الرئيس التركي وأمير قطر  (AA)
تابعنا

لعل أدق وصف للعلاقة المتميزة التي تجمع بين تركيا وقطر، هو التعاون الاستراتيجي الذي يفوق مستوى التحالف، إلى جانب الشراكة التكاملية التي تكتسب وزنها الثقيل في توافق الرؤى ووجهات النظر في شتى الملفات على مستوى إقليمي ودولي، مما يجعل هذه العلاقة استثنائية على صعيد العلاقات بين الدول.

لقد أبدت تركيا كما قطر الرغبة الجادة في تطوير العلاقة بين البلدين منذ قدوم حزب العدالة والتنمية التركي إلى السلطة عام 2002، ضمن الطابع الجديد الذي خيم على السياسة الخارجية التركية، من حيث الاهتمام بدول المنطقة والعالم العربي عموماً، بعد أن كانت بوصلة العلاقات الخارجية لتركيا موجهة بشكل أكبر نحو العالم الغربي.

أسهمت الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين، وما كان ولا يزال يتخللها من التوقيع على اتفاقيات في مجالات عدة أبرزها التجارة والأمن، في تعزيز العلاقات الثنائية وتوطيدها، لكن اللاعب الأكبر في ذلك كان تأسيس اللجنة الاستراتيجية العليا بين تركيا وقطر في ديسمبر/كانون الأول 2014، وعملت هذه الخطوة بالذات على تحقيق نقلة نوعية لهذه العلاقات، بل كانت ترجمة فعلية على أرض الواقع لمعنى التعاون الاستراتيجي بين بلدين حليفين.

وفي هذا السياق جاءت زيارة أردوغان الأخيرة إلى الدوحة لحضور القمة السابعة للجنة الاستراتيجية العليا والتوقيع على اتفاقيات متعددة، أوْصل مجموع الاتفاقيات بين البلدين إلى 80 اتفاقية على مدار 7 سنوات فقط، الشيء الذي يضفي على هذه العلاقات صفتي الاستثنائية والتميز.

من منظور تاريخي قريب، نجد أن المواقف البارزة التي جسدها البلدان عند الظروف الصعبة أو العصيبة بمعنى أدق، قد أوضحت بما يكفي مفهوم الاستراتيجية التي تحكم العلاقة بين أنقرة والدوحة، وهذا يبدو في أمثلة عدة، مثل موقف الدوحة حيال محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف يوليو/تموز 2016 في تركيا والتنديد بما جرى منذ اللحظات الأولى وإعلانها الواضح الوقوف إلى جانب الحكومة التركية والشعب التركي.

وفي المقابل لعبت تركيا دوراً بارزاً في التخفيف من حدة الحصار الرباعي الذي فُرض على قطر في يونيو/حزيران 2017، لا سيّما بتسريع المصادقة البرلمانية على إرسال قوات تركية إلى قطر، ومن ناحية أخرى الوقوف إلى جانب قطر من أجل تخفيف تبعات الحصار على كافة الأصعدة.

ومثل ذلك مبادرة قطر على وجه السرعة في الربع الأخيرة من 2018، وضخ استثمارات بقيمة 15 مليار دولار، بهدف التخفيف من حدة الآثار السلبية التي طرأت على الليرة في ذلك الوقت.

أما حين الحديث عن الشراكة التكاملية بين أنقرة والدوحة، فهي تعتبر نموذجًا قلّ مثيله على المستوى الإقليمي من حيث توحيد الرؤى ووجهات النظر في ملفات متعددة كما ذكرنا سواء على مستوى إقليمي أو دولي، مثل الصراع الدائر في ليبيا واليمن والملف السوري والقضية الفلسطينية والملف الأفغاني وقضايا اجتماعية كذلك مثل مكافحة الإسلاموفوبيا ومناصرة قضايا العالم الإسلامي على نطاق دولي.

وفي الواقع لا شك أن هذا المستوى المتميز في العلاقات أحدث نوعاً من الثقل الإقليمي الذي فرض نفسه بقوة أمام قوىً إقليمية أو لاعبين إقليميين، مما أفرز توازناً إلى حد كبير ربما أنقذ المنطقة في الآونة الأخيرة من سيناريوهات كانت في غنى عنها.

وبالبناء على ما سبق، يمكن النظر إلى زيارة الرئيس أردوغان الاثنين الماضي إلى قطر، أنها حلقة ضمن سلسلة متكاملة لعلاقة وطيدة لا تزال تنضج وتتقدم منذ نحو عشرين عاماً، دون أن تشهد أي انعطاف أو فتور على عكس جُلّ العلاقات التي تربط بين الدول في العادة، استجابة للمصالح أو الضغوط أو التغيرات.

الزيارة في سياق أعم

في الحقيقة لا تقتصر زيارة أردوغان إلى قطر، ولقاؤه الأمير تميم بن حمد والتوقيع على اتفاقيات متعددة، على المستوى الثنائي بين البلدين فحسب، بل تأتي متزامنة مع تطورات نوعية كانت مستحيلة ربما قبل عام على الأقل، ونتحدث هنا عن ما وصفناه بـ"ذوبان الجليد" الذي ظل طاغياً على العلاقات بين أنقرة وأبو ظبي، حينما زار ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد تركيا نهاية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي والتقى الرئيس التركي أردوغان، بعد سلسلة من الخطوات التي مهدت لهذا اللقاء، من كلا البلدين.

ونشير هنا إلى المرحلة الجديدة التي دخلت بها تركيا عقب تحقيق المصالحة الخليجية مطلع العام الجاري، مما فتح الباب أمام تقارب بطيء مع مصر وآخر متسارع مع الإمارات، وتقارب محتمل أيضاً مع السعودية في المرحلة المقبلة.

لقد كان لقطر دور في هذا التطور، لا سيما عقب تحقيق المصالحة الخليجية وكسر الحصار والجمود مع دول الرباعي (مصر والسعودية والإمارات والبحرين)، مما انعكس بدوره على بدء بوادر سواء من مصر أو الإمارات نحو تخفيف حدة التوتر مع تركيا، ومن ثم الدخول في حوار جاد أملاً في تحقيق مصالحة أو تطبيع في العلاقات، وهو ما تكلل بالنجاح مع الإمارات، ولا يزال مستمراً مع مصر.

وبالطبع هنا لا ننسى أن التغيرات الدولية كان لها أثر واضح في هذه التطورات كذلك، والمقصود بتلك التغيرات هو رحيل ترامب وبدء مرحلة جديدة مع قدوم جو بايدن إلى البيت الأبيض، وانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، الشيء الذي دفع بالمعسكر الآخر نحو التفكير بشكل واقعي من أجل إنهاء حالة الخلاف أو التصادم التي كانت موجودة، وتوسيع وتنويع العلاقات بعد أن كانت مرهونة بيد صانع القرار الأمريكي في عهد ترمب.

وفي المقابل، استقبلت تركيا هذا التحول بترحيب وتفاعل، وأبدت رغبتها في الحديث بشكل مباشر بما يضمن تحقيق علاقات متزنة سينعكس استقرارها بالتأكيد على المنطقة وشعوبها.

من ناحية أخرى، ربما تساءل البعض فيما لو كان تطور العلاقات مؤخراً بين أنقرة وأبو ظبي سيخلق نوعا من الضبابية على العلاقات بين تركيا وقطر، إلا أن زيارة أردوغان الأخيرة إلى قطر والتوقيع على هذا الكم الكبير من الاتفاقيات في شتى المجالات، أثبت أن طرح هذا التساؤل لم يكن منطقياً في الأساس.

حيث أن العلاقات بين أنقرة والدوحة كانت في مستوى رفيع حتى قبل أن تبدأ وجهات النظر بالاختلاف بين دول المنطقة عقب ثورات الربيع العربي 2011، وميّزتها الاستراتيجية التي وطدت العلاقات الثنائية بين كل من تركيا وقطر، ولا يمكن لهذه الاستراتيجية والشراكة أن تفتر بسبب عوامل أخرى، لا سيّما وأن قطر والإمارات دخلتا في تصالح وتطبيع في العلاقات قبل 11 شهراً على الأقل من زيارة ولي عهد أبو ظبي ابن زايد إلى تركيا ولقائه بأردوغان.

وما يمكن قوله في هذا الصدد، أن التطور الإيجابي الذي طرأ على العلاقات بين تركيا والإمارات، لا يتضارب مع العلاقات المتينة بين قطر وتركيا، بل يمكن القول أن التقارب مع الإمارات كان من ثمار صمود التحالف الذي جسّده كل من تركيا وقطر.

أخيراً، مما يجدر الإشارة إليه هو أن العلاقات بين تركيا وقطر لا تقتصر على كونها علاقات ثنائية فحسب، بل تمثل تياراً موحداً سياسياً وأمنياً و"فكرياً" إلى حد كبير، أثبت متانته في أوقات الشدة والرخاء على حد سواء، ولقد جاءت زيارة الرئيس أردوغان مؤخراً إلى الدوحة للتأكيد على ذلك، ومن المتوقع أن تواصل هذه العلاقات السير على المسار ذاته في المستقبل القريب.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي