الرئيس أردوغان أثناء كلمته أمام مندوبي حزب العدالة والتنمية في مؤتمره العام الذي عقد يوم أمس في العاصمة التركية أنقرة.  (Tccb/Murat Cetinmuhurdar/AA)

وقد ألقى الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي حصل مجدداً على ثقة مندوبي الحزب (1428 عضواً) بانتخابه مجدداً لرئاسة الحزب، كلمةً ترقبتها وسائل الإعلام الدولية والمحلية منذ يوم الجمعة الماضي، عندما أعلن أردوغان عن كلمته التي وصفها بأنها ستكون كلمة موسعة حول خارطة طريق الحزب نحو انتخابات عام 2023.

لقد عقد حزب العدالة والتنمية مؤتمره السابع بعد نحو سنتين ونصف من مؤتمره السادس التي عُقد بعد فوز الحزب وحليفه الحركة القومية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في 2018. وقد كان الحزب في وضع أكثر راحة من وضعه اليوم، إذ يواجه الحزب عديداً من التحديات الداخلية والخارجية، مثل قدرته على الاستمرار في الفوز في الانتخابات من خلال تأمين التحالفات الكافية والآمنة بعد خروج عدد من كوادره، ومن جهة أخرى إدارة علاقات تركيا الدولية بخاصة مع دول كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا.

لذلك لم يكن من المستغرب أن تحمل كلمة أردوغان رسائل مهمة في هذا السياق تتضمن تأكيده أمام مندوبي الحزب الذين جاؤوا من كل المحافظات، تعهُّده بتحقيق أهداف تركيا لعام 2023.

المستوى الداخلي

لعل من أهمّ الرسائل التي وجّهها أردوغان على الصعيد الداخلي، الحفاظ على"تحالف الجمهور"الذي يضمّ العدالة والتنمية والحركة القومية، في الوقت الذي تواجه فيه الأحزاب المعارضة الأخرى صعوبة في لملمة صفوفها، وبالتالي يؤكّد أردوغان استمرار خطه الذي بدأ به منذ فشل الانقلاب في 15 يوليو/تموز 2016 عبر التحالف مع الحركة القومية.

الرئيس أردوغان يتوسط مجموعة من أعضاء حزبه في مؤتمره العام 2021.  (AA)

وعلى المستوى الداخلي أسفر المؤتمر السابع لحزب العدالة والتنمية عن تغيير لقيادات اللجنة التنفيذية للحزب بنسبة نحو 44%، مما يشير إلى عملية تجديد مستمرة في الحزب. ونظرة سريعة إلى بعض التغييرات التي حدثت تشير إلى انسجام هذا التغيير مع رؤية أردوغان لتحالفات الحزب وسياساته خلال المرحلة القادمة.

لقد اعتمد حزب العدالة والتنمية خلال مسيرته على الفارق الذي صنعه من خلال الإنجازات في القطاعات المختلفة التي تهمّ الشعب التركي، لذلك أعاد أردوغان التذكير بجملة من الإنجازات خلال كلمته، مثل رفع ميزانية التعليم إلى 147 مليار ليرة في 2021 من 7.5 مليار ليرة في 2002، مع التطور في القدرات الصحية من خلال رفع عدد الأسرَّة وعدد العاملين في المجال الصحي، والاستثمارات الكبيرة في قطاع المواصلات، إضافة إلى الاكتفاء الذاتي في المنتجات الزراعية، فضلاً عن رفع عدد المنشآت الرياضية إلى نحو 4000 منشأة.

وعلى صعيد الإنجازات الداخلية، يبدو أن أردوغان يريد أن يسجّل اسمه من جديد في تاريخ تركيا، من خلال دستور جديد، إذ أعلن أن تركيا محتاجة إلى دستور جديد أكثر من أي وقت مضى، بخاصة أن الدستور الحالي قد أُعِدَّ في فترة الانقلاب في عام 1980، وعلى الرغم من التعديلات الكثيرة التي جرت عليه بعدها فلا يزال أردوغان يطمح إلى دستور وصفه بأنه لا بد أن يواكب نهوض تركيا وتقدُّمها، وليس دستوراً من بقايا الانقلابيين.

ومع وجود وجهات نظر مختلفة من المعارضة التركية، أبدى أردوغان استعداده لنقاش الأفكار والمقترحات المختلفة أمام الشعب.

وفي ذات السياق لم يُخفِ أردوغان الذي جاءت كلمته بعد ساعات من تقلبات حصلت على الليرة التركية بعد إقالة محافظ البنك المركزي، وبعض التطورات الأخرى، وجود ركود وتراجع للاستثمارات الأجنبية، لكنه أكّد أن الاقتصاد سيُظهِر تحسُّناً ملحوظاً خلال الفترة القادمة، داعياً المستثمرين الأجانب إلى مزيد من الثقة بقوة تركيا وقدراتها، مؤكداً أن التقلبات الحاصلة لا تعكس حقيقة وقدرات الاقتصاد التركي.

ومع أن أردوغان أشار إلى أن تركيا أثبتت مراراً مقاومتها للصدمات عبر ما وصفه بالهيكل الديناميكي لاقتصادها والانضباط المالي بقواعد السوق الحرة، سيكون هذا الملفّ في الحقيقة تحدياً أمام حزب العدالة والتنمية في الفترة القادمة، بخاصة بعد إعلانه برنامج الإصلاح الاقتصادي.

المستوى الخارجي

على المستوى الخارجي لم يفُت أردوغانَ الإشارةُ إلى أدوار تركيا في دعم الاستقرار وحقن الدماء في ليبيا وسوريا وأذربيجان. ولكن اللافت في كلمة أردوغان كان تأكيده ضرورة إنهاء حالات الخصومة وتصميم تركيا على زيادة عدد أصدقائها لتحويل المنطقة إلى "واحة سلام".

تأتي هذه الكلمات بعد وجود هدوء وتواصل بين تركيا من جهة والسعودية ومصر ودول أخرى كانت العلاقة مشحونة معها خلال الأعوام الماضية.

وفي ما يتعلق بصياغة العلاقات، ألمح أردوغان إلى أن علاقات تركيا في حالة تغيُّر مستمرّ، عندما قال:"سنواصل صياغة علاقاتنا مع جميع الدول بدءاً من الولايات المتحدة وحتى روسيا والاتحاد الأوروبي والعالم العربي بما يتماشى مع مصالح تركيا وتطلعات شعبنا".

وبينما أشار أردوغان أيضاً إلى أدوات تركيا في السياسة الخارجية ورفع عدد البعثات من 163 في 2002 إلى 251 حالياً، وأن تركيا تُعتبر ضمن 5 دول تمتلك أكبر شبكة دبلوماسية للبعثات الأجنبية في العالم، فقد أقرّ بصعوبة تطوير "تعاون متوازن ومتّسق وطويل الأمد في آن واحد مع الدول التي بينها تنافس أو حتى توتر".

لم ينسَ أردوغان التطرق إلى انتقاد نقاط ضعف النظام العالم وحاجته إلى معاهدة اجتماعية جديدة، بخاصة لمرحلة ما بعد الوباء، مشيراً إلى أن تركيا كدولة تريد الثقة والاستقرار لنفسها وللعالم ومستعدة بكل قوتها لهذه المرحلة.

لقد وجّه الرئيس أردوغان رسائل داخلية وخارجية ناظمها الأساسي هو الإصرار على مكانة قوية لتركيا داخلياً من خلال تقوية تحالف حزب العدالة والحركة القومية وتجديد صفوف الحزب بدماء جديدة وبروح جديدة دون إنكار التحديات والعقبات، ومن خلال العمل على إصلاحات قانونية واقتصادية، وخارجياً من خلال مرونة أكبر في التعامل مع ديناميكيات السياسة الدولية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي