تصاعدَ التوتر الدبلوماسي بين تركيا وإيران على إثر تصريحات السفير الإيراني في العراق إيرج مسجدي حول دور تركيا في محاربة التنظيمات الإرهابية في سنجار شمالي العراق، الأمر الذي اعتُبر على نطاق واسع تجاوزاً للأعراف الدبلوماسية.

في الوقت الذي كان فيه وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين يزور طهران، ليبحث مع الجانب الإيراني وقف تصعيد ما يُسمَّى "فصائل المقاومة"، وتهديداتها للبعثات الدبلوماسية في العراق، التي كان آخرها استهداف مطار أربيل والقاعدة الأمريكية قربها، والسفارة الأمريكية داخل المنطقة الخضراء في بغداد، صرّح السفير الإيراني في بغداد إيرج مسجدي بأن على تركيا احترام سيادة العراق، في مفارقة تدعو إلى السخرية.

قبل تحليل تصريحات السفير الإيراني والتي تخالف الأعراف الدبلوماسية ولا تحترم البلد الذي يستضيفه، والتصعيد الدبلوماسي بين تركيا وإيران، يجب الوقوف على التطورات الجيوستراتيجية لتوضيح أبعاد هذا التوتر:

شكلت العمليات العسكرية التركية (مخلب النسر الأولى والثانية، في يونيو/حزيران 2020، وآخرها مخلب النسر 3، في يناير/كانون الثاني 2021، ضد قواعد PKK المنتشرة على طول الحدود التركية-العراقية) تقدُّماً عسكرياً كبيراً في مكافحة تنظيم PKK الإرهابي شمال العراق، ومع توجه الأنظار نحو مدينة سنجار، شمال غرب، التي يتمركز فيها عناصر PKK الى جوار مليشيات مسلحة أخرى تحت راية قوات الحشد الشعبي، بدأ الأمر يزعج أيران ونفوذها في المنطقة.

على الجانب السياسي، شهدت العلاقات التركية-العراقية تطوراً متسارعاً بعد زيارة الكاظمي أنقرة في ديسمبر/كانون الأول 2020 وتوقيع عديد من اتفاقيات التعاون، وما تمّ بعدها من زيارات متبادلة، من وزير الدفاع العراقي جمعة عناد لإيران، ومن وزير الدفاع التركي خلوصي أقار للعراق في 18 يناير/كانون الثاني 2021، ولقائه عديداً من القيادات السياسية والعسكرية في بغداد وأربيل.

هذا الحراك الدبلوماسي جاء من أجل التنسيق الاستخباراتي والعسكري المشترك، والدعم التركي للجهود العراقية التي تسعى لتنفيذ "اتفاق سنجار" الذي تم في أكتوبر/تشرين الأول 2020 بين حكومة بغداد وأربيل، والذي نصّ على إخراج عناصر PKK الإرهابي من سنجار، لكن الأطراف السياسية العراقية الموالية لإيران استطاعت إفشال هذا الاتفاق.

بل أكثر من ذلك، فقد قام "الحشد الشعبي" الذي تسيطر عليه وتقوده فصائل مقربة من إيران، بإرسال تعزيزات إلى سنجار ونشر ما يقارب نحو 10,000 فرد حسب بعض التقارير، وأصدر بعض الفصائل بيانات بأنها سوف تتصدى لأي عمل عسكري تركي يستهدف سنجار.

يوفّر تنظيم PKK الإرهابي من خلال مدينة سنجار، حماية للممر الثانوي لتدفُّق النفوذ الإيراني نحو سوريا. بدورها تؤثر إيران في القرار العراقي بمنع فتح منفذ أوفاكوي الحدودي، خصوصاً مع انتهاء التنسيقات الأخيرة بشأن ربط سكك الحديد بين تركيا والعراق.

لذا يتضح إن ملفّ مكافحة PKK في العراق سياسي لا عسكري، وتحاول إيران من خلال نفوذها توظيف هذا التنظيم الإرهابي ضد مصالح تركيا، التي ترى فيها تنافساً وتهديداً لنفوذها ومصالحها، خصوصاً مع الإيعاز الإيراني بتفعيل مشروع لربط ميناء الخميني بميناء اللاذقية السوري عبر شبكة سكك حديد تمر عبر الأراضي العراقية بدءاً من البصرة-الشلامجة (الإيرانية)، مروراً بخط بغداد-القائم، الذي بدأت الحكومة العراقية بإعادة صيانته قبل يومين.

التصعيد الإيراني الأخير يرتبط مع تزايد الهجمات الصاروخية على البعثات الدبلوماسية، التي ترافقت مع إعلان حلف شمال الأطلسي "ناتو" زيادة عدد قواته في العراق إلى 4000 جندي، وتُعتبر تركيا ثاني أكبر عضو عسكري في هذا التحالف، وقد أرسلت 25 مستشاراً بينهم عميد، لدعم المؤسسات الأمنية والعسكرية والاستخبارية في الحكومة الاتحادية، وكذلك في إقليم كردستان، من خلال التدريب والاستشارة للقوات العراقية ضمن إطار مهمة الناتو في البلاد.

وفيما تقدّم تركيا خدمة كبيرة للعراق بالقتال نيابة عن قواته في إزاحة تنظيم PKK الإرهابي عن أراضيه، يتصاعد خطاب بعض القوى السياسية، منتقداً العمليات العسكرية التركية شمال العراق.

يجب أن يستغل العراق الخبرات العسكرية التركية، في مساعدة القوات المسلحة العراقية على تطوير إمكانياتها العسكرية والتدريبية في مواجهة PKK. وقد بيّنَت العمليات العسكرية الأخيرة ضد التنظيمات الإرهابية في ليبيا، وقره باغ في أذربيجان، مدى فاعلية سلاح الجوّ التركي، وبالأخص الطائرات المسيَّرة المتطورة.

ومؤخراً أشار وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، إلى أن 525 إرهابياً من مسلحي PKK متمركزون في قواعد داخل إيران.

هذه الدلالات جعلت تصريحات سفير إيران في بغداد، امتداداً للقلق الإيراني من التفوق العسكري والدور الدبلوماسي لتركيا في المنطقة.

وأخيراً، يُظهِر إيرج مسجدي تناقضاً واضحاً من خلال تصريحاته المستفزة للعراقيين، فهو يقول إن "سنجار شأن عراقي داخلي"، لكنه يكمل حديثه المتعالي الذي يظن فيه أنه وصيّ أو مندوب سامٍ على العراق، قائلاً إن "إيران لا تقبل بأن تتدخل تركيا أو أي دولة أخرى في العراق عسكرياً، أو أن تتقدّم وتحظى بوجود عسكري في العراق"! مما أثار ردود فعل عراقية واسعة تتهكّم على التدخل الإيراني في العراق ونفوذها غير المرغوب فيه.

من جانبه، ردّ السفير التركي في العراق فاتح يلدز على مسجدي قائلاً: "إنك آخر شخص يمكن أن يلقّن أنقرة درساً في احترام حدود العراق".

المفارقة الحقيقية في هذا الموضوع، أن كل من يريد أن يتدخل في الشأن العراقي، يستغل تقدُّم التعاون التركي-العراقي في مكافحة الإرهاب، وحماية السيادة العراقية. الكل يستخدم العراق منصة لمهاجمة تركيا مستغلاً هشاشة الوضع السياسي الداخلي.

فخلال زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون للعراق، على سبيل المثال، في سبتمبر/أيلول 2020، أطلق ماكرون نداءً لدعم "مسيرة السيادة"، وقال ماكرون: "العراق يواجه تحدي التدخل الأجنبي"، وطالب بوقف العمليات التركية ضد PKK وسحب القوات التركية من شمال العراق.

كذلك كان السفراء الأمريكان يطالبون تركيا بوقف مكافحة التنظيمات الإرهابية، بالمقابل الطائرات الأمريكية تحلّق بحرّية لقصف مواقع في العراق، ولها قواعد عسكرية كبيرة أيضاً، بالإضافة إلى بعض الدول العربية التي لديها خلافات مع تركيا، والتي تقوم بالإدلاء بتصريحات مندّدة بالوجود التركي في العراق، ولكنهم يتغافلون عن الدورين الإيراني والأمريكي.

السياسة التركية في العراق ترتكز على مبادئ احترام السيادة وتعزيز التعاون المشترك بين البلدين، وقد تعززت هذه السياسة مع السيد فاتح يلدز، الذي مارس دوره الدبلوماسي في العراق باحترافية عالية ومقبولية شعبية واسعة في داخل المجتمع العراقي. وأظهر بذلك مثالاً للدبلوماسية القائمة على مد جسور العلاقة والتآخي بين الشعبين التركي والعراقي.

إن المؤشرات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية الإيجابية للعلاقات التركية-العراقية، شكلت عامل إزعاج لإيران ونفوذها من الأحزاب والمليشيات، التي أصبحت غير مرغوب بها داخل المجتمع العراقي، ودليل ذلك تصاعد الاحتجاجات في محافظة ذي قار جنوبيّ العراق.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عنTRTعربي.

TRT عربي
الأكثر تداولاً