أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان عبد الفتاح البرهان، و بتوصية من وزير الداخلية السوداني الطريفي إدريس دفع الله، قراراً في ديسمبر/كانون الأول الجاري بسحب الجنسية السودانية من 3548 شخصاً حصلوا عليها عبر التجنيس، بين عامي 1989 و2019.

كما أصدر قراراً في نفس اليوم يلغي القرار الجمهوري رقم 179 لعام 2001، الذي قضى بإعفاء تأشيرات الدخول للسوريين، ما يعني أنه بات على جميع السوريين الذين يريدون التوجه إلى السودان أن يحصلوا على تأشيرة دخول مسبقة قبل ذلك.

وكان البرهان قد أصدر مطلع مارس/آذار 2020 قراراً يقضي بسحب الجنسية من 13 ألف أجنبي حازوا على الجنسية بين عامي 1989 و2019، وبعد هذا القرار بشهرين أعلنت وزارة الداخلية السودانية عن تشكيل لجنة فنية لفحص ومراجعة الجنسيات السودانية التي تم منحها لبعض الأشخاص في ظل عهد الرئيس المعزول البشير.

بالطبع يحق لكل دولة ذات سيادة أن تُصدر قرارات فيما يتعلق بمنح جوازات السفر أو الجنسية وما شابه، إلا أنّ هناك بعداً إنسانيّاً يحتّم على الدولة مراعاة الوضع الذي تم فيه منح الجنسية لهؤلاء الذين جلّهم من اللاجئين الهاربين من مناطق الصراع، لا سيما حينما نتحدث عن أشخاص مهدّدين من قبل أنظمة بلدانهم كالسوريين.

يترك هذا القرار آثاراً سلبية على السوريين، ويتعداهم إلى جنسيات عربية مختلفة تعاني بلدانهم من حروب وصراعات، كانوا قد وجدوا في السودان متنفس الأمان والسلام الذي لم يعثروا عليه في بلدانهم، وساهموا في الوقت نفسه في تنمية السودان بما يملكون من خبرات وموارد.

وفي العودة إلى مضمون القرار الجديد، نجد أنّ القرار ركز على فرض تأشيرة الدخول على أي سوري يريد التوجه إلى السودان، دون أن يكون هناك أي إنذار مسبق، بما تسبب في إرباك حياة الكثيرين بين عشية وضحاها.

فعلى سبيل المثال قامت الشارقة بترحيل ثلاثة سوريين إلى بيروت، بعد أن كانوا قد وصلوا إلى الشارقة من بيروت "ترانزيت" للتوجه نحو السودان، إلا أن القرار السوداني المذكور دفع سلطات المطار في الشارقة إلى إعادتهم إلى بيروت، ليواجهوا هناك عواقب صعبة لم تكن بحسبانهم.

حين النظر إلى هذه الحالات التي لا شك أنها ستزيد خلال الأيام القادمة، نتساءل هل الأولوية الآن في السوادن هي التركيز على الشريحة التي لا حول لها ولا قوة، وقد تقطعت بها السبل قبل أن تجد في السودان ملاذها الأخير؟

هل أولوية السودان بالنسبة إلى البرهان هي تشتيت شمل عشرات العوائل وتعذيبها نفسيّاً؟ هل أولوية السودان سحب الجنسية من أشخاص حازوا عليها قبل سنوات وبعضهم قبل عشرات السنوات، دون أيّ مراعاة للنتائج السلبية المترتبة على ذلك؟

في الحقيقة لا يمكن انتظار مراعاة البعد الإنساني ممّن يصدر هذه القرارات بحق الأجانب المقيمين في وطنه، ممّن لا يكترث بأوضاع مواطنيه أصلاً، فأوضاع السودانيين المعيشية تدهورت بشكل كبير منذ التغيير الذي جاء بالبرهان وصحبه، ولا يبدو أن القوى الحاكمة في الخرطوم تملك حتى اللحظة مخرجاً لهذه الأزمات التي ساهمت في صنعها، بعد أن لم توف بتقديم ما وعدت به من دعم ورفاه اقتصادي.

وتأتي الحملة السودانية اليوم ضد السوريين لتكمل سياسة تبدو ممنهجة من قبل محور بأكمله، فقرار الفريق البرهان يذكرنا بقرار الفريق عبد الفتاح السيسي رئيس مصر الحالي، حينما أوعز بإصدار قرار يقضي بفرض تأشيرة دخول على جميع السوريين بعد أسبوعين من وصوله إلى السلطة بانقلاب، كما يُعيدنا إلى قرارات "الترحيل القسري الجماعي" التي اتخذتها الإمارات بحق أكثر من ألف سوري على مدار السنوات الماضية، لا سيما خلال الحملة التي نفذتها أواخر عام 2017 الماضي، والتي تعرّض فيها الكثيرون للاعتقال والتعذيب قبل ترحيلهم، بل تم تسليم العديد من المعارضين إلى النظام.

تظهر هذه السياسة وكأن هذا المحور يخشى من السوريين تحديداً، بعد أن أصبحوا رمزاً لمقاومة تغوّل الجيش على الدولة والمجتمع، وأيقونة لرفض الحكم الانقلابي.

بلا شك فإنّ القرارات التي اتخذها السودان اليوم، وقبله مصر والإمارات، تصبّ في مصلحة نظام الأسد، الذي يُسعد بتضييق الخناق على السوريين في أي بلد، خاصة إن جاء هذا التضييق من "أنظمة صديقة" تستهدف السوريين المعارضين للنظام، وتفتح الباب في الوقت نفسه لمجرمي الحرب وأبنائهم وزوجاتهم، وقبل ذلك أموالهم واستثماراتهم.

إن فوبيا الربيع العربي التي تُعاني منها بعض أنظمة الحكم في المنطقة تدفعها إلى معارك دونكيشوتية، بحثاً عن انتصارات وهمية في معركة هذه الأنظمة مع إرادة الشعوب.

إن استهداف السوريين في السودان اليوم ليس أزمة للسوريين الذين يعيشون هناك وحدهم، بل ينبغي أن يكون أزمة للقوى المدنية السودانية التي خرجت قبل نحو عامين تُطالب بالحرية والعدالة والتغيير، وهو حق مشروع لاقى ترحيباً من شعوب المنطقة، فاستهداف السوريين بقرارات تعسفية لا يفترض أن يُمثل نموذج دولة القانون والعدالة الذي ناضل الكثير من السودانيين من أجل الوصول إليه.

كما أن إغلاق أبواب السودان في وجه السوريين، بالتزامن مع قرار "المجلس السيادي" بفتح تلك الأبواب للإسرائيليين، ينبغي أن يكون قضية رأي عام سوداني لا سوري فقط، إذ إن هذا التزامن يعكس رغبة العسكر في تغيير هوية السودان نفسه، وهو ما لا نعتقد أنه ما أراده المدنيون الذين ضحوا من أجل إسقاط نظام البشير.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي