يحتمي المجلس العسكري بحلفائه الخارجيين، مستغّلاً حالة التوتر في منطقة الخليج، والانقسام الدولي الذي تحكمه توازنات القوة وحساب امتيازات النخب المتشابكة ليعمل آلة القتل في المدنيين وهو بذلك يفقد الشرعية التي تحوزها الثورة بسلميتها.

تمر الثورة في السودان بأشد مراحلها العصيبة، فالشعب الذي ثار منذ ستة أشهر من أجل الخبز والوقود، وتمكن من إسقاط حكم البشير الإجرامي، لن يتنازل اليوم عن إسقاط النظام برمته وممثله المجلس العسكري الانتقالي، الذي كشف عن أقبح وجوهه، بتدويره آلة القتل التي حصدت ما يزيد على أرواح 100 معتصم سلمي في أثناء فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم، الإثنين الماضي، عدا تورطه في عمليات إطلاق النار على المتظاهرين يوم 13 مايو 2019، مستخدماً، ميليشيات الجنجويد سيئة السمعة، التي تمارس أبشع صور العنف والإرهاب.

يحتمي المجلس العسكري بحلفائه الخارجيين، مستغّلاً حالة التوتر في منطقة الخليج، والانقسام الدولي الذي تحكمه توازنات القوة وحساب امتيازات النخب المتشابكة، بما يصب في صالحه، وكذلك يعوّل على مسألة الوقت ورهان انقسام القوى الثورية، وعدم احتمال الجماهير الحرب النفسية التي يشنّها، خصوصاً أن السودان يُعَدّ من أكثر 20 بلداً يعاني من الفقر، في مشهد يُوحِي بحتمية انهزام الثورة، ومآلها المماثل لمآلات ثورات الربيع العربي التي سبقتها.

لكن، حين يدقّق المرء بهدوء في المشهد، ويعي تبايناته، لا يسعه سوى التفاؤل مع المتفائلين، بأنّ الثورة في السودان تجترح مساراً أكثر نضجاً مما سبقها من ثورات أو احتجاجات شعبية.

وبدايةً، قد تمكنت الثورة من تحديد خصومها بدقة "العسكر والكيزان"، وفتحت باب المواجهة مبكراً، وقد فوتت عليهما مرحلة التلاعب والتشتيت بالاستفتاءات، وصناديق الاقتراع، والتباكي الزائف على أرواح الثوار.

وإذا كانت الثورات السابقة تتغنى بعفويتها وبأنها بلا قائد أو ممثّل، فالنموذج السوداني قد وعى الدرس، ويعمل حسب التقليد الثوري النقابي الذي يشترط وجود قادة وممثلين بمقدورهم الحشد والتعبئة والتنظيم والتنسيق بين الجبهات المتعددة، والمرونة في استبدال آليات الاحتجاج والمقاومة، ثم القدرة على صياغة الأهداف بوضوح وإحكام، حسب ما تمليه كل مرحلة، في إطار خطاب شعبوي بإمكانه جذب عاطفة الجماهير والتآلف في ما بينهم بما يسمح باستمرارية جذوة الحماس.

ودائماً ما يُراهن على ولاء الطبقة الوسطى سيما البيروقيراطيين الملحقين بجهاز الدولة الإداري، في إجهاض أي حراك ثوري، إلا أنّ المشهد قد تَغيَّر، ويقود حركة العصيان المدني الشامل، المهنيون من الطبقة الوسطى بمشاركة موظفي الدولة، وفي ظل فشل المفاوضات بينهم وبين المجلس العسكري، قد تصاعدت الدعوة للإضراب المدني الذي أثبت فاعليته، بما يعني أن الثورة قد اكتسبت عنصراً استراتيجياً لصالحها، يقوّض شرعية النظام ويشلّ إحدى أذرعه الحيوية.

يُطلَق على العنف الصريح الذي يحصد أرواح البشر "القوة العارية"، هذه القوة على قدر بشاعتها، تكشف هشاشة أنظمة الطغيان ومدى ضعفها وتجرّدها من شرعية الحق الذي تأسست عليه، ثم السلطة ذاتها؛ إذ إنّ السلطة والعنف بحسب حنه ارندت "يتعارضان، فحين يحكم أحدهما حكماً مطلقاً، يكون الآخر غائباً" وحسب قراءتها لمونتسيكو "فالحكم الأكثر عنفاً، هو الأقلّ قوة بين كافة أشكال الحكم".

ينفجر العنف من حيث يعجز النظام عن إيجاد ما يشرعن وجوده.

إيمان النمر

إذاً، ينفجر العنف من حيث يعجز النظام عن إيجاد ما يشرعن وجوده، وحين يتسيد العنف وحده يمكن القول بأن القوة التدميرية اللا عقلانية التي ينطوي عليها، بمثابة تدمير للسلطة نفسها على المدى البعيد، بما يعني أنّ الطرف الآخر المواجه لقوة العنف بوسعه أن يكتسب شرعية السلطة كبديل، حال تمكُّنه من صنع مشترك عامّ قابل للائتلاف والالتفاف حوله لتأسيس حق شرعية.

في نقد والتر بنيامين للعنف، قد بيّن أن العنف لا يمكن فصله أو نقده بعيداً عن المجال الأخلاقي، وما يرتبط بمفهومي الحق والعدالة، ومدى مشروعية الوسائل والغايات، إذ "تمثّل العدالة معياراً لتحديد الغايات، في حين تشكل المشروعية معياراً لتحديد الوسائل".

وهو يفصل بين العنف المؤسس للحق، ولنضرب مثلاً، حين يسقط نظام ويُقام نظام آخر مُنبَنٍ على مطالب شعبية مشروعة، ثم العنف المحافظ على هذا الحق وضمان حمايته، وهو المتعين في القانون، وأجهزة الدولة الأمنية من الجيش النظامي والشرطة، فإنّ وضاعة الدولة البوليسية "تتجلى في الغياب الكامل للفصل بين العنف المؤسس للحق والعنف المحافظ عليه"، وهو الراهن في نموذج المجلس العسكري الذي فقد شرعية الحق والحماية حين صار لا يمتلك سوى الرصاص والإرهاب في وجه شعب لم يعُد يمتلك شيئاً يخسره سوى كرامته، ولا رهان سوى مستقبله.

وفي محاولة للتوفيق بين عدالة الغايات ومشروعية الوسائل، تجاهد القيادة الثورية في التمسك بسلميتها، وتشدّد على ضرورة توخي الحذر من الانجرار إلى عنف الخصم، لئلا يتخذه ذريعة لترميم شرعيته المهددة.

لكن دائماً ما يُطرح السؤال حول مدى جدوى هذه السلمية أو اللا عنف؟

وفي الواقع إنّ ما يدور في السودان بين الثوار والمجلس العسكري، هو نوع من الحرب اللا متكافئة، حرب تواجه فيها الجماهير كمّاً هائلاً من الضغط النفسي والإرهاب، سيما في ظل توارد بعض المرويات التي تفيد بهجوم قوات الجنجويد على المنازل وتعرض بعض الأهالي للقتل والاغتصاب، مما يجعل مسألة السلمية على إطلاقيتها أمراً يكاد يكون مستحيلاً، في دولة قبائلية أصلاً، ولها تاريخ في الحروب الأهلية المسلحة.

في محاولة للتوفيق بين عدالة الغايات ومشروعية الوسائل تجاهد القيادة الثورية في التمسك بسلميتها وتشدّد على ضرورة توخي الحذر من الانجرار إلى عنف الخصم.

إيمان النمر

وفي ضوء الإخفاقات الثورية في المنطقة، يمكن أن ينُظَر إلى الشعارات الثورية الطوباوية، وحرص الثوار على نقاء الصورة المصدرة إلى العالم عن مدى تحضرهم وسلميتهم بنوع من الاستخفاف المرير.

لكن، وبناءً على ما سبق بيانه من هشاشة العنف، يتضح أن هذه السلمية يمكن أن تكون ذات فاعلية قابلة للابتكار وتنوع الآليات، سيما وأن المجلس العسكري يستخدم نفس أساليبه المهترئة، عكس القوى الثورية التي تتسع كل مدىً قاعدتُها الشعبية، فضلاً عن وعيها الثوري ومرونتها التي أفضت إلى القدرة على إعلان العصيان المدني الشامل بكل أنحاء الدولة ورفض التفاوض، إذ بات الاحتجاج الثوري كلِّيّ الحضور، وليس مقتصراً على مكان أو زمن محدد.

والتمسك بالسلمية هو ما قد يعرّي هذا النظام المفلس أمام العالم في عصر الصورة والإنترنت، وإن كان بعض شركات الاتصال بإيعاز من المجلس العسكري قد قطع الخدمة، بعدما أثبتت منشورات تجمُّع المهنيين فاعليتها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وللحيلولة بين توثيق الجرائم والانتهاكات، وإذا كان النظام الدوليّ لا يعوّل عليه، فنحن في عصر الجماهير، إذ بوسع صمود الشعب السلمي أن يصنع ظهيراً شعبيّاً على مستوى العالم بمقدوره الضغط والتشنيع بالمجازر.

ومن المهم أن ننوه بمدى التغيُّر الذي طرأ على الاحتجاجات والاضرابات السياسية في الدولة العربية والشرق أوسطية الحديثة.

إذ إنّ تاريخ المنطقة حافل بالثورات والاضرابات، لكن جلّها كان موجَّهاً ضد الاستعمار وشركاء الحكم المرئيين، لم تكن إضرابات جذرية الهدف لتأسيس دولة أو نظام بديل، وكان الحراك الشعبي غالباً ما ينتهي بالتسليم لسلطة العسكر عن رضا وقناعة، نظراً إلى ارتباط المؤسسة العسكرية بمشروع الاستقلال الوطني الذي كان محلّ وفاق وحسّ مشترك ليس عليه خلاف ذو بأس.

لكن ومع تضخم نخبة هذه المؤسسة فقد تعرضت للتصدع، حين واجهتها الشعوب بانتفاضات الخبز وفتحت باب السؤال عن العدالة والحرية، وحتى ثورات 2011 ودعوة سقوط النظام، لم يكُن متبيناً بوضوح ماهية هذا النظام، وثمة صعوبة في تعيين تشكيلاته بدقة، وكان لا يزال متخفياً في شعارات شعبوية جذابة تمنحه الشرعية.

مسار المواجهة الراهن في السودان وكذلك الجزائر ينمّ عن تغير جذري ينبئ بتفكيك المشروع الدولتي العسكري الذي فقد هيبته وظهيره الشعبي ومسوغات سيرورته.

إيمان النمر

لكن مسار المواجهة الراهن في السودان، وكذلك الجزائر، ينمّ عن تغير جذري ينبئ بتفكيك المشروع الدولتي العسكري، الذي فقد هيبته وظهيره الشعبي ومسوغات سيرورته، ونظرة أخرى، على تعليقات السودانيين المعقبة بتهكم واحتقار على بيانات المجلس العسكري تعبر وتفيد، وحين يرفع الثوار شعار "دم الشهيد دمي، وأم الشهيد أمي" ندرك أن الدم بات همّاً شخصيّاً، وأن ما صار بين الشعب ونظامه هو ثمن الدم واشتباك مباشر لم يعد للفرار منه مجال. إنّ دولة الاستقلال الوطني كانت تضطهد كل معارض لها بوصفه عدوّاً للشعب، وقد آن الأوان ليكشف دم الشعب عن وجه عدوه.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي