يشهد المحتوى الفلسطيني لتضييق ممنهج من قبل منصات التواصل الاجتماعي. الصورة من موقع ARAB NEWS (Others)

منذ أكثر من ثلاثة أيام عندما كلفت من قبل موقع TRT عربي الكتابة عن الموضوع وأنا في حيص بيص من أمري. فالأحداث متسارعة بشكل كبير، والمسح يغلب الكتابة، وتبعثر الأفكار يفوق القدرة على ترتيبها. فالذهن مشدود بين فخر بإنجاز الحراك الفلسطيني وحنق على ما يجري بحق الآمنين من أبناء شعبنا الذين تستهدفهم آلة الحرب الإسرائيلية بالقتل والتشريد.

كنت أبحث عن الكتابة حول سياسة التضييق الممنهجة لمنصات التواصل الاجتماعي بحق المحتوى الرقمي، وهي سياسة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها عنصرية وتتصف بالكثير من التحيز المخل بأبسط مبادئ الإنترنت التي تتعلق بحرية التعبير وإبداء الرأي والمساواة.

كنت في الصباح قررت أن أبدأ مقالي من تغريدة لصانع الأفلام المعروف أسعد طه الذي غرد بالقول: "ماذا سنفعل إذا قررت منصات التواصل بالفعل منع أي محتوى فلسطيني لا فقط الحد منه". وهو سؤال مشروع وجوهري في ظل سياسة الأبرتهايد الرقمية لمنصات التواصل الاجتماعي ضد قضية تحرر وطني هي الشاهد الأبرز اليوم على غياب العدالة الدولية.

شرعية هذا السؤال وهذا التخوف على حد سواء لم تأت من فراغ، فعملاق السوشيال ميديا فيسبوك أغلق مؤخراً مجموعة أنقذوا #حي_الشيخ_جراح بناء على تبرير بأن هذه المجموعة تتضمن محتوى لا يتلاءم مع معايير المجتمع Community Standards.

ولغياب الشفافية عن فيسبوك فإن المنصة لم توضح بالضبط: ما المحتوى الذي ينتهك معاييرها؟ وما هذه المعايير؟ وكيف ومن حددها؟ وعلى أي أساس؟ وهي في الوقت الذي تطلب فيه من القائمين على المجموعة بحذف هذا المحتوى لاستردادها لا توضح بعقلانية ومنطقية لماذا عليهم حذف محتواهم بينما تمارس إسرائيل ومستوطنوها على الطرف المقابل كل بشاعتهم في التحريض والتدليس والكذب من غير تضييق على المحتوى أو ما شابه؟

لا يعتبر التضييق على المحتوى الفلسطيني أو حرمان الرواية الفلسطينية الوصول إلى وسائل الإعلام الرئيسية جديداً؛ سياسة الحرمان والتضييق هذه بدأت منذ سنوات طويلة، وقد كان الأكاديمي الفلسطيني إدوارد سعيد من أوائل من سلط الضوء على الأبعاد الثقافية لذلك، فالأمر يتعلق بحالة من التغييب المتعمد للقضية وطيها بعالم النسيان، فواحدة من أهم سياسات إسرائيل كانت محو فلسطين من الأذهان وتغييبها عن الوعي بعد أن غيبتها جغرافيّاً عن الخرائط.

وفي الوقت الذي كان مفهوماً انحياز كبرى وسائل الإعلام الرئيسية إلى الرواية الإسرائيلية لقربها من المشروع الإمبريالي الغربي بالمنطقة، فإن اتباع ذات السياسة من قبل منصات التواصل الاجتماعي أمر مثير للاستغراب، إذ يتناقض مع بنيتها الإلكترونية التي تعتمد اللا مركزية وحرية الوصول، وبنيتها الأخلاقية التي راعت من البداية حرية التعبير والمساواة.

إن اتباع هذه المنصات سياسة متحيزة ضد المحتوى الفلسطيني من شأنه أن يثير تساؤلاً جوهرياً حول مدى التزام هذه المنصات قيمها التأسيسية. وهذا أمر يحيلنا إلى إعادة التفكير في هذه القيم، بالأخير هذه المنصات هي صنيعة الثقافة الغربية وهي ثقافة استعلائية واستعمارية تجاه الآخر خصوصاً عالمنا العربي، وفي الوقت الذي ننظر نحن فيه إلى إسرائيل بأنها دولة استعمارية وحربة متقدمة للعالم الغربي بخاصرة الأمة ينظر إليها الغرب حليفاً طبيعياً له وواحة للديمقراطية بمحيط يعج بالدكتاتوريات المتعطشة إلى الدماء والإرهابيين قساة القلوب.

وما دامت هذه النظرة هي المهيمنة على التصور الغربي وخطابه تجاه المنطقة فأي سياسة ضد إسرائيل ستعتبر بنظره إرهاباً وحضّاً على الكراهية. بل يتعدى الأمر ذلك مع الفلسطينيين، فمع الوقت حُشر الفلسطينيون بين معاداة السامية، والإرهاب، بمعنى أن الفلسطيني إذا قاوم بسلمية (حركة BDS نموذجاً) فإنه يُتهم بمعاداة السامية، وإذا حمل سلاحه وقاوم يتهم بأنه إرهابي.

إن التضييق على المحتوى الفلسطيني رقمياً يجب أن يفهم بأنه امتداد للغطرسة الغربية، وبعد ذلك يمكن النظر في أسباب أخرى هي في نظري فرعية أو ثانوية، كسياسة الخوارزميات أو تعيين بعض المقربين إسرائيلياً في مراكز مرموقة بالشركات التكنولوجية.

على أي حال وعلى الرغم من التضييق المتعمد للمحتوى الفلسطيني فإن منصات التواصل الاجتماعي من حيث الجوهر عجَّت بالكثير من الصفحات والمنشورات والهاشتاغات التي تتضامن مع الفلسطينيين ضد العدوان الإسرائيلي عليهم، وهذا يذكرنا بأمر غاية بالأهمية في بنية هذه المنصات هي الانتشارية الأفقية، وهي انتشارية تقوم على مبدأ التشبيك فيعتمد اتساع الشبكة على مقدار المشاركة، ولأن المشاركة كانت مكثفة جداً في حالة التضامن مع الفلسطينيين فإن الانتشار كان أوسع وأكبر وأقوى من أن يُحدَّ أو يُحتوى.

ويبدو أن قناعة تشكلت عند قادة الاحتلال الإسرائيلي بأنهم غير قادرين على كسب معركة الوعي بعصر السوشيال ميديا، فالهجمات المضادة التي اتبعتها إسرائيل رقمياً وحملات التضليل ونشر الدعاية الكاذبة لم تفلح، يظهر ذلك بمقدار التعاطف والتضامن الرقمي مع القضية الفلسطينية هذه المرة، ولا أدل على ذلك من حملة الأردنيين على تويتر، فكان لهم المنصة التي نظموا بها أنفسهم للزحف إلى الحدود مع فلسطين المحتلة وتحوُّلهم من هاشتاغ #افتحو_الحدود إلى هاشتاغ #يلا_على_الحدود.

هذه القناعة دفعت دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى الزج بواحد من أقوى دبلوماسييها وهو وزير العدل بني غانتس لمخاطبة هذه المنصات وحثهم على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه المحتوى الفلسطيني. فقد كشفت مصادر عن اجتماع لغانتس عن بعد مع ممثلين لفيسبوك وTik Tok لإزالة "المحتوى المحرض على العنف أو نشر معلومات مضللة من مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بهم" على حد وصفه.

وربما استجاب بعض هذه المنصات بسرعة لهذا الطلب العنصري غير العادل، فقد حذفت Tik Tok حساب شبكة قدس الإخبارية، كما أغلق موقع تلغرام حساب "القسام" من على منصته، هذا في الوقت الذي تنشر إسرائيل دعايات ممولة على هذه المنصات لدعم روايتها التي تبرر بها قصف المدنيين وهدم البيوت على رؤسهم.

إنها حرب طويلة وشاقة إذن يخوضها الفلسطينيون ليس في ساحات المواجهة المباشرة بينهم وبين قوات الاحتلال الصهيوني بل أيضاً بالساحات الرقمية، وهي معركة بات الجيل العربي الجديد يبرع في استخدام أدواتها، ولذلك رأينا العديد من المؤثرين العرب كيف باتوا قنوات مباشرة تبث على مدار الساعة جرائم الاحتلال الإسرائيلي للعالم أجمع وبكل لغاته.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي