الأكاديمي الفلسطيني المرحوم شفيق الغبرا (Others)

بعد 30 عاماً من تجربته الثورية ومشاركته في المقاومة سجل شفيق الغبرا تفاصيل هذه الفترة في مذكراته "حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات" والتي نقرأ فيها عن اللحظة الفارقة التي صاغته وصاغت جيله في بداية مراهقته، وجعلت منه الشخص الذي عرفناه، تلك اللحظة هي هزيمة 1967، والتي أيقظت فيه عملاقاً مكبوتاً يبحث عن تحرر وإعادة اعتبار لما حصل في نكبة 1948 عند قيام إسرائيل.

لقد جعلته تلك الحرب يكبر بسرعة، وأن تتحول مراهقته إلى سنوات مليئة بالسياسة والفكر، وتحمل عبء تحرير فلسطين. ستعرف "لحظة 67" من هم، وتساعدهم في النضج المبكر، وهكذا سعى ومعه رفاقه كشباب عربي يرتبط بالهوية العربية والفلسطينية للرد على الهزيمة التي حلت بالعالم العربي ونتج عنها تدهور الأمل بتحرير فلسطين. لقد بحث جيله عن طريق لإنضاج القدرة على استعادة الأرض والحقوق الفلسطينية، وإن أمكن عن أشكال من الوحدة العربية، وتحول هذا إلى حلمه الشخصي وحلم جيل عربي.

لهذا جذبت جيله حركة فتح التي تأسست بقيادة ياسر عرفات ومجموعة من إخوانه عام 1965، فهي التي ساهمت مع فصائل فلسطينية أخرى في النصر الذي حققه الجيش الأردني في معركة الكرامة عام 1968، والتي عدت أول مواجهة ناجحة بين العرب وإسرائيل بعد هزيمة حرب 1967، ومن أجل مشروع الأرض وحقوق الفلسطينيين انضوى مئات الشباب والشابات من ذوي الميول الوطنية اليسارية، القادمين من التنظيم الطلابي لحركة فتح تحت لواء ما سمي بداية بالسرية الطلابية والتي تحول فيما بعد إلى اسم كتيبة الجرمق.

على مر أيام هذه التجربة الشاقة التي خاضها شفيق الغبرا في شبابه، غيّب الموت المئات من رفاقه، وفقد أعز أصدقائه، ولكنهم اعتبروا ذلك جزءاً من ضريبة صناعة عالمهم، وسقط الموت عليهم في البداية في أواسط السبعينيات مثل حبيبيات المطر الخفيف، فتقبلوه وحسبوا أن الضريبة لن تتجاوز هذه البدايات، ولكن الموت سرعان ما تحول إلى زخات من المطر الغزير، ومع انتشار حالة الموت في صفوفهم، لم يعودوا يشعرون بشيء، إلا بضرورة الاستمرار من أجل من سقطوا، ولحماية فكرتهم ومبادئهم.

مذكرات المرحوم شفيق الغبرا (Others)

تجربة شفيق الغبرا كما عبر عنها في مذكراته هي تحول من البراءة إلى الراديكالية، ومن الراديكالية والعنف إلى التساؤل، فحاله حال الكثيرين من الشبان العرب ممن تحولوا نحو طريق العنف المسلح في سبيل القضية الفلسطينية، قبل أن يكتشفوا ضرورة وجود طرق أخرى إلى جانب الثورة والعنف أو بمعزل عنهما، وربما تكون سيرته الذاتية وتجربته هي قصة جيل كامل لم تفسده حياة العنف، ولم تحبطه حالة الدمار التي أحاطت بالحياة في تلك الأيام الغابرة، بل جعلته أكثر إصراراً على الاستمرار نحو آفاق مختلفة.

ساهم قائد السرية الطلابية معين الطاهر في تشجيع شفيق الغبرا على تدوين التجربة والتحدث عنها بموضوعية، ومن خلال الكتابة الشاقة والمجهدة استعاد جهاد (الاسم الحركي لشفيق الغبرا في السرية الطلابية) التجربة واكتشف ذلك العالم الذي تركه وراءه، كأن السيرة هي إعادة فهم للذات لأنها أحيت في روحه عالماً حسبه أنه لن يغادره حياً، وإذ به يجد جهاد يعيش في أعماقه وفي ذكرياته ومخاوفه.

تحدث شفيق الغبرا مع زوجته تغريد، حتى يشارك قصته وليحصل على موافقتها في مشاركة تلك الحكايات في سيرته الذاتية، وهي التي انتقلت معه إلى بيروت من الكويت بعد زواجهم لتعيش واقعاً صعباً، عبر عنه بقوله: "شهداء يسقطون كل يوم، رجال يختفون في أعماق البحار وخلف الحدود، زوج لا تعرف في كل مرة تلقاه إن كانت ستراه مرة ثانية".

يحكي شفيق الغبرا عن طفولته، وعن حالة الاغتراب التي شعر بها منذ الطفولة، وهو يتلمس طريقه لفهم هويته المتعددة، وعند بلوغه عمر ثماني سنوات حصل والده ناظم الغبرا على الجنسية الكويتية، والتي انتقل لها عام 1952 للعمل بها طبيبًا، وانتقل شفيق الطفل بين عدة بلدان مثل لندن وهناك شعر باختلافه عن أقرانه، ثم أتى إلى القاهرة وشعر بالاختلاف مرة ثانية، وساعتها اكتشف أنه عربي في الغرب وأنه يبدو غير عربي في الشرق، لكنه مع الوقت اكتشف أنه الاثنان معاً، وأن جانباً من الغرب قد صاغه وأثر في عقليته، وأن الكثير من الشرق جزء لا ينفصل عن تجربته وإنسانيته.

ويحكي لنا موقفاً مع الشيخ صباح السالم أمير الكويت عندما حضر إلى منزل والده، وأبلغه أنه أصبح مواطناً كويتياً، لكن أمام الشيخ صباح أصر الطفل شفيق على أنه فلسطيني ويحمل قضية، ورد الشيخ صباح عليه: "هذا حقك، لك الحق في أن تشعر كما تريد، لا تناقض بين أن تكون كويتياً وأن تكون عربياً وفلسطينياً، فأنا أشعر بالارتباط الذي تشعر به تجاه ما حصل في فلسطين"، ومن هذا الرد شعر شفيق بسكينة وارتياح وسكنت في روحه هويات متعددة.

تميزت تجربة شفيق الغبرا بالثراء وامتزج فيها النضال مع العمل الأكاديمي، لقد رأى لبنان وهو في بداية شبابه، لبنان الستينيات الذي يحتوي كل شيء، إنه المكان الذي امتزجت فيه الحياة الفكرية بالثقافة والسياسة والموسيقى والفن، وعايش في هذه التجربة القوميين العرب والفلسطينيين، وشاهد تداخل كل العوالم، قبل أن يهاجر إلى أمريكا للدراسة وفي غرفة الدراسة بدلاً من أن يعلق صورة للفاتنة بريجيت باردو أو مارلين مونرو أو المغني إلفيس بريسلي، علق صور الفدائيين واللاجئين، وعندما جاء الشاب الأمريكي زميله في الغرفة ورأى تلك الصور شعر بالرعب ولم يعد للمبيت في الغرفة.

وعندما انتهى من دراسته في جامعة جورج تاون ترك المستقبل المضمون إلى أفق النضال وعاد إلى بيروت. وهكذا تستمر مذكرات شفيق الغبرا في وصف تجاربه حتى مشاركته في السرية الطلابية، وتعطينا شهادة حية وصادقة عن تلك السنوات وعن هذا النضال، ومع رحيل د.شفيق الغبرا عن عالمنا يمكن أن تكون فرصة لاستعادة دروس التجارب التاريخية التي مرت بها هذه الأجيال والتعلم منها، فقد دفعوا ثمن تلك الدروس من دمائهم، رحمه الله ورحم كل الشهداء.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي