لقد تم تحوير واختطاف مفهوم "طاعة ولي الأمر" من قِبَل سدنة الاستبداد ليصبح مفهوماً تبريريّاً لكل موبقات الظلم والاستعباد في البلاد العربية والإسلامية.

"أدولف آيتشمان" كان واحداً من أهم رجالات هتلر أيام ذروة النازية في الحرب العالمية الثانية. دخل في الحزب النازي في بداية تأسيسه وصعد سريعاً، وشارك في تشكيل الوحدات الأمنية الخاصة "القوات الأمنية" المرتبطة بالنازيّة، واسمه مرتبط بشكل خاصّ بواحد من أكثر الأحداث ضجيجاً وصخباً في أوروبا والعالم أيام الحرب العالمية الثانية، هذا الحدث هو "المحرقة" (أو الهولوكوست).

آيتشمان كان من أهمّ الشخصيات المهندسة والمخطِّطة للمحرقة، والتي أشرفت بشكل مباشر على إعداد معسكرات بشرية خاصة أيام الحرب العالمية الثانية في 1939م.

وكانت الفكرة في البداية أن يتم حشر مجموعات بشرية منتمية غالباً إلى العرق اليهودي في تلك المعسكرات لأجل التحكُّم بها، ثم بعد سنتين (أي في عام 1941م) تم تطوير الفكرة حينما أصبحت تلك المعسكرات البشرية عبئاً ثقيلاً على النظام النازي في ألمانيا.

فقد أصبح يرى في تلك المعسكرات مصدراً للإرهاق الاقتصادي، وطبقاً للحسابات المادية الصرفة، وطبقاً للنظرية النفعية المطلقة، قرّرت إدارة هتلر التخلص من هؤلاء البشر، وتكويمهم في أفران الغاز لأن ذلك يحقّق قتلهم الجماعي بأرخص الطرق وأفضلها اقتصادياً!

آيتشمان كان واحداً من القلّة المحيطة بهتلر والمختصة بالأعمال الأمنية، والتي تعني غالباً في الأنظمة الشمولية تولّي المهام القذرة من التنصّت والتعذيب والاعتقال بالرأي والإيذاء والملاحقة والتحرش الاجتماعي والسياسي وغيره.

ولكن حينما نتحدث عن النظام النازي فإن سقف العمل الأمني يعني أيضاً ترتيب المحارق الجماعية والمجازر المنظّمة وأفران الغاز وغيرها. 

وآيتشمان وقّع بيده عشرات الآلاف من أوامر الإعدام والسحق والحرق والأشكال المختلفة للقتل الجماعي والفردي، ولكن حينما انهار النظام النازي وخسر في الحرب العالمية الثانية هرب سرّاً إلى النمسا، ثم انتقل بعد فترة إلى الأرجنتين.

وهناك قُبِض عليه بشكل غير شرعي ورُتّبت محاكمته عام 1961 م في مكان غير شرعي هو الآخر، لكن الذي يهمّ في القصة الآن شيءٌ آخر.

في أمريكا تنافست الصحف في إرسال صحافييها ومراسليها لمتابعة المحاكمة وكتابة التقارير عنها، لأنها كانت واحدة من أهم المحاكمات التي كشفت وشهرت قضية المحرقة، وقدّمت بياناً كاملاً لتفاصيل تلك الأحداث، فأرسلت صحيفة الـ"نيويوركر" الفيلسوفة والكاتبة الألمانية حنة أرندت لتغطية المحاكمة فكتبت تقريرها في هذا الشأن، وكان كتابها ضمن أهمّ ما كُتب حول تلك المحاكمة.

من تلك المحاكمة سكّت "أرندت" مصطلحها الغريب (تفاهة الشر/the banality of evil) حينما خرجت من المحاكمة بنتيجة مهمة تقول فيها بأن الشر له دوافع تافهة أحياناً، ودوافع عادية قد تحصل لأي إنسان بسيط وعاديّ.

فحسب تحليل أرندت، آيتشمان لم يكن إنساناً شرّيراً بطبعه أو حقوداً في أعماقه، وليس إنساناً شاذّاً أو غير سويّ، وليس مضطرباً أو مهزوزاً في سلوكه ونفسيته. كان إنساناً عاديّاً وبسيطاً ويعيش حياة عادية، ودرس في مدرسة عادية؛ لم يكن استثنائياً ولا مميَّزاً لا في الخير ولا في الشر، بل في كل أحواله إنساناً عادياً وربما "تافهاً".

وإذا كان كل ذلك صحيحاً، فما الذي دفع آيتشمان إلى فعل كل تلك المحارق والمجازر والإشراف بنفسه عليها، وتولّي أمر تدبيرها وتوقيع الأوامر التي تقضي بإنفاذها؟

هنا، تُقدّم أرندت كلمة السر الخطيرة، بأن آيتشمان كان إنساناً "يطيع الأوامر" بكل تسليم وقبول، وإذا أردت استخدام المصطلح المفهوم محلياً، كان آيتشمان من غلاة الطاعة المرتبطين بمفهوم "طاعة ولي الأمر" الذي تمّ تحويره واختطافه من قِبَل سدنة الاستبداد ليصبح مفهوماً تبريريّاً لكل موبقات الظلم والاستعباد في البلاد العربية والإسلامية.

كانت أكثر كلمة ردّدها آيتشمان في محاكمته في دفوعه هي أنه إنسان تَرَبَّى على الطاعة، وأنه كان يتبع القانون، وأنه كان يتلقى الأوامر العليا، وأنه كان يطيع القيادة، إلى آخره من تلك الكلمات الشبيهة، ليقول في النهاية إنها ليست مشكلته أن ذلك النظام ظالم، أو هذا القانون يبرّر الجريمة، أو أن الرئيس يأمر بتلك المجازر، فهو في النهاية "عبد مأمور" يتبع الأوامر العليا، ويطيع النظام، وهكذا تربّى سياسياً واجتماعياً.

هذه الصدمة التي قدّمتها المحاكمة أشارت إلى كارثة بنيوية في تشكيل الدولة الحديثة التي تبرر تلك الطاعة المطلقة وتؤسّسها وتشكّل "العقيدة العسكرية" لجيشها بناءً عليها، وتقيم أعراس السياسة على منصتها البشعة والمخيفة.

على حين أن الإسلام جاء ليقول "إذ تبرّأ الذين اتُّبعوا من الذين اتّبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب. وقال الذين اتَّبعوا لو أن لنا كرّة فنتبرأ منهم كما تبرّأوا منّا، كذلك يريهم الله أعمالهم حسراتٍ عليهم وما هم بخارجين من النار".

والإسلام جاء ليقدّم إدانة تاريخية لقصة "إنَّا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلُّونا السبيلا"، وجاء ليقول "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق".

فتلك الطاعة للأوامر مشروطة بالحقّ والعدل ومقرونة بالبرهان والدليل، ومنوطة بقيم ومبادئ الحق والأخلاق .. وإلا فلا!

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي