الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أثناء استقباله في العاصمة أنقرة ولي العهد الإماراتي الشيخ محمد بن زايد (Ali Balikci/AA)

برزت زيارة ولي عهد أبو ظبي الأمير محمد بن زايد إلى تركيا، ولقاؤه الرئيس أردوغان، كنتيجة للعديد من التطورات التي شهدها البلدان بشكل متسارع منذ مطلع العام الجاري 2021، والتي بدأت بتصريحات إيجابية غير مسبوقة إزاء تركيا على لسان وزير الشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش، وتأكيده رغبة الإمارات في تطبيع العلاقات مع تركيا، ثم جرت اتصالات ولقاءات متبادلة بين مسؤولي البلدين، كان أهمها لقاء أردوغان بمستشار الأمن الوطني الإماراتي طحنون بن زايد في أنقرة أغسطس/آب الماضي.

في تلك الأثناء على وجه التحديد، سُئل الرئيس أردوغان فيما لو كان لقاؤه طحنون بن زايد يعني ذوبان الجليد في العلاقات بين البلدين، فأجاب بأن هذه اللقاءات يمكن أن تَحدُث بين البُلدان، وأن تركيا ترغب بالتحدّث مباشرة مع الدول الفاعلة في المنطقة.

كان من الواضح أن الرئيس أردوغان ينتظر خطوات ملموسة على الأرض بصورة أوضح، وبمعنى آخر، لا شكّ أنّ زيارة محمد بن زايد إلى تركيا ولقاءه أردوغان تعني ذوبان الجليد في العلاقات بين البلدين بالفعل.

مجريات الزيارة

كانت هناك متابعة كبيرة سواء على المستوى التركي أو العربي لمجريات هذه الزيارة، واللقاء المهم والتاريخي بين أردوغان وابن زايد، لا سيّما أنه يأتي بعد فجوة عميقة ضربت العلاقات بين البلدين بسبب ملفات شائكة تنبع من اختلاف المواقف ووجهات النظر في العديد من مناطق الصراع وغيرها في المنطقة.

بدأت الزيارة باستقبال رسمي احتفى خلاله أردوغان بالأمير محمد بن زايد، ليبدأ اللقاء الثنائي بعيداً عن وسائل الإعلام، ثمّ شهد الجانبان توقيع اتفاقيات ومذكّرات تفاهم بين البلدين شملت عشرة مجالات مختلفة، أبرزها التجارة والاستثمار والطاقة والبيئة.

وكان من اللافت أيضاً التوقيع على مذكرة تفاهم بين البنك المركزي التركي ونظيره الإماراتي، بهدف التعاون بين المؤسستين.

وفي ذات السياق، برز أيضاً إعلان رئيس مجلس إدارة شركة أبو ظبي التنموية القابضة، محمد حسن السويدي، تخصيص بلاده عشرة مليارات دولار من أجل الاستثمار في تركيا.

ولا ننسى أنّ الزيارة جاءت بدعوة من الرئيس أردوغان، وتميّزت بحضور العديد من الوزراء وكبار المسؤولين من البلدين، مما يشير إلى أهميتها وأهمية الاتفاقيات والمحادثات التي تخللتها.

دوافع الزيارة

جاءت الزيارة بصورة منطقية في ضوء التطورات الإيجابية التي شهدها البلدان منذ مطلع العام الجاري، وهي تشير في الواقع إلى أن المحادثات السابقة التي بدأت عبر المخابرات أولاً والسلك الدبلوماسي ثانياً، كانت محادثات جادة وهادفة لتحقيق تقدم ملموس وسريع.

ومن المؤكد أنّ كِلا البلدين يحمل رغبة في إحداث نقلة نوعية في العلاقات الثنائية، لا سيّما أنّ الرئيس أردوغان منذ أواخر العام الماضي أكد مراراً رغبة أنقرة في تطوير علاقاتها مع العديد من البلدان بما في ذلك طيّ صفحة الماضي والدخول في محادثات مباشرة.

وهو ما انعكس على العلاقات التركية من جهة والمصرية والخليجية من جهة أخرى. وفي هذا السياق شهدت تركيا ومصر محادثات ثنائية استكشافية مرتين على التوالي بهدف تحسين العلاقات، كذلك شهدت العلاقات بين تركيا والسعودية بعض التقدّم ولو كان على مستوى أقل.

وفي المقابل أظهرت دولة الإمارات رغبة واضحة في تجاوز الملفات الشائكة بين البلدين، والتي تنبع كما ذكرنا من عوامل خارجية ليست ذات صلة مباشرة بالبلدين، في ظلّ العلاقات التجارية التي حافظت على مستوى جيد بينهما رغم الخلاف القائم على الصعيد السياسي.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن زيارة ولي عهد أبو ظبي إلى تركيا، والتوجّه الإماراتي الملحوظ نحو تحسين العلاقات بين البلدين، لا يتعلقان بالجانب الاقتصادي فحسب، لا سيّما أن هذا الجانب على وجه التحديد لم يتأثر بشكل كبير طوال الفترة الماضية بما في ذلك الفترة التي أثّرت فيها تبعات فيروس كوفيد-19.

وهذا يشير بدوره إلى رغبة إماراتية في إحداث تطور في العلاقات على الصعيد السياسي كذلك، مما يضمن علاقات أكثر متانة من السابق، ربما تساعد في حلحلة العديد من الملفات في دول المنطقة، إذا حدث تعاون استراتيجي بين البلدين على أرض الواقع.

أما سبب هذه الرغبة، فهو في الحقيقة شِبْه واضح ويرجع إلى عدم تحقيق أي فائدة أو مكاسب في جُلّ الخلافات، لا سيّما في الملف الليبي، وربما دفع ذلك الإمارات لإعادة النظر من جديد في تحديد الأولوية التي تضمن لها، وبالتأكيد لأنقرة، تحقيق مكاسب تخدم مصالح البلدين.

وهذا يأتي في سياق أعَمّ، يبدو فيه أن الإمارات تحاول الوقوف عند النقطة التي وصلت إليها سياساتها طيلة الفترة السابقة، والتراجع رويداً رويداً عن هذه السياسات، وهو ما انعكس على دورها في اليمن وليبيا، ودخولها في محادثات مع عدة أطراف إقليمية بعد تدهور العلاقات معهم، على رأسهم تركيا.

تدرك الإمارات بكل تأكيد حجم تركيا الإقليمي والدولي، الشيء الذي يجعلها أكثر انفتاحاً على ضرورة التمتع بعلاقات ذات مستوى جيد مع تركيا من جهة، وتعزيز وجودها الاستثماري على الأراضي التركية بما يُحقق لها ميّزات على المدى القريب والبعيد من جهة أخرى.

أهداف العلاقات بين البلدين ومآلاتها

في ضوء الاتفاقيات ومذكّرات التفاهم الموقّعة، يمكن القول إن "الجليد الذي كان يُعيق تحقيق تقدّم ملموس في العلاقات بين أنقرة وأبو ظبي قد ذاب".

وهذا يعني بدوره أنّ مستقبل العلاقات على المدى القريب والمتوسط سيحظى بوضع أفضل بكثير مما كان عليه طيلة العقد الماضي، أي منذ بدء الثورات العربية وبروز الخلافات والمواقف المتضاربة في عدة ملفات.

ومن الطبيعي أن تكون هذه الزيارة المهمة مفتاحاً لتطوير العلاقات الاقتصادية الجيدة في الأصل بين البلدين، وتحقيق مكاسب ثمينة لتركيا بفعل الاستثمارات الإماراتية التي ستصل إلى عشرة مليارات دولار.

ومن ناحية أخرى، سيلعب هذا التقدّم في الشِّق الاقتصادي دوره أيضاً في تمتين العلاقات السياسية بين تركيا والإمارات، وربما يضمن، كما أشرنا، إلى إحداث نقلة إيجابية في حلحلة بعض الملفات الشائكة.

وفي النتيجة، بينما كان الجميع يترقّب خطوات ملموسة على الأرض منذ صدور مؤشرات إيجابية سواء من تركيا أو الإمارات، فإنّ اللقاء التاريخي بين أردوغان وابن زايد والتوقيع على هذا الكمّ من الاتفاقيات والتعاون يعني أن الأمور تسير في منحىً جادٍ سيعود بالنفع على البلديْن.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي