الرئيس التونسي قيس سعيد يتحدث لبعض جنود الجيش التونسي  (Slim Abid/AP)

وتجميع كل السلط في يد الرئيس بما في ذلك النيابة العامة، إذ لم يُعلَن إلى حدود الساعة عن تفاصيل المرحلة الانتقالية ولا عن خارطة طريق سياسية للخروج من الأزمة، وهو ما دفع الكثير من المراقبين إلى ترجيح فرضية الانقلاب لتوصيف ما جرى، وإن حاول البعض تغطيته بقناع دستوري.

وبالرجوع إلى الفصل 80 من دستور ما بعد ثورة الياسمين، الذي استند إليه قيس سعيّد لتبرير قراره، يتبين، من حيث الشكل، أنه لم يتمّ احترام مُقتضيات هذا الفصل الذي يُنصّص بوضوح على ضرورة استشارة رئيس الحكومة ورئيس البرلمان وإخطار رئيس المحكمة الدستورية قبل الإقدام على إعلان حالة الاستثناء، وهي الإجراءات التي تَبيَّن أن الرئيس لم يحترمها.

ذلك بأن رئيس البرلمان راشد الغنوشي نفى أي استشارة له في الموضوع، واصفاً ما جرى بالانقلاب، وأعلن عن اعتصام أمام مجلس النواب الذي منعته قوات الأمن من وُلوجه، أما رئيس الحكومة فلم ينفِ استشارته كما أنه لم يؤكّدها، بل إنه لم ينفِ حتى ما تمّ تداوله من أخبار حول تعرُّضه للتهديد والضرب داخل قصر قرطاج وبحضور أجانب يُعتقد أنهم ضباط أمنيون من جنسية عربية.

أما من حيث الجوهر، فإننا لا نجد في هذا الفصل ما يفيد بتجميد اختصاصات البرلمان، بل إن مصطلح "التجميد" دخيل على المتن الدستوري، والمشرّع أكد ضرورة بقاء البرلمان في حالة انعقاد طيلةَ حالة الاستثناء، علماً أن استيفاء شروط حالة الاستثناء في حدّ ذاتها تبقى موضوع نقاش قانوني وسياسي غير محسوم.

ثم إن المحكمة الدستورية التي نصّ عليها ذات الفصل غير قائمة بسبب رفض رئيس الدولة التصديق على قانون إحداثها، رغم أن البرلمان صوت عليه من قبل. وهذا في حدّ ذاته عيب قانوني كافٍ للطعن على دستورية القرار الرئاسي، ﻷنه في غياب المحكمة الدستورية لا يمكن تطبيق كل المقتضيات الواردة في الفصل 80، بخاصة تلك التي تحدّد كيفية رفع حالة الاستثناء والآجال المرتبطة بها.

وبالنظر إلى هذه الاعتبارات يُمكِن أن نخلص إلى أنّ ما جرى مخالف للنص الدستوري شكلاً ومضموناً، ولذلك اعتبره العديد من القوى السياسية على اختلاف مشاربها الآيديولوجية انقلاباً على الشرعية، وهذا ما ذهب إليه الأمين العام للحزب العمالي التونسي حمّة الهمامي، ذو المرجعية الماركسية، إذ صرح بأن ''معارضته لحركة النهضة لا تعني الارتماء في حضن رئيس انقلابي''. في حين دعا الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي، إلى مقاومة الانقلاب على الشرعية بطرق سلمية، كما وصفت شخصيات أكاديمية وقانونية مستقلة من أمثال المفكر أبو يعرب المرزوقي وأستاذ القانون الدستوري عيّاض بن عاشور الإجراءات المتخَذة بالانقلابية والمُنافية للدستور.

أمّا على المستوى الدولي فقد كانت ردود فعل الديمقراطيات الغربية باهتة، وحاولت إمساك العصا من الوسط، إذ نأت بنفسها عن إدانة ما جرى أو وصفه بالانقلاب، واكتفت بدعوات فضفاضة إلى العودة سريعاً إلى الحياة الطبيعية لعمل المؤسسات المنتخبة، وإلى ضرورة احترام الدستور والحريات، وتجنُّب الانزلاق نحو العنف. وحتى الأمين العامّ للأمم المتحدة اكتفى بحَثّ الأطراف على ضبط النفس وحل الخلافات بالحوار. أمّا روسيا والصين ومعظم الدول العربية فليست في موقع يؤهّلها لإعطاء الدروس في احترام الديمقراطية.

وإذا لم يكن ما يبرّر ازدواجية المواقف الأوروبية، فإنه من السهل تفسيرها من زاوية الحساسية المفرطة حدّ الفُوبْيا تجاه التيارات ذات المرجعية الإسلامية، وهي تفضّل عموماً التعامل مع أنظمة شمولية أو عسكرية في الشرق الأوسط الكبير على التعامل مع الإسلاميين، وإن أفرزتهم صناديق الاقتراع، وقد اتضح ذلك جليّاً في أغلب التجارب التي عرفتها المنطقة سواء في دول الربيع العربي أو حتى قبل ذلك منذ بداية التسعينيات.

ولم تثنِ الانقلابات العسكرية دولاً أوروبية عن عقد صفقات تسلح بمليارات الدولارات لفائدة دول الردة الديمقراطية واستقبال الرؤساء الانقلابيين في عواصمها وفرش البساط الأحمر لمن تقطر أيديهم بدماء الأبرياء المدافعين عن سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها والانعتاق من حكم العسكر.

بل إنّ هناك من يذهب إلى أبعد من ذلك حين يعتقد بتواطؤ أوروبي وعربي وتنسيق مسبق مع قيس سعيّد، ويستدلّ أصحاب هذا الرأي بتدفُّق الإعانات الضخمة على تونس من بعض الدول الغربية مباشرة بعد الانقلاب، ونذكر منها على وجه الخصوص وصول 1.5 مليون جرعة من اللقاح المضاد لكوفيد-19 كهبةٍ من إيطاليا يوم الأحد الماضي، ومليون جرعة أخرى هبة من الولايات المتحدة الأمريكية في نفس الأسبوع، علماً أنّ انهيار المنظومة الصحية كان أحد الأسباب التي أجّجَت الأزمة السياسية في تونس. وهذا السيناريو يذكّرنا بالدعم السّخيّ الذي تلقّته دول عربية أخرى بمجرد إغلاقها قوس الربيع الديمقراطي. فهل هي مجرد صُدفة، أم إنها الشجرة التي تُخفي الغابة؟ سؤال نترك للتاريخ الإجابة عنه.

وفي انتظار ذلك، وبعيداً عن التفسير التآمريّ لما جرى، لا يستقيم أن نختزل الأزمة التونسية الحالية في التدخل الأجنبي، كما لا يمكن أن نغضّ الطرف عن فشل النخب السياسية التي أفرزتها صناديق الاقتراع، في إيجاد حلول ناجعة وآنيَّة وملائمة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة، في ظل تقاطب سياسيّ حادّ بين التيارات العلمانية واليسارية تحديداً، في مقابل التيارات المحافظة والإسلامية منها بالذّات، وهو ما أفقد المواطن التونسي ثقته بالمنظومة السياسية برُمّتها بعد عشر سنوات من قيام الثورة.

لذلك كله، سيبقى الرّهان على النُّخب السياسية التونسية لتفويت الفرصة على المتربّصين بتجربتهم الديمقراطية الفتية، وعلى تلك النخب أن تستخلص الدروس والعِبَر ممَّا يجري في جوارها القريب والبعيد قبل تدويل الأزمة وقبل فوات الأوان.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي