آلاف اللبنانيين يتجمهرون بالقرب من مرفأ بيروت في ذكرى مرور سنة على الانفجار (Kameel Rayes/AFP)

بعد دقائق من الدويّ الذي سُمع في أرجاء البلد الصغير برمته تقريباً، والسحابة الداكنة التي ارتفعت من مرفأ العاصمة بيروت، بدأت تتوالى صور الكارثة. جثث في الطرق ومصابون يمشون على غير هدى في شوارع امتلأت بالركام والزجاج الذي بدا كأنه انهمر من السماء ليغطي كل شيء.

لاحقاً تتالت الأرقام. أكثر من مئتي قتيل، و 6500 جريح، وعشرات الآلاف ممن لم تعد بيوتهم صالحة للسكن. باختصار، مدينة خرجت لتوها من حرب عالمية، يكتشف أبناؤها، بعد فوات الأوان، أنهم كانوا ينامون فوق قنبلة وزنها 2700 طن من نيترات الأمونيوم.

كيف بقيت هذه الموادّ طوال أعوام مخزنة في المرفأ؟ كيف وقع الانفجار؟ من يتحمل مسؤوليته؟ عرف اللبنانيون في حينها أنهم لن يجدوا إجابات عن أسئلتهم، وأن البلد الذي كانت حاله تتدهور قبل هذا الانفجار، سيحثّ الخطى في اتجاه هاوية أخرى، هو الذي يمضي منذ عقود على هذا النحو، يسقط من هاوية ليقع في حضن هاوية أخرى.

واللبنانيون اعتادوا اليأس التامّ من بلدهم. النزاع الأبدي بين القوى الطائفية أوصلهم بعد 31 سنة على نهاية الحرب الأهلية إلى بلد يعيش انهياراً تامّاً. عملته الوطنية فُقدت. عائلات تستيقظ وقد أصبحت، نظرياً تحت خط الفقر، لأن دخلها بالليرة اللبنانية هبط بشكل مريع. مصارف وضعت يدها على مدخرات اللبنانيين بالعملة الصعبة وراحت تقطّر لهم أموالهم تقطيراً.

الكهرباء التي لطالما كانت معضلة شائكة، غابت بشكل شبه تام، ولم تعد مولدات التجار في الأحياء التي تبيع الكهرباء للبيوت لقاء بدل شهري، قادرة على سد العجز، بخاصة أن أسعار المحروقات المستوردة راحت ترتفع بدورها، مما اضطر هؤلاء التجار إلى رفع قيمة الاشتراك الشهري. ومن ثم راحت سلع أساسية، كحليب الأطفال، تُفتقد من السوق، مثلها مثل الدواء، وبات الناس يتقاتلون على غالونات زيت القلي المدعومة في المتاجر، وينتظرون لساعات لملء سياراتهم بالوقود، بينما ترتفع أسعار السلع بشكل جنوني، وتفقد الليرة اللبنانية، ومعها الرواتب، أكثر من 1500 بالمئة من قيمتها، مع وصول الدولار في السوق السوداء إلى 23 ألف ليرة، بينما السعر الرسمي يحافظ على 1507 ليرات.

الانهيار الذي بدأت تتشكل ملامحه قبل الانفجار تحول من الرابع من أغسطس/آب فصاعداً إلى مأساة، فاقمتها القوى التي تتقاسم النفوذ على الطوائف. كان من المفترض بكارثة وطنية كهذه أن توقظ حساً أخلاقياً ما عند الزعماء المتناحرين في ما بينهم، ليعترفوا على الأقل بأنهم مخطئون في أدائهم، أو أن يعترفوا بعجزهم. أن يتخلوا عن السياسة بصفتها لعبة غولف وتسجيل نقاط، وأن يمارسوا ولو لمرة "وطنيتهم" المدّعاة منذ الأزل. لم يفعلوا. ليس أنهم تراشقوا الاتهام بالمسؤولية عما حصل ويحصل كيفما اتفق، وكل طرف راح يحمي رجاله ويبرئهم من أي تهمة، إن كانوا ضباطاً أو نواباً ووزراء، أو حتى مديرين عامّين.

ومع أن الحكومة التي كان يرأسها حسان دياب استقالت بعد أيام على الانفجار، فإن تسعة أشهر مرت ولم يستطيعوا الاتفاق على حكومة جديدة يرأسها سعد الحريري الذي اعتذر متّهِماً رئيس الجمهورية بالعرقلة، وبادله الأخير الاتهام نفسه. والأرجح أن أي لبناني عادي لن يعرف لماذا لم تتشكل حكومة طوال هذه المدة، لكن هذا اللبناني سيجيب عن سؤال آخر هو: لماذا لم تظهر نتائج التحقيق بعد أيام على وقوعه كما وعد رئيس الجمهورية في حينها؟ سيعرف أنه لن يعرف يوماً لماذا دُمّرت عاصمته في الرابع من أغسطس/آب، وأن الدم سيضيع، كما دائماً، بين الطوائف وزعمائها.

لماذا لا يغضب اللبنانيون؟ السؤال التالي المتمم ينبغي أن يكون: ضد من بالتحديد؟ هذا نظام بلا رأس. هو أشبه بشبكة معقدة من الأذرع المتقاطعة، زعماء طوائف متداخلون بعضهم ببعض حتى يستحيل فكّهم. والتصويب على واحد منهم، دون الآخرين، يعني التصويب على طائفته برمتها. وهذه التي تعلمت منذ تأسيس البلاد أن زعيمها هو الحماية الوحيدة لها، وضامن بقائها، وأن الآخر هو الجحيم، لن يغيّر انفجار بحجم الذي وقع قناعاتها الراسخة، كما لن يغيره انهيار البنيان المتهالك على قاطنيه. تحت الركام، وحتى النفس الأخير، سيظلون يتعاركون على تحصيل المكاسب، وعلى تبادل الاتهامات.

لماذا لا يغضب اللبنانيون؟ نزلوا إلى الشارع في 17 أكتوبر/تشرين الأول من العام 2019. بسحر ساحر، توحدت المنظومة ضدهم. حاربت شباناً عُزلاً بما استطاعت. نكأت كل المخاوف الطائفية عند اللبنانيين، وجندت الإعلام ضدهم، رمت كل التهم الممكنة عليهم، من العمالة لإسرائيل وصولاً إلى إدمانهم على المخدرات. كما أفلتت على تجمعاتهم بلطجييها. حاربتهم بالأظفار والأسنان لأنهم ظلوا على شعار عنيد واحد: "كلن يعني كلن"، أي كل الطبقة السياسية.

بعد أشهر على الثورة، دوى ذاك الصوت المريع في بيروت، وارتفعت سحابة دخان شيطانية في سماء المدينة، وقبل أن ينفض اللبنانيون الدم والغبار عنهم، كان زعماؤهم قد عادوا إلى ملعب الغولف، حيث الشمس مشرقة، والعشب أخضر، وكل شيء على ما يرام، ولا دمار ولا خراب في الحديقة الخلفية، حيث يعيش الرعايا في ظلام دامس، لا يرون فيه حاضراً ولا مستقبلاً.


جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي