الرئيس رجب طيب أردوغان في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ76.  (Pool/Reuters)

بالرغم من إرسال السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة ليندا توماس غرينفيلد دعوة لممثلي الدول في الأمم المتحدة تحث على عقد اجتماع الجمعية العامة افتراضياً بسبب الخوف من انتشار الفيروس إلا أن أكثر من 100 زعيم ورئيس حكومة أكدوا الرغبة في المشاركة الشخصية والحضور في الاجتماعات وجها لوجه في مقر الأمم المتحدة في نيويورك.

ويشير تأكيد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تحديداً حضور أعمال الاجتماعات السنوية رفيعة المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة للدورة 76 على رغبة قوية في تأكيد حضور تركيا ورسالتها ودعوتها إلى إصلاح منظومة القرار الدولي في هذه المناسبة التي تعد فرصة مهمة لعرض المواقف على المستوى الدولي.

كما أن هناك اهتماماً تركياً بتنظيم بعض اللقاءات الثنائية مع زعماء من مختلف دول العالم على هامش الاجتماع، وهو ما يسمى "بالدبلوماسية الشخصية" والتي يعتبر الرئيس التركي من أبرز ممارسيها عالمياً.

وتتناول اجتماعات الجمعية العامة في هذه الدورة قضايا مثل الوضع الحالي بعد سيطرة حركة طالبان على كامل أفغانستان، غياب العدالة على المستوى الدولي في شأن توزيع اللقاحات بالإضافة إلى قضية التغير المناخي، واحترام حقوق الإنسان وتنشيط الأمم المتحدة كمؤسسة دولية.

وقد تناول الرئيس أردوغان في خطابه معظم هذه القضايا من أزمة الوباء والقضايا الدولية من أفغانستان إلى سوريا إلى ليبيا إلى القرم وكشمير وفلسطين والروهينغيا وقبرص وشرق المتوسط، وغيرها، موضحاً الموقف التركي وتوصيات تركيا تجاه هذه القضايا.

وفي هذا السياق أكد أردوغان ضرورة التعاون الدولي في مواجهة أزمة وباء كورونا، وأشاد بمساهمة عالِمين تركيين في إيجاد لقاح للفيروس، وبدور تركيا في مساعدة الدول الفقيرة. وفي خطوة تؤكد القيم العالمية انتقد أردوغان احتكار العديد من الدول للقاحات وأكد أن تركيا ستتيح لقاح توركفاك قريباً للبشرية جمعاء. وستكون هذه رسالة عملية من تركيا في ظل الانحدار الأخلاقي الذي شاهده العالم لدول تعتبر نفسها من العالم الأول قامت باحتكار وسرقة لقاحات تعود لدول أخرى خلال بداية أزمة كورونا ودول أخرى تعاملت مع الجائحة التي أصابت البشرية بالمنطق التجاري الانتهازي.

وفيما ركز أردوغان على ضرورة التضامن مع أفغانستان وشعبها من أجل تحقيق الاستقرار هناك، فقد أفرد أردوغان مساحة من خطابه للحديث عن الموضوع السوري حيث أكد أن تركيا حاربت التنظيمات الإرهابية على الأرض، واحتضنت قرابة 4 ملايين سوري، وحالت من خلال وجودها شمال سوريا دون تشريد ملايين آخرين، وذكر أن 462 ألف سوري عادوا طواعية إلى المناطق التي جعلتها تركيا آمنة في شمال سوريا.

كما أعرب الرئيس أردوغان عن ترحيبه بتمديد آلية الأمم المتحدة لإيصال المساعدات الإنسانية لشمال غربي سوريا عبر تركيا.

على مستوى آخر أكد أردوغان موقف تركيا التقليدي تجاه دعم حل الدولتين ودعم الفلسطينيين في مواجهة سياسات الاحتلال والضم والاستيطان غير الشرعي.

وعلى صعيد التنافس شرق المتوسط أكد أردوغان ضرورة تخلي الأطراف الأخرى عن محاولات تهميش تركيا في شرق المتوسط رغم امتلاكها أطول سواحل في المنطقة.

أما الجانب الآخر الذي وقف أردوغان عنده ملياً في خطابه والذي يعتبر تهديداً مشتركاً للبشرية فهو المخاطر المرتبطة بالمناخ والتغيرات البيئية، حيث حذر أردوغان من التقاعس عن إيجاد حلول سريعة وناجعة لدرء الكوارث البيئية عن العالم بأسره.

غلاف كتاب الرئيس التركي الذي صدر مؤخرا بعنوان: من الممكن إنشاء عالم عادل (Others)

ومن خلال تسليط الضوء على دور تركيا تجاه استقبال اللاجئين أوصل الرئيس التركي رسالة مفادها أن تركيا استنفدت طاقتها من حيث القدرة على تحمل موجات لجوء جديدة، وقد دعا أردوغان إلى إظهار إرادة أقوى لإيجاد حل سياسي للقضية السورية، مؤكداً أن بلاده لم تعد تحتمل قدوم موجات هجرة جديدة خاصة إلى جانب وجود مليون لاجئ من دول أخرى إضافة إلى اللاجئين السوريين.

وقد شدد على ضرورة أن تساهم الدول التي ألحقت الضرر الأكبر بالكرة الأرضية واستغلت الموارد الطبيعية بطرق وحشية، بأكبر قدر في مكافحة التغير المناخي.

وقد تميزت كلمة أردوغان بوعود وخطط تطبيقية لما قدمه من توصيات على عدة مستويات وعلى سبيل المثال أعلن أردوغان عن نية أنقرة عرض اتفاقية باريس للمناخ على البرلمان التركي الشهر القادم بما يتفق مع الخطوات البنّاءة لتنفيذها

وكالمعتاد أبدى أردوغان شجاعة في توجيه اللوم إلى نظام القرار الدولي المنحصر في الدول الكبرى الخمس في مجلس الأمن، حيث أكد أن جميع المشاكل التي يواجهها العالم هي بسبب حصر العالم في قرار 5 دول.

حملت زيارة أردوغان هذه المرة إلى اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة عنصرين جديدين الأول هو افتتاح "البيت التركي" مقابل مقر الأمم المتحدة، والمؤلف من 36 طابقاً والذي سيحتضن مقر البعثة التركية الدائمة في الأمم المتحدة، والذي التقى فيه مع عدد من الزعماء والقادة. ومن خلال هذا البيت أو المقر تصبح تركيا ثاني دولة بعد الولايات المتحدة لها تمثيل دائم مقابل الأمم المتحدة. وهو دليل على رغبة قوية في لعب دور دبلوماسي قوي. أما العنصر الثاني فهو كتاب أردوغان بعنوان: "من الممكن إنشاء عالم أعدل" والذي أهداه لقادة الدول المشاركين في اجتماع الجمعية العامة. وقد ترجمت منه نسخ خاصة إلى العربية والإنجليزية والفرنسية.

ويناقش أردوغان في الكتاب الأزمات والظواهر الدولية مثل أزمة اللاجئين والإرهاب والإسلاموفوبيا وازدواجية المعايير، ويدعو إلى إصلاح شامل خاصة في مجلس الأمن من أجل ضمان العدالة وفي هذا السياق يدعو إلى إلغاء امتياز حق النقض "الفيتو"، ويقترح رفع عدد أعضاء مجلس الأمن الدائمين من 5 إلى 20. وبذلك يستمر أردوغان في خطِّه الداعي إلى إصلاح المنظمة الدولية والذي عبّر عنه سابقاً في شعاره "العالم أكبر من خمس".

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي