مع إزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب الأمريكية، برز تساؤل هامّ حول ما إذا كان من شأن هذه الإزالة أن تُعَدّ نهاية الأزمة الاقتصادية أم بداية لتعثر شديد في عملية الانتقال الديمقراطي في البلاد؟

تنهض هذه المقاربة على فرضية أن قرار الولايات المتحدة إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثّل فرصة للخروج من المأزق الاقتصادي الراهن، إلا أنه ينطوي على هزات ارتدادية في الداخل السياسي، إذ يزيد حدة الاستقطاب السياسي ويعمّق فجوة الثقة بين كتلة المدنيين والمكون العسكري، مما يُضعِف فاعلية التحول الديمقراطي، ويعرّض عملية الانتقال السياسي لمخاطر جديدة.

وفي ذات السياق عمدت واشنطن إلى تغيير قاعدة النفوذ والتأثير التي صنعتها على متخذ القرار السوداني بواسطة أدوات الجبر والإكراه الخشنة بفضل منظومة العقوبات، لتبدل بها أدوات ناعمة، هي التحكم في شروط إعفاء الديون وتقديم القروض المالية لإنقاذ الاقتصاد السوداني.

تَعوَّد السودان طيلة السنين الثلاثين الماضية أن تلوّح له واشنطن بالجزرة وهي تحمل عصا غليظة في يدها، في اختزال لنظرية الحوافز السلوكية في علاقاتها مع الدول الأخرى، لكن إعلان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو يوم 15 ديسمبر/كانون الأول رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب مثّل يوماً استثنائياً في تاريخ السودان الحديث، إذ تفاعل السودانيون في وسائل التواصل الاجتماعي بما عدّوه إنجازاً للحكومة المدنية، وتبارى المسؤولون في إطلاق سيل من التغريدات احتفاءً بهذا الإعلان باعتباره شهادة تحرّر من العزلة الدولية والعودة إلى المجتمع الدولي. واستعرض رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك هذا الإنجاز في مؤتمر صحفي عقده خصوصاً لهذه المناسبة.

كسر هذا الإعلان حاجز الثقة المفقود بين الخرطوم وواشنطن، إذ كان إرث العلاقات يقوم على مقولة "كلما أوشكت أن أحرز هدفاً غيّروا قوائم المرمى".

لم يعُد سراً خافياً أن عودة الدفء إلى العلاقات بين الخرطوم وواشنطن يكمن في إنقاذ صفقة تطبيع العلاقات مع تل أبيب، وهو ما تكرّس له الإدارة الأمريكية جهدها لإكمال خطة التطبيع مع الدول العربية حتى آخر يوم في عمرها.

إذ اعترفت أمريكا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية ثمناً للتطبيع، وأمضي الرئيس ترمب صفقة الأسلحة الكبرى مع الإمارات أيضاً ثمناً للتطبيع.

لذا يبدو ثمن رفع اسم السودان من القائمة متسقاً مع حزمة الحوافز التي تقدمها واشنطن للدول العربية.

وكشفت الصحف الإسرائيلية أن تطبيع الرياض مع تل أبيب الذي يتحمس له وليّ العهد السعودي رهين باختفاء الملك سلمان من المسرح السياسي باعتباره من أشدّ دعاة الدفاع عن القضية الفلسطينية.

وأعود إلى السؤال الذي طُرح في بداية المقال: هل يقضي قرار إزالة السودان من القائمة على متاعبه الاقتصادية وينقذه من حالة الركود والانهيار المالي، أم تتولد عنه ديناميكية سياسية تزيد حدة الاستقطاب السياسي وتنتج تعثُّراً في عملية الانتقال الديمقراطي؟

ينقسم السودانيون إزاء هذا السؤال إلى قسمين: القسم الأول يرى أن متاعب السودان الاقتصادية ستكون جزءاً من الماضي في القريب العاجل، إذ يفتح القرار المجال لدخول الاستثمارات الأجنبية وتسهيل التحويلات البنكية.

أما القسم الآخر فيتشكك في جدوى القرار ومردوده الاقتصادي، متخذين من سجل الدول المطبّعة مع إسرائيل دليلاً لكشف الفوائد الاقتصادية مثل دول إريتريا وتشاد وجنوب السودان التي لم يساعدها التطبيع مع إسرائيل على تحسين أوضاعها الاقتصادية.

لكن النظر الدقيق في قانون التحول الديمقراطي والشفافية المالية في السودان لسنة 2020 الذي أجازه الكونغرس في الأسبوعين الماضيين، يجعل الصورة أكثر وضوحاً، إذ وضع القرار شروطاً قاسية للاستفادة من حزمة الحوافز لإعادة إدماج السودان في النظام الاقتصادي الدولي، وتسهيل الاقتراض من البنوك الدولية.

ويشترط القانون أن يقدم الرئيس الأمريكي للكونغرس شهادة قبل إنفاذ إسقاط أو تسوية ديون السودان الخارجية يؤكّد فيها إخضاع المؤسسة العسكرية وهيئاتها الاقتصادية لسيطرة ومحاسبة المدنيين، بما في ذلك خضوع حساباتها لرقابة وزارة المالية.

وقد أعرب رئيس الوزراء عبد الله حمدوك عن دعمه الكامل لهذه الشروط، مطالباً شركات الجيش بالشفافية والمحاسبة المدنية ودعم الاقتصاد الوطني.

ولمزيد من إجراءات دعم التيار المدني تخصّص واشنطن معظم العون التنموي في السودان لدعم الحكومة المدنية ومنظمات المجتمع المدني، ورفع القدرات لتوثيق الجرائم المرتكَبة ضد المدنيين، مع تخصيص مبلغ لدعم الإنتاج الزراعي ومصالحات السلام.

لكنّ الأخطر هو اشتراط القانون قبل إنفاذ عملية إعفاء أو تسوية الديون أن يقدّم الرئيس الأمريك شهادته للكونغرس يؤكّد فيها اكتمال خضوع أصول الأجهزة الأمنية والاستخبارية للإشراف والمراجعة المدنية، وإدخال ميزانيات الأمن والدفاع ضمن الميزانية العامة المعلنة للرأي العامّ بشفافية تامة، وإخراج مؤسسات الجيش والأمن والمليشيات من الاستثمار في مجال الذهب والموادّ الخام والبترول، والكشف عن أسهم وأصول الشركات التابعة للجيش والأمن ووضعها تحت سيطرة المدنيين.

تنطلق توجهات الفعل السياسي الأمريكي لرفع اسم السودان من القائمة من قاعدة شديدة الوضوح، وهو أن دعم الحكم المدني وتسهيل التحول الديمقراطي يستوجب إضعاف الجيش وإخراجه من السياسة، وإكمال عملية السيطرة على موارده وميزانيته وشركاته وإخضاعها كلياً لمراقبة ومحاسبة وإشراف المدنيين.

لا شك أن هذه السياسة تعني فضّ الشراكة القائمة بين المكونَين العسكري والمدني التي تأسست بموجبها ترتيبات الفترة الانتقالية.

وقد أثارت تصريحات رئيس الوزراء عن منظومة الصناعات الدفاعية وقصور دعم المؤسسات العسكرية للاقتصاد الوطني، حَميَّة الجيش بصورة غير مباشرة عبر تصريحات السكرتير الإعلامي لرئيس مجلس السيادة.

كما زاد غبنَ المكون العسكري أن النجاح في رفع اسم السودان من القائمة تم تجييره لصالح الحكومة المدنية، وإنكار الدور الفعلي للمكون العسكري الذي قاد التفاوض من أجل التطبيع مع إسرائيل. وهو أيضاً ما كرّسته تصريحات وزير الخارجية بومبيو الذي نسب فضل التعامل فيه إلى الحكومة ذات القيادة المدنية حسب وصفه.

هذا يدفعنا إلى القول إن فرص إنقاذ الاقتصاد الوطني من التصدع والانهيار بعد صدور قرار رفع اسم السودان من القائمة مهدَّد بصورة قاطعة بجملة توجهات السياسة الأمريكية التي تريد إخضاع الجيش قسراً للقيادة المدنية دون انتظار مراحل التحول الديمقراطي وصدور دستور دائم يقنّن دور الجيش في الدفاع عن الأمن القومي تحت قيادة مدنية.

إن سياسة حرق المراحل الأمريكية ستقود إلى هزّات ارتدادية ومزيد من الاستقطاب السياسي الداخلي وتعميق الهوة والخلافات بين المكونَين العسكري والمدني، وهما أس الشراكة التي تقود الفترة الانتقالية.

خاتمة القول، أنه في رأينا تهدف الشروط الأمريكية إلى الاستفادة من قرارها إزالة السودان من القائمة بالتركيز على استمرار فاعلية قاعدة النفوذ والتأثير على متخذ القرار السوداني، وإبطال أدوات الجبر والإكراه عبر منظومة العقوبات بأدوات أكثر نعومة لكنها أقوى فاعلية، وهي السيطرة على عملية إعفاء الديون ومنح القروض لإنقاذ الاقتصاد السوداني.

ولن يتأتى لأمريكا إنفاذ ذلك إلا بإضعاف شراكة المكون العسكري وتقوية المكون المدني لتسهيل عملية الانتقال الديمقراطي.

ولكن الأهمّ هو أيضاً تسهيل عملية سيطرة أمريكا وحلفائها على توجُّهات وسياسات المنظومة الأمنية والدفاعية في السودان عبر عملية استمرار المساومة لتمكين المدنيين، مما يحقق أهمّ أهداف التطبيع مع إسرائيل التي تتجاوز طموحاتها الحيّز الجغرافي للسودان وتتطلع إلى التعاون مع السودان لمدّ نفوذها الإقليمي وتنفيذ عمليات أمنية مشتركة وتبادُل المعلومات لضرب الشبكات الإرهابية ومراقبة البحر الأحمر من الجانب الإفريقي.

إضافة إلى ما ستفرزه سياسة واشنطن وما قنّنه قانون التحول الديمقراطي الذي أصدره الكونغرس فى زيادة حدة الاستقطاب السياسي، مما سيقود في اعتقادنا تلقائياً إلى تعثُّر عملية الانتقال الديمقراطي، كما أن المداولات الجارية في الكونغرس بشأن منح الحصانة السيادية لحماية السودان من أي شكاوى واتهامات جديدة لتمويل الارهاب أمام المحاكم الأمريكية تمثّل أيضاً نقطة فارقة وفاصلة في إتمام صفقة التطبيع مع إسرائيل.


جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.


TRT عربي