تسعى روسيا إلى زيادة نفوذها في ليبيا بالقرب من الحدود الجنوبية لحلف شمال الأطلسي، وهو ما يهدد أمن أوروبا الأمر الذي يستدعي من التحالف دعم الجهود التركية في ليبيا.

النشاط الروسي المحموم بدعم الانقلابي حفتر المتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، له غايات تتعدى حدود جغرافيا ليبيا، فالروس الذين خسروا موقعهم بعد سقوط الديكتاتور الليبي معمّر القذافي، يعملون بعد سيطرتهم العسكرية والدبلوماسية على ملف الصراع السوري على استنساخ دورهم في هذا الصراع في ليبيا، تحت حججٍ مختلفة، منها محاربة الجماعات الإرهابية ذات الطابع الإسلامي.

الروس الذين دعموا حملة خليفة حفتر على طرابلس في مطلع شهر إبريل/نيسان عام 2019، وجدوا من يدعم هذه الحملة سراً أو علناً من دول تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي كفرنسا وإيطاليا، أو من محور مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة.

قد تبدو مقدمات دعم خليفة حفتر مختلفة الأسباب من هذه الدول، ولكنها تجتمع فعلياً حول قضيتين أساسيتين، الأولى منع نجاح الثورة الليبية باعتبارها ثورة ضد نظام ديكتاتوري، قد تشكّل قاعدة لتغيير سياسي إقليمي في فترات قادمة، والثانية إيجاد أنموذج سياسي موالٍ لهذه الدول يساعد في تأمين مصالحهم السياسية والاقتصادية المتعددة.

موقف الاتحاد الأوروبي باعتباره تعبيراً عن مصالح الأوروبيين عموماً لم يرقَ إلى حدود التوافق والعمل المشترك وتغليب المصلحة الأوروبية العليا، بل بقي رهين سياسات منفردة لبعض دوله الفاعلة كفرنسا وإيطاليا، مما شجّع الروس على التسلل إلى هذا الصراع من نافذة الانقلابي حفتر بحجة محاربة الجماعات الإسلامية المتطرفة.

سلبية دور الاتحاد الأوروبي في ملف الصراع السوري، نجدها تتكرر في ملف الصراع الليبي، هذه السلبية مصدرها عدم إيجاد قاعدة توافق أوروبية، بما يخدم وحدة القرار الأوروبي حيال النزاعات الدولية، وبما يخدم وحدة مصالحه السياسية والاقتصادية والأمنية.

عدم وجود قرار أوروبي موحد من مسألة الصراع الليبي، وهجوم حفتر على العاصمة الليبية طرابلس، يصبّ فعلياً ضد قرار الأمم المتحدة بوقف الحرب هناك، إذ يعرّض حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً لخطر السقوط من قبل ميليشيا الانقلابي حفتر، الذي يريد إعادة إنتاج نظام ديكتاتوري في ليبيا، على شاكلة نظام القذافي الذي أسقطته الثورة الليبية.

في هذا الاتجاه حذّر جوزيف بوريل وزير خارجية الاتحاد الأوروبي من "تحوّل ليبيا إلى سوريا أخرى". هذا التحذير ينطوي على مخاوف جدية من قيام موسكو بالسيطرة على حوض المتوسط عبر منفذين رئيسيين هما المنفذ السوري والمنفذ الليبي، فقيام موسكو بهذه السيطرة يعني تهديد الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي المطلة على حوض المتوسط.

وقد قالت مديرة أبحاث مؤسسة "أميركان إنتر برايز" إميلي إستيل إن روسيا تعتبر ليبيا "نقطة نفوذ يمكن أن تستخدمها موسكو في جهودها الشاملة لكسر الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي".

وأوضحت الباحثة في المجلس الأطلسي أغنيا غريغاس حول التدخل الروسي في الصراع الليبي أن "جهود روسيا للتعامل مع تدفق اللاجئين تهدف إلى زعزعة استقرار الاتحاد الأوروبي وإضعافه سياسياً".

وفق هذه التحذيرات، لا يزال موقف الاتحاد الأوروبي حيال خطر التغلغل الروسي في ليبيا، ومن ثمّ في شمال إفريقيا، دون مستوى الأداء السياسي الذي يحمي أوروبا أولاً من قضية تدفق اللاجئين إليها من بؤر الصراع في إفريقيا، ويمنع عنها الضغوط الروسية لتغيير سياساتها من قضية الصراع السوري أو قضية أوكرانية، التي تعمل موسكو من خلال تدخُّلها الكبير في كل من سوريا وليبيا إلى التفاوض مع أوروبا ومع الغرب عموماً عبرهما لتغيير الموقف الأوروبي بما يخدم المصالح الروسية.

ولعلّ انحياز تركيا الصريح إلى مصلحة قرارات الشرعية الدولية، من خلال دعمها لحكومة الوفاق الوطني بقيادة فايز السرّاج أربك الموقف الروسي في هذا البلد وأظهر أنه موقف لا يخدم الاستقرار والأمن والتوافق الدولي، وبالتالي أتت هزيمة خليفة حفتر في غربي ليبيا، وتحديداً هزيمته في قاعدة الوطيّة، وخسارته لكل المدن الواقعة غربي طرابلس، وحصاره في ترهونة، تعبيراً عن ضرورة تنفيذ الاتفاقات التي رعتها الأمم المتحدة في الصخيرات، وفشلاً واضحاً للتدخل الروسي في ليبيا.

إن تجاهل الاتحاد الأوروبي للجهد التركي بمساندة حكومة الوفاق الوطني من أجل تنفيذ الاتفاق الذي رعته الأمم المتحدة، يدلّ على عدم وحدة الموقف الأوروبي، وبالتالي يعبّر عن ضعف هذا الدور وتشرذمه حيال قضايا تمسّ المصالح العليا للاتحاد الأوروبي.

إن الانقسام في مواقف دول الاتحاد الأوروبي لن يساعد في دعم استقرار الوضع السياسي في ليبيا، على قاعدة اتفاق الصخيرات الذي رعته الأمم المتحدة، وهو انقسام حاصل نتيجة تباين المصالح الاقتصادية والسياسية وتباينها بين دول هذا الاتحاد من الوضع الليبي، هذا الانقسام لن يضرّ الليبيين بقدر ضرره للاتحاد الأوروبي الذي تضعف الروابط الأساسية بين دوله.

مصلحة الأوروبيين أن يعمّ الاستقرار السياسي المتوازن في ليبيا، فغياب هذا الاستقرار يمنح الروس أفضلية سياسية واقتصادية وأمنية على حساب أوروبا، ويعطيه مساحة تدخلٍ أكبر في الشؤون السياسية والداخلية الأوروبية، مما يجعله يفرض رؤاه حيال مسائل كثيرة منها القضية الأوكرانية، وحل ملف الصراع السوري، وموضوع الدروع الصاروخية الأمريكية المنصوبة في أوروبا قرب حدود روسيا والتي يعتبرها الروس تهديداً لأمنهم القومي.

إن مراجعة الاتحاد الأوروبي لمواقفه الهزيلة والمتناقضة من ملف الصراع الليبي، واتخاذه موقفاً إيجابياً لمصلحة استقرار ليبيا، سيربك المخطط الروسي في هذا البلد ويعيده إلى مربع التراجع عن تنفيذ طموحاته المهددة لاستقرار أوروبا.

فالروس الذين أرسلوا قوات من مليشيا مرتزقة فاغنر، وجنّدوا مليشيا من مناطق سيطرة النظام السوري، لم يتخيلوا أن هذه المليشيا ستولّي الأدبار نتيجة دعم تركيا لحكومة تعترف بها الأمم المتحدة، وبالتالي سيعيد الروس حساباتهم الخاطئة بشأن تدخُّلهم في ليبيا، القائمة على محاولة مدّ نفوذهم الجديد في شمال إفريقيا وشرقي البحر الأبيض المتوسط في سوريا.

الموقف الأوروبي لا ينبغي بناؤه على خلفية حساسيات إيديولوجية من تركيا، ثبت عدم نجاعتها وأهميتها، فالاستقرار في ليبيا يخدم استقرار الوضع في الشرق الأوسط، ويعيد ملف الصراع في سوريا إلى مربع الحل التوافقي الدولي، وهو أمر تحاول روسيا استبداله بحلول تخدم أوسع مصالحها على حساب الشعب السوري ورغبته في الخلاص من نظام الاستبداد.

مصلحة الاتحاد الأوروبي بمنع تغلغل النفوذ الروسي في ليبيا، تلتقي فعلياً مع مصلحة تركيا بجعل حوض البحر الأبيض المتوسط نظيفاً من عمليات إرهابية ومن حروب وتوترات، وهو أمر ينبغي على الاتحاد الأوروبي العمل مع تركيا لضمان تنفيذه.

كما أن تنفيذ الاتفاق الدولي في الصخيرات يعني قطع الطريق على قوى الثورة المضادة، التي تساندها دول تكره التغيير السياسي في بلدان المحيط العربي، وفي مقدمة هذه الدول دولة الإمارات العربية المتحدة ومصر ومن خلفهما المملكة السعودية.

عدم انحياز الاتحاد الأوروبي الجاد إلى مصلحة الحل السياسي في ليبيا وفق التوافق الدولي، يعني احتمال انتقال بعض شرر الصراع في ليبيا سياسياً إلى أوروبا، فهل هذا يخدم وحدة أوروبا ومصلحة الاستقرار والسلام الدوليين، وهل ستبقى الشرذمة والمصالح الضيقة لبعض دول الاتحاد هي من يتحكم بسياسته؟

الجواب يجب أن يصدر عن الاتحاد الأوروبي، المعني الرئيسي بمنع تسلط الروس على حوض المتوسط، فهل ننتظر موقفاً أوروبياً جديداً وحازماً يساند الدور التركي في ترسيخ السلام في ليبيا؟

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.


المصدر: TRT عربي