الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس قبرص التركية أرسين تتار (Others)

لقد بدأ الاهتمام الواضح على المستوى الغربي واليوناني على وجه الخصوص بهذه الزيارة قبل أن تجري، مع العلم أنها ليست الأولى من نوعها بطبيعة الحال، إلا أن توقيت الزيارة إلى جانب ملامح أخرى أضفَيا أهمية بارزة لا يمكن تجاهلها.

من أبرز تلك الملامح ما صرّح به الرئيس التركي أردوغان في مايو/أيار الماضي، إذ قال: "سنتوجه إلى جمهورية قبرص التركية يوم 20 يوليو/تموز وسنعلن عن الرسائل اللازمة للعالم كله"، ومنذ ذلك الوقت يتطلع الغرب إلى معرفة ما الرسائل التي يتحدث عنها الرئيس أردوغان.

إلى جانب ذلك سيرافق أردوغان في زيارته إلى قبرص التركية وفد رفيع من المسؤولين الأتراك ومسؤولي حزب العدالة والتنمية، والأهم من ذلك هو مشاركة رئيس حزب الحركة القومية دولت باهجلي في هذه الزيارة، وهو أمر لا شك أنه يميّز الزيارة ويصبغها بطابع قومي جعل العديد من الصحف اليونانية تعتقد أن الزيارة ستركز على منطقة مرعش المتنازع عليها في قبرص التركية، والتي تم افتتاحها بعد أن كانت مغلقة لأكثر من 40 عاماً.

ولو رجعنا قليلاً إلى الوراء لرأينا كيف أثار افتتاح منطقة مرعش السياحية في أكتوبر/تشرين الأول العام الماضي 2020 غضب اليونانيين بشكل كبير، وهي منطقة تكتسب حساسية بالغة من كونها تقع على الخط الفاصل بين شطري جزيرة قبرص، وكانت مغلقة طيلة 46 عاماً بموجب اتفاقيات عُقدت مع الجانب القبرصي الرومي، عقب "عملية السلام" العسكرية التي نفّذَتها تركيا في الجزيرة عام 1974.

أما توقيت الزيارة فهو يأتي بعد أقل من 3 أشهُر على آخر جولة للمفاوضات القبرصية، التي احتضنتها مدينة جنيف بمشاركة مجموعة 5+1 أواخر أبريل/نيسان الماضي.

ومن المعلوم أن جولة المفاوضات تلك كانت مثل سابقاتها انتهت بلا توصُّل إلى حل من شأنه أن يوحد جزيرة قبرص بشطريها التركي والرومي، بل إنها لم تتوصل حتى إلى أرضية مشتركة يمكن أن تمهّد للمفاوضات بشكل رسمي، وهو ما اعترف به الأمين العامّ للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش.

كان الجانب التركي في تلك المفاوضات سواء على مستوى القبارصة الأتراك أو الوفد التركي الرسمي، واضحاً من حيث تأكيد وجوب "حل الدولتين"، بمعنى أن يكون في الجزيرة دولتان متساويتان في الحقوق والسيادة، على عكس ما تدعو إليه إدارة قبرص الرومية من إقامة دولة موحدة بنظام فيدرالي يضمن للمجتمعين التركي والرومي أن يكونا متساويين.

ومن هذا المنطلق بالتحديد من المرجح أن تكون زيارة أردوغان المرتقبة إلى قبرص التركية تكريساً لما أكدته أنقرة من ضرورة حل الدولتين، وأن قبرص التركية تستحق أن تكون دولة تتمتع بحقوق وسيادة كاملة على المستوى الدولي.

وبالطبع تبرز في هذا السياق ضرورة وجود اعتراف دولي إذاً بقبرص التركية، ومن المعلوم أن تركيا هي الدولة الوحيدة التي تعترف بجمهورية شمال قبرص التركية، وبالتالي ترى أنقرة أن الوقت قد حان الآن للانتقال إلى الخطوة الثانية والتي تكمن في صرف الجهود من أجل توفير الاعتراف الدولي بقبرص التركية.

وما يعضّد ذلك تصريحات عدة من الجانب التركي والقبرصي التركي، ركزت على ضرورة الاعتراف بجمهورية شمال قبرص التركية كضمان لحلّ دائم ومستقر، بل إن رئيس قبرص التركية أرسين تتار قد صرّح بأنه سيعمل مع أنقرة على حثّ أصدقاء تركيا على الاعتراف ببلاده.

وفي السياق ذاته تحدثت أيضاً تقارير إعلامية تركية وقبرصية عن احتمال إعلان 5 دول "صديقة لتركيا" على الأقلّ اعترافها بقبرص التركية، مثل أذربيجان وباكستان وليبيا وبنغلاديش وغامبيا.

وبغضّ النظر عن كون هذه التقارير واقعية أو متفائلة، فإن تحرُّكاً باكستانيّاً دعّم في الحقيقة هذه الأطروحة، إذ قام وفد من السفارة الباكستانية بأنقرة بإجراء زيارة رسمية لقبرص التركية، استغرقت 3 أيام، وشملت لقاءات بين الجانبين، والأهمّ من ذلك هو ما نشرته السفارة الباكستانية في أنقرة على حسابها بتويتر حول الزيارة، إذ استخدمت مصطلح "جمهورية شمال قبرص التركية"، وهو تطوُّر جدُّ هامٍّ لا سيما في هذه المرحلة.

وفي الواقع لا يقف الأمر عند الدول الصديقة لتركيا فحسب، بل نقلت صحف بريطانية على رأسها "ذا صندي إكسبريس"، عن مصادر مقربة من حكومة رئيس الوزراء بوريس جونسون، أنهم يفكرون بجدية في مسألة الاعتراف بجمهورية شمال قبرص التركية، وأنهم يعلقون ذلك على نجاح أو فشل مفاوضات جنيف الأخيرة، والتي من المعلوم أنها قد فشلت.

إذاً من الواضح أن زيارة الرئيس أردوغان المرتقبة إلى قبرص التركية ستحمل رسائل هامة تتعلق بتأكيد ضرورة إقرار حل الدولتين من ناحية، وبدء حملة مكثفة تقودها أنقرة نحو توفير الاعتراف الدولي بجمهورية قبرص التركية.

لكن هل تقف أهمية الزيارة عند هذا الحد؟

بالطبع لا، بل إن المخاوف اليونانية من استمرار فتح منطقة مرعش الساحلية التي تصفها بأنها منطقة متنازَع عليه، لا تزال قائمة، ولقد ذكرنا أن وسائل إعلام يونانية عدة عبّرت عن مخاوف اليونان وقبرص الرومية على حد سواء، من اتخاذ خطوات تركية أوسع في ما يتعلق بهذه المنطقة.

ولعلّ ما تقصده الصحف اليونانية بـ"خطوات أوسع" نابع بشكل مباشر من أن الرئيس أردوغان سيزور منطقة مرعش على وجه التحديد برفقة دولت باهجلي رئيس الحركة القومية، ومن المتوقع أن يعلن هناك عن مشروع سياحي في هذه المنطقة الفريدة من شأنه ضمان تحقيق مكاسب كبيرة لقبرص التركية.

لقد انعكس الاهتمام اليوناني والقبرصي الرومي بهذه الخطوة منذ الآن، إذ نظّمت جهات رسمية وغير رسمية في قبرص الرومية دعوات لبدء مظاهرة تبدأ ليلة العشرين من يوليو/تموز قُبيل وصول الرئيس أردوغان إلى قبرص التركية، على أن تُنظَّم المظاهرة في معبر ديرينيا بين شطري الجزيرة قرب منطقة مرعش، احتجاجاً على زيارة أردوغان لها.

ومن هنا ندرك أهمية هذه المنطقة وحضورها بشكل مباشر في الأزمة القبرصية، ولن يكون من المستبعَد إذا اعتبرنا زيارة أردوغان لمنطقة مرعش المذكورة هو بحد ذاته جزءاً من الرسائل المهمة، بل ستكون زيارته جزءاً من تأكيده ضرورة حل الدولتين، إذ إن افتتاح هذه المنطقة التي كانت مغلقة طيلة 46 عاماً هو أول علامة صريحة على أن قبرص التركية تسير نحو مزيد من الاستقلالية وتحقيق الزيادة.

أمر أخير هو من الأهمية بمكان أيضاً، يتعلق بالتنقيب عن الثروات الطبيعية في مياه شرق المتوسط.

لطالما أكدت أنقرة حقوق قبرص التركية في مياه شرق المتوسط وأن لها حصة لا يمكن تجاهلها، وأن من حقها القيام بالتنقيب عن ثرواتها الطبيعية داخل شرق المتوسط، وفي الواقع هناك تقديرات عدة "غربية" تتخوف من إعلان أردوغان العودة للتنقيب في مياه شرق المتوسط من جديد، قبالة سواحل قبرص التركية، التي يُعتقد أنها منطقة غنية بالغاز الطبيعي على وجه التحديد.

إلا أن رسائل أردوغان الأهمّ خلال زيارته المرتقبة لقبرص التركية في الحقيقة، تبقى ضمن دائرة تأكيد حل الدولتين وسيادة قبرص التركية، وتأكيد افتتاح منطقة مرعش الساحلية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي