية التي لم تستقر فيها الديمقراطية إلا بعد عقدين على الأقل من انطلاقها، وكذلك في إفريقيا وجنوب شرق آسيا، وقد نجحت عديد التجارب في تحقيق الديمقراطية والحكم الرشيد والرفاه الاقتصادي.

وما كوريا الجنوبية وماليزيا والبرازيل وجنوب إفريقيا ورواندا منا ببعيد.

إن انطلاق موجة أو موجات ثورية جديدة في منطقتنا أكثر جذرية في المدى القريب أو المتوسط، يكاد يكون حتمية تاريخية خاصة مع استشراء الظلم والفساد والإمعان في تكريس سياسات التهميش والحيف الذي راكم وسيراكم الوعي بأهمية التغيير وإرادة الحياة والحرية والكرامة لدى الشعوب.

كما أن الحوار والتوافق والبحث عن تسويات وحلول سياسية لقضايا المنطقة في بعض المواقع بعد أن أنهكتها الصراعات ودمرت حاضرها وصادرت مستقبلها قد بات ضرورة ملحة لتعبيد الطريق أمام تحولات ديمقراطية حقيقية .

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي