أعلنت إثيوبيا عزمها إنشاء سدّ النهضة في فبراير/شباط عام 2011م، وحددت موقعه في إقليم قمز-بني شنقول على بعد 20 كيلومتراً من الحدود مع السودان.

بلغت تكلفة السد خمسة مليارات دولار، وسعته التخزينية 74 مليار متر مكعب، مقارنةً بـ162 ملياراً للسد العالي، و12 ملياراً لسد مروي السوداني. ومساحة بحيرته تبلغ 1800 كيلومتراً مربعاً بطول 246 كيلومتراً وارتفاع 145 متراً.

وقد صُمم المشروع لإنتاج 6000 ميغاوات من الكهرباء. بذلك يكون السد الثامن عالمياً من حيث سعة البحيرة، والعاشر من حيث توليد الطاقة. ويبدو أن الوعي السياسي ظلّ مدركاً لواقع الجغرافيا في إثيوبيا، إذ إن معظم مساحتها يتكون من مرتفعات شاهقة، الأمر الذي جعلها تبدو في شكلٍ مخروطي تقلّ فيه الأراضي الزراعية مقارنةً مع النمو السكاني. لقد دفع هذا الواقع الحكومات الإثيوبية نحو انتهاج أحد خيارين: أولاً التوسع في امتلاك المناطق الغنية بالمعادن وتلك التي تصلح لبناء السدود، وثانيا التمدد في السهول الخصيبة في دول الجوار.

يمثل السعي نحو بناء سد النهضة تجسيداً حياً للخيار الأول أظهره الإصرار على انتهاج المقايضة التاريخية في الحدود مع السودان، إذ تنازلت إثيوبيا في عام 1902م عن حقها في أراضٍ واسعة مقابل الحصول على أجزاء من إقليم بني شنقول لاعتقادها بوجود احتياطيات كبيرة من الذهب فيه. وفي ما بعد تركز النظر إلى أن تضاريس الإقليم تصلح لبناء السدود.

أما الخيار الثاني، وهو التمدد في السهول الخصبة، فيمثله وضع اليد على سهل الفشقة السوداني الذي تبلغ مساحته 5700 كيلومتر مربع.

جاء تفكير إثيوبيا في تشييد سد النهضة تالياً لإنهاء بناء ثلاثة سدود صغيرة على مجرى النيل الأزرق في 2010م: تكزي وكيلكل وبلس، لإنتاج 1155 ميغاوات بتكلفة 1.4 مليار دولاراً، لبيع الطاقة لجيرانها.

لماذا التصعيد حيال سد النهضة؟

لم يُثِر بناء السدود الثلاثة الضجة التي أحدثها سدّ النهضة، على الرغم من أن غرضها جميعاً هو توليد الطاقة، لصغر حجمها وقلة المياه التي ستحجزها. أما في حالة سد النهضة فإن الأمر يختلف، إذ ستؤثّر كمية المياه التي ستُحجز في بحيرته في إيرادات النيل الأزرق، بخاصة في مرحلة الملء.

ولمعرفة مدى التأثير الذي ستخلفه هذه العملية، لا بد من عرض ما تنصّ عليه اتفاقية مياه النيل الموقَّعة بين السودان ومصر في 1959م، والتي رغم عدم اعتداد إثيوبيا بها فإنها تشكّل المرجعية الحاكمة في العلاقات المائية بين البلدين.

وتنصّ الاتفاقية على أن حصة مصر من مياه النيل تبلغ 55.5 مليار متر مكعب، فيما تبلغ حصة السودان 18.5 مليار، يأتي معظمها من النيل الأزرق (59%) الذي ينبع من بحيرة تانا في إثيوبيا. ومنذ توقيع هذه الاتفاقية لم يستغل السودان نصيبه كاملاً لعدم وجود مواعين كافية لتخزين المياه لتُستغلّ في فترة الجفاف. عوضاً عن ذلك ظلّ الفائض يذهب لمصر بمسمى "سُلفة مائية".

رغما عدم اعتراف إثيوبيا بالاتفاقية، إلى جانب رفضها السابق إخطار دولتَي الممر والمصب وأخذ موافقتهما على الشروع في تشييد سد النهضة، بدعوى أنهما لم تُخطِراها ببناء أي من سدودهما، فإن الحقيقة هي أن المياه سيتم حجزها، ومن ثَم تُطلَق، لأنها ستُغرِق البلاد التي لا تتوافر فيها أراضٍ زراعية يُعتقد أن قسطاً من مياه السد سترويها في حال وُجدت.

إذاً ليس في كميات المياه المنسابة تغيير يُذكر، فيما عدا فترة الملء الأولى التي يمكن الاتفاق على تفاصيلها بصورة تقلّل مخاطر نقصها.

كما يمكن التوافق على تنفيذ الجانب الإثيوبي كل معايير الأمان لضمان عدم حدوث كارثة. لكن المتغير الذي سيظل حاضراً على المدى الطويل هو أن إنشاء السد سيؤدي إلى تنظيم جريان المياه في المناطق التي تقع أمامه. هذا يعني أن مخاطر الفيضان ستقلّ بشكل كبير.

كما سيؤدي ذلك إلى انتظام الدورة الزراعية والتوسع في المساحات والتنويع في المحاصيل في الأحباس الدنيا، بخاصة في السودان الذي سيشرع في استغلال حصته كاملة لتتوقف بذلك السُّلفة المائية التي ظلت تذهب لمصر دون مقابل.

الجهود الدبلوماسية للتوافق

حيال هذا الوضع أصبح التصعيد الإعلامي والسياسي هو الطاغي، بخاصة في إثيوبيا التي تزعم أنها لم تفعل شيئاً سوى استثمار مواردها الطبيعية، فيما ترى مصر أن قيام السد سيحرمها من حقوقها التاريخية في مياه النيل. فضلاً عن ذلك اختلفت مواقف الدول الثلاث حول التقرير الاستهلالي الذي أعدّه الاستشاري، إذ قبلته مصر، فيما تَحفَّظ عليه السودان وإثيوبيا.

تجاوُزاً لهذا المأزق أقرّ قادة الدول الثلاث في الخرطوم في 23 مارس/آذار 2015م إعلان مبادئ بشأن المشروع يحض على عدم إضرار أي طرف بالطرفين الآخَرَين.

لاحقاً قرّر هؤلاء القادة تكوين آلية من وزراء الخارجية والموارد المائية ومديري أجهزة المخابرات، وكفلوا لها حق الاستعانة بالخبراء في سبيل استئناف التفاوض حول التقرير الاستهلالي. عقدت هذه الآلية العديد من الاجتماعات دون التوصل إلى توافق، إذ تمسكت إثيوبيا بما ترى أنه حق لها في الشروع في الملء، فيما رأى السودان ومصر ضرورة الاتفاق على قواعد الملء والتشغيل.

عقب ذلك طلب الرئيس الأمريكي ترامب من الأطراف في نوفمبر/تشرين الثاني 2019م أن تدخل بلاده والبنك الدولي على خط الوساطة، ولكن الأمر هنا انتهى إلى إعداد وزارة الخزانة الأمريكية مسودة اتفاق حول قواعد الملء والتشغيل في فبراير/شباط 2020م وقعت عليه مصر بالأحرف الأولى فيما رفضته إثيوبيا، مما حدا بترامب إلى تعليق جزء من مساعدات بلاده المالية لأديس أبابا والتصريح بأن مصر يمكن أن تفجِّر السد.

كما سعت مصر إلى أن تدخل الجامعة العربية في القضية، لكن الرفض الإثيوبي والتحفظ السوداني حالَا دون ذلك.

وبينما حالة من الشد والجذب تراوح مكانها، إذا برئيس الوزراء الإثيوبي يعلن في يوليو/تموز المنصرم الانتهاء من المرحلة الأولى للملء دون أن يسبّب ذلك أذى (إشارة إلى أن الملء تم من مياه الأمطار) وشروعها اعتباراً من أغسطس/آب 2020م في المرحلة الثانية.

وفي أكتوبر 2020م أعرب رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي عن الرغبة في المساعدة على حل الخلافات، إذ وافق السودان وإثيوبيا فيما تحفظت مصر في البداية، معلنة أنها مع الاستمرار في مسار واشنطن.

لكنها عادت لتنخرط في محادثات الاتحاد الإفريقي برئاسة جنوب إفريقيا. غير أن التفاوض لا تزال تعتريه عقبات بسبب الخلافات حول دور خبراء الاتحاد الإفريقي. ظهر ذلك في الاجتماع السداسي الافتراضي لوزراء الخارجية والموارد المائية الذي انعقد في العاشر من الشهر الجاري، إذ اقترح السودان تفويض الخبراء لوضع مقترحات للحلول، فيما تحفظت مصر وإثيوبيا.

المآلات المتوقعة

إزاء التعقيدات التي تعيشها إثيوبيا والمتمثلة في التصعيد المنذر بحرب أهلية قد يطول أمدها بين الحكومة المركزية التي يسيطر عليها الأورومو والأمهرا من جهة، والتيغراي من الجهة المقابلة، رغم حسم الجولة الأولى عسكرياً لصالح الحكومة المركزية الإثيوبية في مواجهة التيغراي، بخاصة أن البلاد تقوم على أساس فيدرالي ويسودها شرخ كبير في جبهتها الداخلية فيشتّت الإرادة الشعبية حول سد النهضة، بل قد يقود إلى تشظّي البلاد.

بالنسبة إلى السودان فإن المصاعب والضبابية التي تسود مشهد الانتقال ستكون لها انعكاساتها السلبية على موقفه التفاوضي، كما أن التصعيد الماثل بين الخرطوم وأديس أبابا في أعقاب استعادة الجيش السوداني مساحات واسعة من مثلث الفشقة يُحتمل أن يؤدي إلى نسف ما كان قائماً من توافق بينهما في كثير من تفاصيل المشروع.

فضلاً عن ذلك، قد تدفع تدخلات بعض الأطراف الإقليمية الفاعلة إلى تليين الموقف الإثيوبي المتشدّد وتحييد الموقف السوداني الأقلّ تشدداً.

نشير كذلك إلى أن انتقال الرئاسة في الولايات المتحدة خلال يناير/كانون الثاني الجاري إلى الرئيس المنتخب بايدن كان يمكن أن يكون مرجّحاً للكفة الإثيوبية، إذ ستغيب الضغوط التى شرع ترمب في تطبيقها تجاه إثيوبيا.

إلا أن انشغال الإدارة الأمريكية الجديدة بأمور أكثر أهميةً قد يكون مشجعاً لأن تكثّف تلك الأطراف الإقليمية ضغوطها تجاه إثيوبيا والسودان، الأمر الذي ربما قاد إلى توقف أو تعثر المشروع. أما النظرة الاستراتيجية إلى أهمية السد الاقتصادية والاجتماعية استناداً إلى مبدأ عدم الإضرار فلن تتغير كثيراً.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي