انطلقت في العاصمة الإيرانية طهران صباح الاثنين الماضي مراسم تشييع جثماني قائد فيلق القدس قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي فی العراق أبو مهدي المهندس، اللذين قُتلا في قصف أمريكي ببغداد. وقد جرى تشييع الجنازة بمشاركة حشود غفيرة.

أظهر مقتل قاسم سليماني حالة استقطاب حادّة في المجتمع الإيراني، ففي حين رثاه ملايين الإيرانيين، شهدت مواقع التواصل الاجتماعي حجما كبيراً من الفرح والابتهاج بمقتله. لكن في ذات الوقت بيّن نجاح النظام الإيراني في استغلال الحادثة لاستعراض عضلاته أمام القوى الدولية والإقليمية فضلاً عن معارضيه من الإيرانيين. وكان حجم المشاركة في مراسم التشييع مثيراً للدهشة.

الحقيقة أن المشاركين في نعي سليماني وتشييعه لم يكونوا جميعاً من مؤيدي النظام، بل يمكن تقسيمهم إلى شرائح متعددة: فمنهم مؤيدو النظام وسياسته الإقليمية، ومنهم مؤيدون للنظام ومعارضون لسياسته الإقليمية، ومنهم منتقدون للنظام ومؤيدون لسياسته الإقليمية، ومنهم معارضون للنظام ومؤيدون لسياسته الإقليمية، ومنهم معارضون للنظام وسياسته الإقليمية ومؤيدون لسليماني.

كما أن منهم منتقدين سابقين لسليماني وغاضبين من أمريكا لإقدامها على قتله، حتى إن بينهم مشاركين في الاحتجاجات السابقة التي كان من شعاراتها "لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران"، وهذا ما يدعونا للقول إن الشخصية الإيرانية تحمل التناقض في جوهرها.

وإذ لم يكُن مستغرَباً نعي القتيل من أقطاب النظام كزعيم الإصلاحيين محمد خاتمي الذي اعتبر "شهادة" سليماني خسارة لا تعوض للإسلام وإيران، فقد كان لافتاً أن نعاه مَن تَعرَّضوا -وما زالوا- لظلم النظام كمهدي كروبي الذي يقبع تحت الإقامة الجبرية منذ نحو عشر سنوات.

ومما أثار الاستغراب أكثر مشاركة معارضين للنظام ومنتقدين له في الصفوف الأولى في الجنازة ممن كانوا لا يتوانون عن توجيه انتقادات لاذعة للنظام ويجري اعتقالهم بين فينة وأخرى بسبب تلك الانتقادات. وتؤكّد مشاركة هؤلاء أن النظام نجح في صناعة شخصيات "معارضة" صورية لإفشال المعارضة الحقيقية. بل ونجح في تصدير عدد من هؤلاء إلى أمريكا وأوروبا حيث يعملون في مراكز دراسات وأبحاث، ويشكّلون جماعات ضغط ويدافعون عن النظام عندما يضيق عليه الخناق.

وكذلك انضمّ كثير من المثقفين والنخب إلى هذه الجوقة، كمحمود دولت آبادي، وهو واحد من أكبر الكتاب المعاصرين الذين رفضت السلطات منح بعض كتبه تراخيص نشر، وجرى استدعاؤه للمحاكم عدة مرات.

كما عبّر أردشير زاهدي، وزير خارجية الشاه وصهره، عن حزنه بقوله: "كان قاسم سليماني جنديّاً شریفاً عاشقاً للوطن یتمتع بشخصیة عظيمة حسب المعايير الدولية".

في المقابل رأى المعارضون أنه لا قيمة للاستعراض الذي قدّمَته السلطات في تشييع جثمانه في ظل فقدان الحريات والمجتمع المدني. ونفوا مشاركة الملايين طوعيّاً في مراسم التشييع، وعزوا ذلك إلى إثارة النظام المشاعر المذهبية للمواطنين، وكذلك للإغراء والوعيد.

وقد أكّدوا أن الجوّ العامّ لم يسمح بظهور الأصوات المعترضة، إذ استدعت السلطات القضائية مدير موقع خبر أونلاين الإلكتروني لأنه استخدم مصطلح "مقتل" بدلاً من "شهادة" في خبر هو ترجمة في الأصل، ما اعتُبر إساءة إلى سليماني.

كما جرى اعتقال أربعة أشخاص في أصفهان بتهمة الإساءة إليه، وذكروا بأن هيتلر وغيره من المجرمين كان بإمكانهم حشد الملايين في الشوارع. بل ذهب بعضهم إلى القول بأن المتعاطفين مع سليماني مصابون بمتلازمة ستوكهولم، حيث يشعر المختطَف بالتعاطف والحب تجاه مختطفه، حتى إن إحساس التعاطف قد يدفعه إلى الدفاع عمّن يهدد روحه وماله وحرّيته.

لمَ تعاطف الإيرانيون مع سليماني؟

لا شك أن لدى النظام الإيراني والأنظمة المشابهة الوسائل الكافية لحشد المواطنين في الأنشطة والفاعليات التي ينفّذونها، ولا ريب في أن كثيراً من المشاركين في مراسم التشييع هم من العاملين في الدولة والمرتبطين بالنظام. وجرى استقدام كثير منهم بالحافلات العامة، كما أن بعضهم خرج بتأثير من الدعاية الضخمة التي عمل عليها إعلام النظام.

وقد يكون الخوف من شبح الحرب التي خيمت على البلاد أحد أسباب التعبير عن التعاطف مع سليماني، كما أن الشعور باستهداف كيان الدولة كان حافزاً على تنحية الخلافات مع النظام بالنسبة إلى كثيرين ووقوفهم ضد من يعتبرونه "آخَر" يستهدف وجود إيران. لكن ما جعل شريحة عريضة من الإيرانيين تتعاطف مع سليماني هو "القومية المفرطة" كما يقول عرفان ثابتي الباحث في علم الاجتماع، التي ربما أمكن تسميتها بالشوفينية.

قاد النظام في السنوات الأخيرة حملة لإثارة المشاعر القومية لإعادة تجميع الناس حوله بعد أن تآكلت شعبيته وفقدت شعاراته الدينية والمذهبية بريقها في أعين أكثرية الإيرانيين، واستخدمها كأداة لترميم العلاقة المتوترة بينه وبين شعبه.

وفي هذا الإطار حاول إيجاد رابط بين أبطال إيران ورموزها عبر التاريخ. وقدّم سليماني على أنه واحد من هؤلاء. وسعى لتصويره للرأي العامّ كبطل قومي قَدِم من أسرة فقيرة في قرية نائية ليحارب أعظم قوة في العالَم. وصنع منه رمزاً وأسطورة للجيل الجديد من أنصاره من قوات التعبئة والحرس بعد أن خَفَتَ نجم رموز الحرب العراقية الإيرانية.

نجح النظام في تسويق حملته، ليس بين العامة فحسب، بل بين كثير من النخب والمثقفين -بمن فيهم أولئك المقيمون خارج البلاد- فصدّقوا هذه الدعاية ولم يجهدوا أنفسهم لتمحيصها وبيان حقيقتها. يبرر بعض هذه النخب المعارضة للنظام والمنتقدة له مشاركتها في نعي سليماني وإعجابها به بعدة عوامل، منها أنه أفنى عمره في الدفاع عن حدود بلاده، ووفر الأمن لثمانين مليوناً من الإيرانيين، وكونه رمزاً للمقاومة والقضاء على داعش وإبعاد خطره عن حدود إيران.

كما أنه لا علاقة له بالسياسة الداخلية والقمع الذي تمارسه السلطات، ويتمتع بالنزاهة المالية -رغم عديد من التقارير التي تشير إلى تورُّطه في بعض ملفات الفساد- وقُتل بيد أجنبي مع الإقرار ضمنيّاً بأنه قد يكون مجرماً، وأعاد أمجاد الإمبراطورية الإيرانية وأوصل حدودها إلى البحر المتوسط.

لا يهمّ هذه النخب -فضلاً عن عموم الإيرانيين- إن تسبب سليماني في مقتل مئات آلاف السوريين، بل لا يعنيهم البحث عن حقيقة ذلك. المهمّ بالنسبة إليهم هو بقاء إيران والحفاظ على حدودها ولو على حساب تدمير بلدان أخرى. يمدح هؤلاء تمكُّنه من القضاء على المعارضة في سوريا، وإبقاء بشار الأسد في السلطة دون إشارة إلى ما حلّ في هذا البلد البائس من قتل لمئات الآلاف وتهجير للملايين وتدمير للبلاد. ويتجاهلون أنه حين دخل سليماني سوريا وبدأ ارتكاب المجازر فيها لم يكُن داعش والنصرة قد ظهرا بعد.

يبالغ هؤلاء في دور سليماني في القضاء على داعش في العراق، ويتجاهلون أنه ما كان بإمكانه هو ومليشياته هزيمة داعش لولا قوات التحالف الدولي بقيادة أمريكا التي وفّرَت غطاءً جوِّيّاً لا يمكن للقوات البرية التقدُّم دونه، ناهيك بأن وقوف سليماني ضدّ داعش لا ينبغي أن يُنسِينا أن السياسات التي انتهجها هو ونظامه كانت من الأسباب الرئيسية في ظهور داعش في العراق عام 2014 حين كانت إيران الآمر الناهي فيها وحين لم تكُن أمريكا في العراق.

لقد نجح النظام الإيراني وعلى الرغم من زيادة الضغوط عليه في محيطه الإقليمي وعزلته الدولية والفجوة بينه وبين شعبه في الآونة الأخيرة، في تغذية المشاعر القومية، وقد استثمر إلى حد كبير مقتل سليماني في هذا السياق. ولا شك أنه سيواصل استغلال الحادثة لجني أكبر قدر من الفوائد، إلى أن يدرك الإيرانيون أن هذه الشعارات لن تحسّن واقعهم البائس في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عنTRTعربي.

المصدر: TRT عربي