رئيس الوزراء نفتالي بينيت (Ohad Zwigenberg/AFP)

وتستهدف تحقيق الأمن لكيان الاحتلال بالدرجة الأولى، مقابل إغراء الفلسطينيين بتحسينات اقتصادية.

وإذا كان لبيد طرح هذه الخطة بتوافق مع رئيس حكومته بينيت ووزير الحرب غانتس لتحقيق الهدوء في قطاع غزة، فقد سبق له ولغيره من أقطاب حكومته أن طرحوا حلّاً شبيها يُطبَّق في الضفة الغربية والقدس المحتلتين يتجاوز حل الدولتين الذي أطلقه اتفاق أوسلو عام 1993، ويكرّس دور السلطة أمنياً في خدمة الاحتلال مقابل إضعاف حماس ومحاولة عزلها.

الاقتصاد بديلاً من الحل السياسي

ودعت الخطة التي أُطلقَت في الذكرى 16 للانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وبعد مرور 28 عاماً على اتفاق أوسلو، إلى إعادة إعمار القطاع، مقابل تحقيق هدنة طويلة، مع منع تعاظم القوة العسكرية لحركة حماس من خلال وضع آلية مراقبة اقتصادية لمنع تحويل الموارد إليها، مع إشراك السلطة الفلسطينية في هذه الترتيبات.

أما المرحلة الثانية بعيدة المدى فتستهدف دفع حماس إلى القبول بشروط الرباعية الدولية وفقاً لقرار لمجلس الأمن الدولي، تصبح فيه السلطة الطرف الأساسي الذي سيتعاون مع الكيان لتنفيذ مختلف المشاريع الاقتصادية والمدنية للقطاع.

وتتضمّن هذه المرحلة إنشاء شواطئ وجزر صناعية، ومناطق صناعية، ومشاريع اقتصادية، وإقامة ميناء لغزة، بتمويل من المانحين على رأسهم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وستنضمّ إليها دول خليجية.

ولعلّ أول هدف للعرضين الإسرائيليين لغزة وللضفة هو محاولة الكيان تجاوُز حقيقة الصراع، وهو الاحتلال الذي يجب أن ينتهي ويُزال قبل كل شيء، لذلك فهو دائم البحث عن حلول مؤقتة تحاول تهدئة الصراع وتقليل كلفته البشرية والمادية والسياسية والأمنية.

صحيح أن الاحتلال تراجع عن المعادلة السابقة في غزة، التي تقوم على قاعدة "الاقتصاد مقابل نزع سلاح المقاومة"، وهي بمثابة هزيمة واضحة له، إلا أن المبدأ يبقى هو نفسه. فرغم انسحاب الكيان صاغراً من غزة، فإنه لا يزال يمارس احتلالاً غير مباشر، متمثلاً بالحصار، كما أنه يحتلّ الشقّ الأكبر من الضفة الغربية والقدس ويتوسع فيهما بالاستيطان، ويرفض إعطاء ما هو أكثر من الحكم الذاتي للسلطة مقابل تعاونها الأمني معه.

إن طرحه هذه الخطة يدلّ على فشل كل خطط إخضاع قطاع غزة التي خاض فيها أربع حروب متتالية لم يتمكن فيها من إخضاع المقاومة أو الحد من قوتها وتسليحها، أو يوقف تهديدها، ليس فقط لمستوطنات غلاف غزة، وإنما أيضاً لجميع المدن الإسرائيلية المحتلة عام 1948 كما ظهر في معركة "سيف القدس".

وفي هذا السياق تأتي تصريحات لبيد المضللة التي قال فيها إن "الظروف السياسية في إسرائيل ولدى الفلسطينيين تمنع التقدم في المحور الدبلوماسي، غير أن تهدئة طويلة الأمد في غزة قد تخلق ظروفاً أكثر ملاءمة للمفاوضات السياسية المستقبلية (التي قد تنطلق) إذا/عندما تكون الظروف مواتية". ويكذّب ذلك أن تاريخ الصراع يشير إلى أن الكيان لم يقبل يوماً في ظلّ حكومات مختلفة بمبدأ "الأرض مقابل السلام" على هزالته وعدم تحقيقه للتطلعات الفلسطينية بالتحرير الكامل لفلسطين التاريخية.

ولا يختلف اقتراح لبيد عما دعت إليه صفقة القرن في فترة نتنياهو وترمب، وهو السلام الاقتصادي، كما أنه يكرّر مبادرات إسرائيلية ممتدة عبر تاريخ الصراع لم يُكتب لها النجاح.

محاولة إيجاد شرخ بين المقاومة والشعب

جاء طرح الخطة بعد لقاء بينيت مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في شرم الشيخ، لتكريس دور مصر في التهيئة للهدنة المحتملة. ولعل الطرفين يدركان أنه لا توجد فرصة لكي تقبل المقاومة الفلسطينية بهذه الخطة، وإن كانت تنخرط في مفاوضات مع الوسيط المصري لإنجاز تهدئة تؤدي إلى فكّ الحصار عن قطاع غزة دون الحديث عن أي ثمن سياسي.

إلا أن الخطر في الخطط الإسرائيلية لغزة وللضفة أنها تحاول توسيع الشرخ بين المقاومة والسلطة الفلسطينية، من خلال الإصرار على إشراك الأخيرة في ترتيبات إعادة الإعمار في غزة في محاولة لعزل حماس وإضعافها وإنعاش السلطة التي تضررت كثيراً بعد معركة "سيف القدس" ومقتل نزار بنات.

وشهدنا تحركاً أمريكياً نشطاً على هذا الصعيد، تبعه إجراءات اقتصادية للكيان تجاه السلطة مقابل محاربة حماس من خلال التعاون الأمني.

وللأسف فقد تساوق رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مع المطلب الإسرائيلي والغربي بمطالبته بقبول حماس بقرارات الشرعية الدولية كشرط لتشكيل حكومة وحدة وطنية، واضعاً بذلك عائقاً جديداً أمام التوصل إلى توافق وطني فلسطيني بعد أن أفشل الانتخابات.

وقد تتوهم حكومة الاحتلال أن دفع هذه الصيغة من الحلّ "سيجبر حماس على تقديم مبررات لأهل غزة حول سبب عيشهم في ظروف الفقر والحرمان والعنف والبطالة المرتفعة وبلا أمل"، ولكنها تتجاهل أن السخط الأساسي موجه إليها وإلى سياساتها بالأساس، وأن الشعب الفلسطيني يؤمن بعمق أنه لا فكاك من الاحتلال إلا بالمقاومة.

وهناك تكهنات أوردها الصحافي اليميني أمنون لورد، بإشارته إلى أن "دعم وتأييد كل من بينيت وغانتس للخطة يأتي في سياق احتمالات متزايدة من قبل إسرائيل للسير إلى معركة كبرى ضد قطاع غزة، الأمر الذي يستوجب إعداداً سياسياً ودبلوماسياً لمثل هذه الحرب موجَّهاً إلى الرأي العامّ العالمي، باعتبار أنّ إسرائيل وفقاً لهذه الخطة قامت بكل ما يمكن لتلافي هذه الحرب، وفي حال اندلاعها فهو خيار اضطراري، حسب الرؤية الإسرائيلية".

وفي هذا السياق قال جدعون ساعر، النائب في الكنيست عن حزب الليكود وعضو لجنة الخارجية والأمن، إنه "إذا كان هناك من يعتقد أن حماس ستتخلى عن مراكمة قوتها العسكرية، فهو مخطئ، هذا غير واقعي، الحقيقة هي أننا سنُضطرّ إلى مواصلة جولات المواجهة".

هل تنجح الخطة؟

ويهدف الاحتلال ضمن تحرُّكه إلى تسكين الأوضاع في غزة ومنع تدهورها في الضفة والقدس، لأنه -كما قال لبيد نفسه- يريد "تركيز الموارد والاهتمام في الصراع الحقيقي في مواجهة البرنامج النووي الإيراني، وفي مواجهة محاولة إيران أن تصبح قوة إقليمية".

والمقاومة إذ ترفض الخطة، فإنها قادرة على استمرار الضغط من خلال فاعليات الإرباك اليومي والردّ على الاعتداءات الإسرائيلية، بما يحرم الاحتلال ميزة استخدام المساعدات لإخضاع المقاومة، ويجعله مضطراً إلى تخفيف الحصار رغماً عنه كما هو حاصل الآن، وبلا ثمن سياسي.

وإضافة إلى تخفيفه الحصار، فقد تراجع الاحتلال أيضاً عن ربطه هذه الخطوة بإنجاز صفقة تبادل للأسرى مع حماس، واضطُرّ إلى العودة إلى مصر للمساعدة على إنجاز هذه الصفقة!

وقد اعترف وزير خارجية الكيان بأن "جولات القتال المتواصلة تستنزف الجيش الإسرائيلي، وتقوّض الشرعية الدولية لإسرائيل، وتُضعِف تماسك المجتمع الإسرائيلي"، الأمر الذي يفسّر لجوأه إلى تخفيف الضغط على غزة مُكرَهاً، مُوهِماً نفسه بأنه يمكن أن يستخدم هذه الخطوة لابتزاز التنازلات من الفلسطينيين!

وفي الخلاصة فإن خطة لبيد الماكرة، التي تعبِّر عن رؤية مختلف توجهات الكيان ببقاء الاحتلال والتخلص من عبء السكان، هي بحد ذاتها اعتراف بهزيمة الاحتلال أمام المقاومة الفلسطينية، وفشل لخياراته العسكرية في إخضاع الفلسطينيين، بما يدفع إلى استمرار المقاومة في كل الأرض المحتلة لانتزاع الحقوق الفلسطينية من الاحتلال.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي