"لتطمئن القلوب". لعلها الكلمة المفتاح في خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس التونسي المنتخب في استهلال مباشرته بشكل رسمي لمهمته التي اعتبرها أمانة.

قيس سعيد
قيس سعيد (AA)

فقد وجه السيد قيس سعيّد رسائل طمأنة في كل الاتجاهات، وتأكيداً أن كل من يحن إلى ماضي الاستبداد يركض خلف السراب. فتونس قطعت بشكل نهائي مع الدولة القمعية، مؤكداً أن كرامة الوطن من كرامة مواطناته ومواطنيه، مطمئناً التونسيين على حرياتهم وحقوقهم، مشيراً إلى أنه لا خوف على المسار الديمقراطي، وأن قاطرته اتخذت طريقها في الاتجاه الصحيح.

خطاب يمكن وسمه بالملحمي، وظف فيه الرئيس المنتخب قدراته البلاغية ومعارفه العميقة باللغة والتراث العربي، ونهل فيه من المعجم الديني ليوجه رسائله إلى الداخل والخارج، ساعياً لأن يكون سجل الطمأنة هو النفس الطاغي عليه. ومجتهداً لجعل هذه الكلمات البليغة مثقلة بالمعاني والدلالات التي لم تخلُ من العاطفية والحماس بخاصة في ما يتعلق بالثورة.

ولأن مصطلح الأمانة كان محورياً في خطاب الرئيس وفي كل الكلمات التي أدلى بها سابقاً حتى قبل انتخابه فمن المهم أن نتوقف عند معنى الأمانات كما يتمثلها الرئيس قيس سعيد وهو يلج قصر قرطاج.

والعنوان الأبرز في هذا الشأن كان العدالة الاجتماعية، واعداً بالإنصات إلى الفقراء ورفع الحيف عنهم وهم الذين سقطوا سهواً من حسابات الدولة التي خلقت تفاوتاً بين الجهات والفئات على امتداد ما يربو عن ستة عقود من الزمن.

وهو في هذا الباب يعلن وفاءه لشعارات الثورة التونسية وهي "العدالة والحرية الكرامة" ويمعن في تفصيل انحيازه إلى هذه القضايا بتأكيد عدم المساس بالحريات إجمالاً. وتوقف عند حقوق المرأة معرباً عن التزامه المنجز الذي تحقق لفائدة النساء وضرورة تعزيزه بخاصة في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

كما بدا الرئيس في هذا الخطاب عازماً على تحمّل أمانة دماء الشهداء وعلى مواجهة الإرهاب والتوقي منه، مهيباً بالدور الكبير الذي لعبته القوات المسلحة في هذا الصدد.

كما التزم الرئيس ومن باب الأمانة محاربة الفساد وصون المال العام وعدم إهداره بطرق غير مشروعة. وهنا كان واضحاً في تأكيده أن تنتقل تونس من "دولة القانون" إلى "مجتمع القانون" وهي فكرة مركزية أكدها دوماً، وهو أستاذ القانون الدولي الذي يرى قسم كبير من التونسيين وجوده في أعلى هرم السلطة كفيلاً بإيجاد حالة ثقة في ضرورة استعادة هيبة الدولة وتنفيذ القانون.

ومن أهم الرسائل التي وجهها الرئيس التونسي الجديد إلى الخارج تعلقه بالقضية الفلسطينية التي بدت نقطة ارتكاز في مشروعه منذ المناظرة الثانية، التي أكد فيها أن التطبيع خيانة عظمى. وفي خطاب القسم أعاد تأكيده أهمية الحق الفلسطيني الذي "لن يسقط بالتقادم"، ووجهة نظره في هذا الشأن تتمحور حول رفضه القطعي والواضح الاحتلال الصهيوني الغاشم لفلسطين وعنصرية الكيان الغاصب دون السقوط في عداء اليهود.

في العلاقات الخارجية، بدا الرئيس في هذا الخطاب الأول متسماً بالدقة والصرامة ووفياً لثوابت الدبلوماسية التونسية وهي من صميم صلاحياته. مؤكداً العمق المغاربي لتونس، ولعلاقاتها التقليدية بأشقائها وأصدقائها.

ولم يغفل في هذا السياق التنبيه على ضرورة أن تلتزم تونس بضوابط الشرعية الدولية في علاقاتها الخارجية.

وإذا كان خطاب الرئيس الذي أراده بليغاً وواعداً وبالغ الدقة والصرامة على مستوى التزامه بمشاغل التونسيين وانتظاراتهم الكبرى، فهو مهم أيضاً على مستوى تحديد التوجهات الكبرى لتونس في المرحلة القادمة، وحاملاً رموزاً عميقة.

يبقى التحدي الكبير الآن هو تحويل كل هذه الرسائل الإيجابية والنوايا الطيبة إلى منجز حقيقي وفعلي لتغيير واقع التونسيين.

إذن في حفل بهيج باذخ الفرح توج التونسيون رئيسهم الجديد الذي منحه الصندوق شرعية لافتة، واستُقبل في قصر قرطاج بما يليق بديمقراطية ناشئة تشكل استثناء في محيطها الإقليمي.

وفي مشهد بالغ الرمزية وحامل دلالات عميقة، اجتمعت النخب التونسية من سياسيين فاعلين حالياً كرئيس الحكومة ووزرائه ورؤساء بعض الأحزاب ومسؤولين سابقين في الدولة وممثلين للسلك الدبلوماسي إلى جانب ممثلي الأديان الثلاثة في البرلمان، لحضور أداء الرئيس المنتخب قيس سعيد اليمين الدستورية قبل أن يتجه إلى قصر قرطاج ليباشر مهامه في مدته رئاسية.

وباهتمام بالغ تابع التونسيون أول خطاب للرئيس المنتخب واشرأبت عيونهم نحو التلفزيون الذي كان يبث وقائع حفل التنصيب بشكل مباشر، وبقدر ما كانت الانتظارات شاهقة كان الخطاب مثقلاً بالرسائل إلى الداخل والخارج.

إذن تثبت الديمقراطية التونسية اليوم أنها صامدة على الرغم من كل المتربصين بها في الداخل والخارج، وأنها قادرة على الوقوف في وجه كل محاولات الغدر التي تعرضت لها في أكثر من مقام.

ويؤكد التونسيون للعالم من خلال هذه اللبنة الجديدة في مسارهم الديمقراطي أنه ليست هناك ثقافة أو حضارة معادية للديمقراطية. ويكفي أن تنصت لديناميكيتها الداخلية وتستجيب لها حتى تتحقق على أرض الواقع.

وها هي تونس تثبت أن الديمقراطية ممكنة في جنوب المتوسط، وتسفِّه كل الذين راهنوا على أن الثقافة العربية طاردة للديمقراطية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي