يحتاج العالم إلى إطار جديد للتفكير حول قضايا معقدة، ويمثل منتدى الدوحة والمنتديات المماثلة فرصة لتفعيل أداة مهمة لحل المشكلات، تتمثل في الحوار الذي ما فتئ يتضاءل يوماً بعد يوم.

كان طيف المرحوم جمال خاشقجي يرفرف في سماء الدوحة بمناسبة انعقاد منتدى الدوحة في دورته الثامنة عشرة بالعاصمة القطرية بتاريخ 15و 16من الشهر الحالي، كما لو كان طيف هاملت يهدد بكشف الحقيقة المطمورة عن ملابسات مقتله. لم يتستر عن ذلك وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو، بالتأكيد على عزم تركيا الذهاب إلى أقصى مدى في قضية خاشقجي. وكان مما أسفر عنه طيف خاشقجي، أو الوضع المترتب على ما بعد مقتله، ألا شيء يمكن أن يبقى كما كان في منطقة الشرق الأوسط. لا التحالفات القديمة، ولا المحاور المعتمدة، ولا القواعد السارية، ولا التنظيمات الإقليمية القائمة. شيء يموت، وشيء جديد ينبلج.

لذلك كان منتدى الدوحة في دورته الثامنة عشرة لحظة فارقة، بالنظر إلى السياق الإقليمي الفائر في الشرق الأوسط، كما في سوريا واليمن وفلسطين، مع التحديات العالمية الجديدة من مشاكل الإرهاب والفوارق الاقتصادية والاختلالات البيئية، ومضاعفات التكنولوجيا ووسائل التواصل الجديدة وآثارها المتعددة، فضلاً عن تفشِّي الشعبوية. وكان المنتدى، إلى ذلك، مناسبة من أجل إعادة التفكير في القضايا الدولية من منظور جديد، وتشخيص دقيق لمشاكلها، وضرورة تفعيل مقاربات جديدة، بالنظر إلى الاختلالات التي تطبع العلاقات الدولية، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو البيئي، بَلْه الثقافي.

كان انعقاد منتدى الدوحة عنوان العودة المشهودة لقطر على الساحة الدبلوماسية.

حسن أوريد

انعقاد المؤتمر كان رهاناً، بالنظر إلى الحصار الذي ضربه مجلس التعاون الخليجي على قطر قبل زهاء سنتين. لم ينعقد المنتدى السنة الماضية، ولذلك كان انتظامه هذه السنة تحدياً لكسر الحصار، ونجاحه تحدياً آخر. نجحت قطر في الأمرين. أن ينعقد، وأن يكون ناجحاً، وأن يكون عنوان نجاحه مثلما قالت جريدة لومند الفرنسية، العودة المشهودة لقطر على الساحة الدبلوماسية. نجحت قطر في لمّ المنتدى، ونجحت في الحضور الوازن والكثيف والنوعي لخبراء ومتتبعين ومختصين، ونجحت بالنظر إلى جدة القضايا وجدية طرحها، وبالنظر إلى التذكير بالأساسيات في العمل الدبلوماسي، وهو الحوار والتعامل إيجابياً مع التنوع وحل الخلافات بالطرق الدبلوماسية.

يمكن إجمال فلسفة اللقاء في المفارقة القائمة على عالم مترابط، ولكنه مُتشظٍّ، يشكو في نقص مورد أساسي هو الثقة. لا يمكن حل المشاكل القائمة إلا بالحوار، من خلال الأدوات الدبلوماسية المعهودة، مثلما قال أمير دولة قطر تميم بن حمد، في كلمته الافتتاحية. انعقاد المنتدى كان كذلك رسالة من لدن قطر دلَّت على تجاوزها الأثر النفسي للحصار وخروجها معافاة منه، ولو أنه ترك، مثلما هو واضح في تصريحات المسؤولين القطريين، جروحاً غائرة، وندوباً ماثلة.

كما يؤشر المنتدى إلى عودة قطر للساحة الدولية بأسلوب جديدة، ورؤى مغايرة. فالتحولات المتسارعة في العالم تفترض، مثلما قال وزير خارجية قطر السيد محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمة الافتتاح، رؤى جديدة، وتحالفات مغايرة. كان تعبير المسؤولين القطريين مُبَطّناً عن أن مجلس التعاون الخليجي قد أفل نجمه، أو بتعبير وزير خارجيتها قد أصبح منخوراً (وهي الكلمة التي تؤدي معنى undermined الإنجليزية). ولم يكن من قبيل الصدفة أن يحضر وزيرا خارجية كل من إيران جواد ظريف وتركيا مولود جاويش أوغلو كقوى إقليمية فاعلة. لم يُخفِ الوزير القطري كذلك انتقاده للدول الغربية التي التزمت الصمت أثناء فرض الحصار على قطر، منتهكة بذلك مباديء حقوق الإنسان التي تتبجح بها.

كان تعبير المسؤولين القطريين في المنتدى مُبَطّناً عن أن مجلس التعاون الخليجي قد أفل نجمه.

حسن أوريد

لغة المنتدى لغة غير معهودة، تنأى عن لغة الخشب، وتنحت من قاموس الفلسفة كما ورد في كلمة رئيس الإكوادور الذي عرّج على أدبيات الثالثيين من جان بول سارتر وفرانز فانون. الاختلاف لا ينبغي أن يكون الجحيم الذي يلظَّى به الآخر، ومعذبو الأرض لهم الحق في السعادة. رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ذكّرت أن الأمم المتحدة ليست فضاء للتنفيس ولا للخطابة، ولكنها إطار من شأنه الاضطلاع بأهداف أربعة أساسية: السلام والأمن وحقوق الإنسان والتنمية. والحال أن المنظمات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، أضحت إطارات خطابية في الغالب.

كسر المنتدى قالب "الصائب سياسياً" Politically correct، وطرح القضايا التي فشلت الدبلوماسية إلى الآن في حلها، من خلال مقاربات اختزالية، في غياب المعنيين، في بؤر التوتر الكبرى، كما في فلسطين وسوريا واليمن، أو الروهينغيا. لا يمكن تجاوز القضية الفلسطينية في غياب المعنيين، ولا يمكن أن يكون التطبيع سابقاً على حل القضية الفلسطينية، فالقضية الفلسطينية أولاً، بما يضمن حق الشعب الفلسطيني في حقوقه غير القابلة للتنازل، والتطبيع ثانياً. لا العكس، كما ورد على لسان خارجية قطر.

لا يمكن القضاء على الإرهاب إلا بالاستثمار في شيء أساسي هو الدرع الحامي ضد التطرف يتمثل بالتربية.

حسن أوريد

القضايا الجديدة والأسلوب الجديد، تساوق مع الرمزية. منها حضور مسؤولين أميركيين وروس منخرطين في التصدي للإرهاب وتنظيم "الدولة الإسلامية". مثلما كان حضور العراقية نادية مراد الحائزة على جائزة نوبل السلام، لافتاً، وهي من الطائفة اليزيدية التي تعرضت للاضطهاد وتعرض نساؤها للاغتصاب والاختطاف من قِبل عناصر تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش). وقد شدت انتباه الحضور من خلال إسفارها عن الفظائع المرتكبة من قِبل التنظيم، ورسالتها من أجل صون كرامة النساء والأقليات الدينية، للتذكير بشيء هو أن الإرهاب غول متربص، لا يمكن القضاء عليه إلا بتضافر الجهود، دولياً، وبداخل كل دولة، والاستثمار في شيء أساسي هو الدرع الحامي ضد التطرف، ألا وهو التربية.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن بثت قناة الجزيرة ملفاً في برنامجها "ما خفي أعظم"، في ذات التاريخ الذي انتظم فيه المنتدى، من خلال ما كشف عنه مرتزِق فرنسي تم توظيفه من قِبل دول خليجية من أجل احتلال قطر سنة 1996.

انتهي سياق ما بعد سقوط حائط برلين وأسفرت أيديولوجيا النيو ليبرالية عن مساوئها، وأخذت الحرب الباردة شكلاً جديداً، وتبدَّت مشاكل غير مسبوقة لا تهدد الأمن والاستقرار فقط، بل أيضاً التماسك داخل الدول والمجتمعات. ويحتاج العالم إطاراً جديداً للتفكير حول قضايا معقدة، من أجل حلول ناجعة. ولا يمكن أن يفعل في لقاءات احتفائية، أو منتديات دورية أخذ بريقها يخفت، لأنها لم تقدم حلولاً عملية. وهو ما عبر عنه الأمين العام للأمم المتحدة بوضوح في كلمته الختامية: "لا شك أن المورد الثمين، والذي ما انفك يتضاءل في عالمنا اليوم هو الحوار. ونحتاج أرضيات كهذه (منتدى الدوحة) للتصدي للتحديات الجماعية المحدِّقة بنا".

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي