انشغلت المحافل الإعلامية والدوائر البحثية الإسرائيلية في الأيام الأخيرة بالحديث عن حصول تركيا على المنظومة الدفاعية الصاروخية S-400، وعبرت عن قلقها من هذا التطور لما لذلك من دور في زيادة نفوذ تركيا في المنطقة.

فيما أبدت أوساط سياسية وعسكرية إسرائيلية مخاوفها من ذلك لأن أنقرة لم تغير مناوءتها لتل أبيب، ولا تزال تدير سياسة مناهضة لها في المنطقة.

السطور التالية تتحدث عن أبرز المخاوف الإسرائيلية من السياسة التركية، بخاصة عقب حصولها على المنظومة الدفاعية الصاروخية، وحجم الضغوط التي تمارسها تل أبيب على واشنطن ضد أنقرة، وحقيقة مصادر القلق العسكري الإسرائيلي من حيازة تركيا لهذه المنظومة، ودورها في كسر التفوق النوعي الإسرائيلي، مع العلم أن المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية الرسمية التزمت الصمت إزاء الصفقة الروسية-التركية، خشية توتير علاقتها بهما، وتركت المجال للدوائر البحثية والوسائل الإعلامية لتسويق هذه المخاوف.

فالتزامن مع فرض العقوبات الأمريكية على تركيا عقب اتفاقها مع روسيا على حيازة منظومة الدفاع الجوي S-400، فقد شهدت إسرائيل حراكاً مكثفاً خلف الكواليس لممارسة المزيد من الضغوط على نظيرتها الأمريكية لتنفيذ العقوبات التي أعلنتها على أنقرة.

يزعم الإسرائيليون أن دولاً عديدة في المنطقة على رأسها تركيا باتت مقتنعة باللجوء إلى روسيا للحصول على هذه المنظومة الصاروخية، ومما يزيد مخاوفهم أن سابقة حصول تركيا على هذه المنظومة قد تُعبِّد الطريق نحو شراء مصر والسعودية لها، واحتمال تنفيذ صفقة مماثلة لإيران على الرغم من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، الأمر الذي يستوجب من تل أبيب أن تقلق بشدة من سلوك موسكو.

مصدر قلق إسرائيلي آخر يعود إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بات غير مهتم بتهديدات الولايات المتحدة الأمريكية، وعقوبات رئيسها منتهي الولاية دونالد ترمب، ولا بالدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل إنه تحدى الضغوط الأمريكية لمنعه تنفيذ الصفقة، ما يَحُول دون استعادة ثقة تل أبيب بأنقرة التي أصبحت في العقدين الأخيرين "نداً معادياً لإسرائيل".

الإصرار التركي على حيازة المنظومة الصاروخية زاد مخاوف تل أبيب التي ترصد بقلق وريبة جملة من التحولات في السياسة التركية تجاهها، ومنها: مساهمتها قبل عشر سنوات بكشف شبكة تجسس لبنانية لصالح إسرائيل، إذ نقلت الاستخبارات التركية معلوماتها الأمنية لنظيرتها الإيرانية التي سلَّمتها بدورها لحزب الله اللبناني، مما ساهم في كشف الشبكة وإشاعة أجواء من خيبة الأمل الإسرائيلية من سلوك تركيا.

شاهد آخر على القلق الإسرائيلي من الصفقة الروسية-التركية يعود إلى السياسة التركية تجاه إسرائيل، المتمثلة باستمرار أردوغان بإصدار التصريحات التي يهاجم فيها تل أبيب بين حين وآخر، وسماحه لقادة من حماس بالإقامة في بلاده، في حين توقفت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية عن التعاون مع نظيراتها التركية وامتنعت الصناعات العسكرية الإسرائيلية عن التعاون مع نظيرتها التركية.

عنصر آخر من المخاوف الإسرائيلية يتمثل بأن حجم العلاقات المتنامية بين تل أبيب وموسكو لم يمنع الأخيرة من بيع منظومتها الصاروخية لأنقرة، مما يثبت الرغبة الروسية الملحة بتعزيز صناعاتها الدفاعية، وتسويق أسلحتها لمن يرغب باقتنائها.

صحيح أن روسيا وإسرائيل متشابهتان في سياسة تصنيع السلاح، وبيعه لكل من يطلبه. وعلى الرغم من التعاون والتنسيق الإسرائيلي-الروسي بشأن سوريا، فإن تأثير تل أبيب على استراتيجية موسكو السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط بات "محدوداً"، بدليل إبرام صفقة المنظومات الصاروخية الروسية إلى تركيا.

هذا يؤكد من وجهة النظر الإسرائيلية أن القرار الروسي مرتبط بمصالحها ذاتها وليس بمصالح إسرائيل، لذلك قررت روسيا تنفيذ صفقة بيع تركيا لهذه المنظومة الصاروخية على الرغم من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية إن رأت روسيا أن مصلحتها تقتضي تنفيذ هذه الصفقة.

في الوقت ذاته فإن التقديرات الإسرائيلية تقول إن الدروس التي استخلصتها تركيا من تلكُّؤ دول حلف الناتو بنشر بطاريات "باتريوت" بأراضيها خلال حربَي الخليج الأولى 1991 والثانية 2003 دفعت الأتراك نحو بناء قوة ذاتية وحيازة منظومة S-400 الروسية.

أكثر من ذلك فإن التقديرات الإسرائيلية وصلت إلى حد عدم استبعاد أن تقود الصفقة الروسية-التركية إلى تعزيز أنقرة لتقارُبها مع موسكو على حساب حلف الناتو، مما يعزز تعاظم قوة روسيا وتأثيرها الإقليمي في الشرق الأوسط ويطرح تساؤلات حول مستقبل علاقات تركيا مع الحلف، فضلاً عن ما يعزز سير تركيا باتجاه التأسيس لسياسة خارجية مستقلة وتطوير منظومات دفاعية أفضل وأكثر تطوراً من المتوفرة لديها حالياً.

ضمن إطار ردود الفعل الإسرائيلية السائدة على الصفقة التركية-الروسية، يعيد الإسرائيليون إلى الأذهان مساعي تركيا السابقة لامتلاك هذه المنظومات الصاروخية في 2013، عندما نُشرت مناقصة خصصت فيها مبلغ أربعة مليارات دولار لشراء منظومات دفاعية مشابهة، فازت بها شركة صينية، إلا أنها عادت وتراجعت عن الصفقة بفعل الضغوط التي مارستها واشنطن على أنقرة في حينه.

تقدر إسرائيل أن الأسباب التركية الكامنة خلف صفقتها الصاروخية مع روسيا تكمن بمصالحها المختلفة المتمثلة باستغلال الفرص لبيع صناعاتها العسكرية وتحسين وضعها الدعائي والاقتصادي والترويج لصناعتها، مع أن روسيا تسعى بصورة ضمنية لمفاقمة الخلافات بين تركيا ودول الناتو وتعميق الشرخ في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، كما تعكس الصفقة نمط السلوك الروسي التقليدي باستغلال بيع السلاح لخدمة مصالحها في الحلبة الدولية.

لكن ما جاء لافتاً في ردود الفعل الإسرائيلية غير الرسمية من الصفقة التركية-الروسية لاقتناء منظومة S-400 الصاروخية حجم الازدواجية الإسرائيلية في نظرتها إلى حيازة تركيا هذه المنظومة، ففي حين غلب القلق والخشية على ردود الفعل الإسرائيلية التي اقتصرت على وسائل الإعلام والمراكز البحثية المعبرة عن الأوساط السياسية النافذة، لم تظهر تلك الهواجس عقب حيازة اليونان منظومات S-300 الروسية وكذلك سلوفاكيا التي تملك منظومة مشابهة.

ومن الجدير ذكره أن إسرائيل نفذت أواخر 2019 تمرينات مشتركة مع اليونان للتدرُّب على التصدي لمنظومات S-400 الروسية، حين كانت المفاوضات تجري على قدم وساق بين أنقرة وموسكو للحصول على عدة بطاريات من هذا السلاح.

وقد اختبرت بشكل هادئ عدة طرق للتصدي للمنظومات الروسية المتطورة للدفاع الجوي من خلال المشاركة في عدد من التدريبات المشتركة مع القوات الجوية اليونانية فوق جزيرة كريت، ومكنت هذه التدريبات الطائرات الإسرائيلية من جمع معلومات حول سبل إعماء أو خدع هذه المنظومات المتطورة، من دون أن تتأكد من دقة نجاح هذه التجارب بالفعل في حال وصلت المنظومة الروسية إلى أيدي منظومة الدفاع الجوي التركية.

أكثر من ذلك فقد حرَّضت إسرائيل الأوساط الأمريكية والأوروبية ضد تركيا بسبب هذه المنظومة بزعم أن تنفيذ هذه التوريدات إلى تركيا سيعرِّض للخطر قدرات المقاتلات القاذفة الأمريكية للجيل الخامس من طراز F-35 التي تتوفر لدى إسرائيل منها 14 طائرة، وفي هذه الحالة قد تبرز نقاط ضعف بهذه الطائرات لدى إسرائيل وتقلل من قدراتها على الالتفاف على الأسلحة الروسية في المستقبل.

أخيراً تُمكن الإشارة إلى قراءة إسرائيلية لافتة حول دوافع تركيا للحصول على هذه المنظومة الروسية، رغم فرض العقوبات الأمريكية على تركيا، وتكمن في رغبة الأخيرة بأن تمنحها روسيا تأثيراً إضافياً في سوريا عقب تحسُّن العلاقات بينهما، وبموجبها حصل تعزيز لتحالفهما في عدة قضايا من أبرزها القضية السورية.

صحيح أن أنقرة وموسكو ليستا متفقتين في كل ما يتعلق بمحاور الوضع السوري، لكن لديهما مخاوف مشتركة بشأن دور الولايات المتحدة في شرق سوريا، إذ تتهم تركيا الولايات المتحدة بالعمل مع ميليشيات تنظيم PYD القريب من PKK الإرهابي مما يعني أن واشنطن تدعم عدواً واضحاً لأنقرة، ولذلك فإن موسكو قد تكون مستعدة للتنازل عن بعض القضايا في شمال سوريا مقابل تعاون أوثق مع تركيا، بما تشمله من صفقات الطاقة مثل مشروع السيل التركي والعقود العسكرية الأخرى، فيما تشكل صفقة صواريخ S-400 لتركيا تجربة لبيعها في جميع أنحاء العالم.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً