في مشهدنا الحزبي لا مجال للتقاعد السياسي، فالزعيم زعيم مدى الحياة، أما الحديث عن تشبيب المقاعد السياسية فلا يُعد إلا وهماً تدحضه التجربة والوقائع العملية في الوطن العربي.

"الشباب ما هو إلا كلمة"، هذا ما انتهى إليه الراحل بيير بورديو ذات مرة، وهو يؤجج السؤال السوسيولوجي حول الشباب وبالضبط بعد انتفاضات 68 من القرن الفائت، لكن هل كان يدرك حينئذ أنه يشير "بخلاصته" هاته إلى وضع سوسيوسياسي يرهن الفعل السياسي هنا والآن، ويشير إلى أزمة اللا تقاعد في الممارسة والتدبير، في كثير من الأنساق العربية؟

يوما ما تحدث هشام شرابي عن التغيير في العالم العربي، أجاب بصورة مغرقة في التعجيز ومحيلة على اعتناق اليأس المعتق، قال ساخراً ومتألماً "التغيير في هذا الوطن الجريح، هو أن تحفر بئرا عميقة الغور، بواسطة إبرة، ودون أن تكون متأكداً من إمكان الوصول إلى قطرة ماء"، التغيير هو البحث عن الممكن في عز المستحيل، هو محاولة لكتابة تاريخ جديد، في زمن صعب، لا أحد يرغب فيه بالخروج من منطقة الأمان، التغيير جراءة في البدء والختام، فمن يجرؤ على التقاعد السياسي؟

التغيير في الوطن العربي كان بتوقيع المؤسسة العسكرية حيناً وعباءة الدين حيناً آخر وفي لحظات قليلة كان من توقيع الشعب.

عبد الرحيم العطري

سؤال يأخذنا إلى سؤال أعمق مرتبط بصيغ الانتقال الديمقراطي في الوطن العربي، واحتمالات الخروج من نفق اللا انتقال وبياض اللحظة السياسية، هنا التاريخ يسعفنا مرة أخرى في تلمس الجواب، لنجد أن التغيير كان بتوقيع المؤسسة العسكرية حيناً، وعباءة الدين حيناً آخر، وفي لحظات قليلة كان من توقيع الشعب. وبين هذا وذلك نتساءل عن محتوى هذا التغيير وعن مآلاته، لنواجه عسر التناوب ودوران النخب، ما يجعل من التغيير مجرد استمراريات لا تثمر القطائع الدالة بين ترتيب سياسي وآخر مختلف عنه نوعاً ودرجة.

في الديمقراطيات العريقة الأمور محسومة أصلاً، والتغيير واقع لا محالة، فهو "الشرط الوجودي" لمعنى الديمقراطية. في ذات السجل، تصير الانتخابات آلية للتغيير، عبرها تتغير الوجوه وتتبدل اللحظات ويفيد المواطن من كل وافد جديد. وعليه فالصوت الانتخابي الذي يدلي به الناخب هو ما يصنع التغيير ويحدد تاريخ التقاعد السياسي لأسماء ما، هنا الديماقراطية تعيد كتابة اللحظة وتنتصر على لعنة التشبث بالكراسي. لكن عندما نغير الوجهة نحو الهنا والآن، نحو الزمن العربي في انمساخه واهترائه، نجد ما يدمي القلب، وما يدفع إلى اعتناق اليأس، فلا تغيير إلا بديمقراطية الموت، ولا حرمة لصوت الناخب، ولا للصناديق الزجاجية، باتت مرئية ولا مرئية في الآن ذاته.

في مشهدنا الحزبي لا مجال للتقاعد السياسي، فالزعيم زعيم مدى الحياة، وحتى "ديمقراطية عزرائيل" التي يمكن أن تزيحه، تدخلت فيها المؤسسة الحزبية، بحيث من الزعامة أصل ملكية ينتقل بالوراثة، لتستمر إعادة الإنتاج الماسخة لنفس النخب، ويتواصل التضليل السياسي في اتجاه الإفلاس البين.

الزعامة في الوطن العربي أصل ملكية ينتقل بالوراثة لتستمر إعادة الإنتاج الماسخة لنفس النخب، ويتواصل التضليل السياسي في اتجاه الإفلاس البين.

عبد الرحيم العطري

إن الزعيم في المؤسسة الحزبية هو المالك أبدًا للحقيقة، هو بالفعل والقوة شخصية كاريزمية تتسربل بمسموح البركة والشرف، هو المنزه عن العهارة السياسية، له من الأسماء ما لا يُحصى، فهو المناضل، الثوري، الأب الروحي، الملهم، الشيخ، القائد، المفكر ... تاريخه كله إباء وشموخ، وحاضره كله نضال وتضحيات.

الزعيم الحزبي فلتة من فلتات الزمن، أسطورة حية، هذا ما تروجه كل المؤسسات الحزبية عن زعمائها حتى تضمن استمرار شريطها السياسي، فقط لأن الناس دوما في حاجة إلى أنبياء وأصنام. ألم يقل ماركس يوماً بأن هذا مجتمع يحكمه الموتى، وتحكمه المنحوتات والمسكوكات الجمعية.

هكذا تحاصرك في مقرات الأحزاب صور بانورامية لهذا الزعيم أو ذلك، وتتراءى لك في الجرائد وكل وسائط الاتصال، المقولات و "الحكم" المنسوبة إلى "الساسة" وصناع القرار، وقد تحولت إلى "مانشيتات" عريضة في محاولة لإيهام الرأي العام بأنها حكم فوق العادة.

إذا كان الحقل السياسي، وبقوة الأشياء، فضاء ملتهباً من الصراعات والتنافس، حيث الكل يسعى إلى تأمين وجوده وتحقيق الاستدامة القصوى لهذا الأنوجاد، فإن مؤسسة الزعيم تصير أكثر انشغالاً بالحفاظ على حالة اللا تقاعد، فالزعيم لا يمكنه بالمرة أن يغادر الكرسي، إلا بواقعة الموت، إذ يعمل على تنشيط كل "المضادات الحيوية" درءاً لأية منافسة أو مزاحمة، ومن يجرؤ على إرباك اللعبة مآله الفشل الذريع، بل الإقصاء من احتمالات الترقي السياسي، لأن الزعيم والأب الروحي ومؤسس الحزب لا يعرف مبدأ التناوب أو التقاعد السياسي.

أمام وضع كهذا يبقى مطلوباً من الشباب وكل راغب في الالتحاق بـ"قشدة المجتمع"، أن يكون مريداً فقط في حضرة الشيخ المقدس، الذي لا يعرف التقاعد السياسي أبداً، ليس مطلوباً منه غير تقديم فروض الطاعة والولاء للآباء الروحيين للمؤسسة وشيوخها وصقورها والاكتفاء دوماً بعبادتهم والانبهار بآرائهم التي لا يأتيها الباطل.

الزعيم العربي لا يمكنه أن يغادر الكرسي إلا بواقعة الموت إذ يعمل على تنشيط كل المضادات الحيوية درءاً لأية منافسة أو مزاحمة.

عبد الرحيم العطري

فليس مطلوباً من الشباب في كثير من التنظيمات الحزبية العربية، إلا أن يتمثل حاله ومآله كخزان انتخابي صالح لتمجيد اللا تقاعد السياسي والقبول به وضعاً غير قابل للتفاوض. إنه مجرد جيش احتياطي يتم استقدامه إلى القاعات الكبرى، لتأثيثها أثناء اعتلاء الشيوخ لمنصات الخطابة، وإنه في النهاية مجرد كلمة أو كلمات، يتم تدبيجها بإتقان في الخطابات التي تتبجح باهتمامها بالشباب وقضاياه.

وهذا يعود أساساً إلى كون الأحزاب في العالم العربي مجرد أحزاب مشوهة، بمعنى أنها ليست أحزاباً بالمعنى العلمي السليم لهذا المصطلح، وأنها أحزاب هزيلة الإيديولوجية، تدور في فلك وعاظ السلطان وتستند إلى ثقافة "الآداب السلطانية"، بل تكتب مشاريعها بالقلم السلطاني بدلاً من قلم شعبي منتصر لهموم وآمال الجماهير.

لهذا يبدو كل خطاب عن دوران النخب وتشبيب المكاتب السياسية، وإتاحة الفرصة للجيل الجديد، مجرد خطابات لا تتجاوز "مخارج الحروف" إلى التنفيذ، فالزعيم لا يقبل بمغادرة الكرسي، إلا تحت طائلة ديمقراطية عزرائيل. إلى ذلك يبقى خطاب دوران النخب والتشبيب مجرد ورقة سياسية، وخطابات لامعة، وإشارات قابلة للالتقاط، "يلعب" بها "الشيوخ" لتحقيق مقاصدهم، وتأكيد حضورهم، وتأجيل تقاعدهم السياسي.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي