هل لا زال الخطر الإرهابي قائماً أم أنه قد ولّى مع داعش إلى غير رجعة؟ وأية تحديّات تُطرح على طاولة المجتمع الدولي بعد هذا الانتصار؟ وهل هناك إرادة حقيقة للقضاء التام على الإرهاب؟

باستثناء ما يقع من مدٍّ وجزر ومناوشات خفيفة شرق سوريا، فيمكن القول إن تنظيم الدولة الإسلامية قد انهار كليّاً، وأننا يمكننا إعلان الانتصار العسكري الشامل على التنظيم، لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه بجدية بعد هذا الإنجاز، هل انتهت داعش فعلاً؟ هل هو انتصار شامل ونهائي أم مؤقت؟

هل لا زال الخطر الإرهابي قائماً أم أنه قد ولّى مع داعش إلى غير رجعة؟ وأية تحديّات تُطرح على طاولة المجتمع الدولي بعد هذا الانتصار؟ وهل هناك إرادة حقيقة للقضاء التام على الإرهاب؟

داعش فكرة أيديولوجية وعقيدة دينية والأفكار والعقائد لا تهزم بقوة السلاح.

محمد عبد الوهاب رفيقي

من المعلوم أن داعش ليست عصابة إجرامية منظمة، هدفها سلب أموال الناس ولا ممتلكاتهم، ولا حتى جماعة سياسية تطلب السلطة لمجرد السلطة، داعش فكرة أيديولوجية وعقيدة دينية، والأفكار والعقائد لا تهزم بقوة السلاح، بل أحياناً لا تزيد المعارك عودها إلا صلابة وشدة، ولذلك من العبث، في نظري، الحديث عن نهاية داعش، ما لم يتم الإجهاز على الفكرة بعد القضاء على التنظيم، وحين تُهزم الفكرة لن نجد بين شبابنا من يمكن أن يضحّي بنفسه وحياته من أجل فكرة مهزومة.

الفكرة الإرهابية تقوم على عقيدة دينية، تؤمن بوجوب إقامة الخلافة الإسلامية، واستعادة الماضي بكل ما فيه من صراعات وحروب على الآخر، وسعي لـ"إعلاء كلمة الله في الأرض"، هذه المعاني تتغذى من تاريخ إسلامي وتراث لا زالت هناك جبهات ممانعة قوية في مجتمعاتنا الإسلامية ترفض أي نقد له أو تنقيحه أو غربلته، جبهات ترفض مواجهة الواقع، والاعتراف بأن هذه التنظيمات المتطرفة تتغذى من هذا التراث، وتجد فيه ما يسمح لها بشرعنة إجرامها ومواقفها، جبهات ترفض الاعتراف بأننا مالم نقدّم للعالم اليوم قراءة جديدة للنص الديني، تتلاءم وكل متغيرات العصر والواقع، ولا زالت تتشبث بفقه تقليدي مرتبط بسياقاته الزمانية والمكانية والتاريخية.

إذا كان المجتمع الدولي اليوم يفتخر بإنجازه على الأرض، و حسمه للموقعة العسكرية، فما هي إنجازاته على صعيد المعركة الفكرية والإيديولوجية؟ ما هي الجهود التي بُذلت للقضاء على منابع الإرهاب و منابعه؟ ما هي الاستراتيجيات والمقاربات غير الأمنية الموضوعة لإنتاج أجيال جديدة محصّنة من الوقوع في براثن التطرف؟

للأسف لا شيء يبدو في الأفق، إلا ردود أفعال لحظية ومؤقتة لا تسعف لمعالجة الوضع كلية واجتثاث الإرهاب بكل أصوله ومنابعه.

ما هي استراتيجيات الدول الإسلامية مثلاً بخصوص السياسات التعليمية حتى تنتج أجيالاً تمتلك أعلى درجات الحس النقدي، وتعشق السؤال والتفكّر والعقلنة، بعيداً عن منطق الحفظ والاستظهار والتسليم.

كم خصصت هذه الدول من ميزانيتها للمعرفة والعلم والاجتماع مقارنةً بما تنفقه على السلاح والعسكرة والشأن السياسي؟ كم عدد مراكز التفكير والأبحاث التي خصصت في بلادنا لدراسة الظاهرة من كل جوانبها، وتقديم توصيات تساعد على القضاء على الفكرة؟

من حقنا أن نتساءل إذن: هل هناك إرادة حقيقية للقضاء النهائي على داعش؟

هذا كله دون أن نتحدث عن العوامل غير المباشرة المنتجة للتطرف والإرهاب، أو بالأحرى العوامل المهيجة للمخيلة الإرهابية، من إقصاء وتهميش اجتماعيَين، وهشاشة اقتصادية، وكل منتجات ذلك من ضعف الإحساس بالانتماء، وتفاقم معدلات الفقر والجهل، مع غياب العدالة الاجتماعية، و انسداد الأفق السياسي، في ظل غياب ديمقراطية حقيقية تمنع حصول الاحتقان، دون أن نغفل الحديث عن العوامل الخارجية، ومخلفات العولمة وتوحّش الرأسمالية، وغياب العدالة بالمجتمع الدولي، وتغذية أطراف كبرى للإشكالات الطائفية، و استمرار التأزّم بالقضية الفلسطينية، وغيرها من أزمات المجتمعات المعاصر التي تغذي الإرهاب.

الفكرة الإرهابية تقوم على عقيدة دينية تؤمن بوجوب إقامة الخلافة الإسلامية واستعادة الماضي بكل ما فيه من صراعات وحروب.

محمد عبد الوهاب رفيقي

ما حدث بنواحي مدينة مراكش المغربية من قتل وحشي لسائحتين أجنبيتين، وذبحهما من الوريد إلى الوريد، نذيرُ خطر على مجتمعاتنا، فالمتورطون في هذا العمل لم يلتحقوا يوماً بسوريا ولا بالعراق، ولا لهم أية صلة مباشرة بالتنظيم، ولا كان لهم سابق ملفات أمنية أو إجرامية، ولا خاضوا تدريباً عسكرياً، ومع ذلك كله أقدموا على عمل وحشي بالغ التوحش بنفس باردة، بل وثّقوا ما ارتكبوا، ونشروا ذلك بين الناس، ما يعني أنهم نفسياً تجاوزوا مراحل كثيرة ليصلوا لدرجة الاقتناع بمثل هذا الفعل، بل التباهي به، ومثل هذه القوّة لا تمنحها إلا فكرة متجذّرة، وعقيدة متوغّلة في العقل والوجدان، فهل يا ترى كم في مجتمعاتنا من أمثال هؤلاء ممن لا ينتمون لداعش التنظيم، لكنهم ينتمون لداعش الفكرة، مستعدون في أية لحظة وفي أي مكان لارتكاب أشنع الأفعال وأشدها وحشية؟

نحن اليوم أمام أنماط جديدة من العمل الإرهابي، مطالبون اليوم بإعادة النظر في كل التحليلات والدراسات السابقة؛ حتى يمكن فك بعض مغاليق تطور الظاهرة الإرهابية، فالنموذج التقليدي للمنظمات الإرهابية المعتمد على الهَرَمية، يسير نحو الانقراض من مسرح الإرهاب الدولي؛ حيث باتت الذئاب المنفردة تقدّم الصورة الأكثر ضراوةً والأشد عنفاً وفتكاً، وبالتالي فإن التحليلات السابقة على هذه التحولات لم تعد تفي بالغرض في فهم الظاهرة وتقديم الحلول الناجعة لمواجهتها، وهي بالنتيجة في حاجة إلى تصورات حديثة تتناسب وتطور الأحداث وتغير الاستراتيجيات.

لا يمكن الحديث إذن عن هزيمة حقيقية لداعش، ما لم ننتج خطاباً بديلاً لخطابات الولاء والبراء، والاصطفاف الطائفي، ودار الحرب ودار الإسلام، والدولة الإسلامية، وأحلام الخلافة، وأوهام التمكين والاستعلاء والخيرية.

لا يمكن الحديث عن انتصار حقيقي على الإرهاب ما لم نفتح ورشة الإصلاح الديني ونعالج بكل جرأة ما أُشكل من قضايا مرتبطة بالدِّين ونفتح أبواب الاجتهاد.

محمد عبد الوهاب رفيقي

لا يمكن الحديث عن انتصار حقيقي على الإرهاب ما لم نفتح ورشة الإصلاح الديني، ونعالج بكل جرأة ما أُشكل من قضايا مرتبطة بالدِّين، ونفتح أبواب الاجتهاد، ونحارب التقليد والجمود، ونقدّم للعالم قراءة تنويرية تصالح الدين مع العقل والعلم والمجتمع.

بدل من أن نترنح فرحاً بالانتصار على داعش وسحقها عسكرياً، لا بد من تفكير جدّي فيما يضمن القطيعة مع الظاهرة، فمن يدري ونحن اليوم نتحدث عن داعش، هل سنتحدث في سنوات قادمة عن ما بعد ما بعد داعش؟ لا آمل ذلك طبعاً، لكن المؤشرات لا تبعث على التفاؤل للأسف.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي

المصدر: TRT عربي