تتسع مساحات الحراك الثوري الاجتماعي في المنطقة العربية كل مدى على عكس ما كان متوقعاً من انحساره، حراك مدفوع بشروط مادية واجتماعية مطالباً بالمساواة والعدل، وبِلغة أكثر واقعية.

ومطالباً أيضا بسقوط نخب الفساد والمحسوبية وسياسة الزبائنية، مدفوعاً بتحرير الرغبات والذوات الفردية من أي شكل هرمي يؤبد تراتبيات السلطة التي تضافرت وتمفصلت في الاجتماع والدين والسياسة، إلا أننا معنيون في هذا الحيز بطرح سؤال: إلى أي مدى يُجدي الفعل الثوري دون وعي سياسي، وما مدى واقعية التنظيم الذاتي للجمهور؟

منذ ثورات 2011 وهناك فكرة رومانسية مهيمنة يجري التنغم بها، ألا وهي جمالية الجماهير العفوية التي اندفعت واحتلت الميادين وتمكنت من التعبير عن إرادتها ووعيها بذاتها، دون توسط تنظيمي نخبوي سواء كان حزباً أو نقابة أو طليعة ثورية، إنها رمزية الجسد المتحرك بلا رأس، أملاً في تحقق مقولة الشعب سيد نفسه، الذي يمكنه الاستغناء عن تلك الرأس المسرطنة التي تعيد إنتاج الاستبداد وتفسد حياته.

لكن، اتضح من السنوات الماضية التي أعقبت هذا الحراك الثوري، أنّ هذه الجمالية ليست منطقية وحسب، بل وبائسة أيضاً؛ لأنّ الدول وجيوشها ومؤسساتها البيروقراطية لا تزال قائمة ومثبتة جذورها حتى وإن كانت هشة وفقدت هيمنتها الأيديولوجية، ولأنّ هذا الجسد الشعبي مهلهل بفعل رأسه الفاسد على مدى عقود تعاقبت وتراكمت فأنهكته، ولأنّ التجربة الواقعية في تونس والسودان تشهد اليوم على صحة لزوم أن يكون هناك تنظيم سياسي أو طليعة ثورية تقود الانتفاضات وتوحد بين الإرادات المتناقضة، وبمقدورها التقاط ما يشكل الإرادة الجمعية للجمهور.

يثبت الواقع أنّ من اليسير تحريك الجماهير، والدفع بحشودهم إلى الشوارع واحتلال الميادين، تحت وطأة الانفعالات الحماسية وشروط الواقع المعيشية القهرية التي تجمعهم، وتُرفع اللافتات باسم الشعب والثورة في وجه النظام وقمعه، إلا أنّ مفاهيم من نوعية ثورة، وشعب، ونظام، تظل منطوية على كثير من التجريد، أي أنها مفاهيم غائمة وفضفاضة كثيرة التأويل والاحتمال، يلزمها الشرط السياسي الذي يُعقلنها ويترجمها إلى سلسلة مطالبات قابلة للتجريب.

هذا في حين أنّ أغلب المجتمعات العربية إذا ما استثنينا تونس والسودان نسبياً وحسب اللحظة الراهنة، لا تجيد آليات العمل السياسي سواء على مستوى الخطاب أو التنظيم أو الممارسة، مما ييسر تفريغ أي حراك ثوري من معناه أو الانقضاض عليه وتوظيفه لصالح خصومه.

ويعود ذلك إلى عدة شروط تاريخية مركبة، يأتي على رأسها، طبيعة التكوين الطبقي للمجتمع وعلاقته بالسلطة والدولة وقوى الإنتاج وتبادله، وما ينبني عليه من انسجام أو صراع؛ إذ يفتقد المجتمع العربي إلى التمايز الطبقي الخالص، وكذا استقلاليته عن الدولة، ومن ثمّ غياب المثقف العضوي أو فئة الانتلجنسيا والقوى المدينية المستقلة بخطابها السياسي الأيديولوجي، والقادرة على إنتاج رموز الهيمنة من قيم وأفكار وأنماط السلوك التي تعبر عن ذاتيتها ومصالحها وموقعها من السلطة، باستثناء فترات تاريخية قصيرة ومبتورة.

من خلال الحراك الثوري ربما لأول مرة في تاريخنا الحديث نرفع شعاراً يعبر عن إرادتنا الذاتية ضد النظم السياسية الداخلية. ضد دولة الاستقلال والحماية الأبوية.

إيمان النمر

ويرى منظرو ما بعد الحداثة وسلسلة البعديات أنّ العالم في نسخته الإمبراطورية المعولمة قد تخطى شروط ومقولات السياسة التقليدية، بل أننا نعيش في زمن ما بعد السياسة بحسب شانتال موف، ولم تعد الطبقة أو الأيديولوجية شرطاً حصرياً لتحقق الفعل الثوري الجماهيري، سيما وأن النظام العالمي لا سياسي، وأنّ الجمهور بالعموم، يعيش في شرط عولمي، ويعي ذاته تبعاً لهذا النظام.

جيل دولوز رأى أنّ النظام العالمي وتوابعه ( الدول الوطنية/ القومية/ دول ما بعد الاستقلال) لا يعمل وفق خطط أو قوانين يقينية، إنما يسير بارتجالية وفق مبدأ التجريب يؤمّنه آلة الحرب الشاملة، حتى بات المجال العام الذي يوفر ساحات بناء المشترك العام والوعي السياسي، مأمنن ومؤمم بقوة البوليس والمراقبة وشبح الإرهاب، أيضاً، صارت المدن القديمة التي كانت تجمع الجمهور بساحاتها مقهورة بتهالكها وزحامها والفقر يطاردها نحو امتدادات الحزام العشوائي الذي بلغ ما يقارب 40 % من الحيز السكني في مصر على سبيل المثال.

ووفقاً لدولوز، تبعاً لطبيعة هذا النظام القائم على التجريب، كان لا بدّ وأن يناقضه مجربون من نوع آخر، وهم الجمهور وطاقاته الحيوية التي تمكنه من رسم خطوط الهروب من قبضة هذا النظام وإفساد تنبؤاته.

من خلال وجهة النظر هذه وتضاعفاتها، يمكن أن نلتقط خيط ما يمكن نسجه، والقول بأنّ الجمهور اللامسيّس الذي لا يزال يتدافع نحو الساحات، ويجرب في مصر والجزائر والعراق ولبنان مثلاً، يمكنه أن يقفز على المراحل، وينقلب على النهج التقليدي الذي يتطلب شرط الوعي السياسي قبل الفعل الثوري، إذ يتولد هذا الوعي نتاج الفعل وليس العكس؛ حين يحتل الجمهور الميادين التي أُقصى منها قسراً، فيعيد اكتشاف طاقاته وذاته المعطلة وكذا الآخر والعالم المحيط به، ومن ثمّ يصبح الالتقاء الثوري حدثاً تأسيسياً لتشكيل إرادة جمعية وحس مشترك كان كامناً ويبحث عن منافذ للتعبير والغضب والبناء.

لكن، ثمة أسئلة عديدة تواجهنا: كيف ينبغي بناء الممكن من ذلك الحدث التأسيسي الذي لا يخلو من كثافة انفعالية؟ كيف يجري عقلنته في بلورة وتطوير إرادة جماعية مشتركة؟ وكيف تندرج إحدى صور الثورة كمتحرر جسدي يدمج قضايا الجندر والجنسانية والحريات الفردية بالعموم في الذهنية الشعبية ضد السلطة بأشكالها كافة كما في لبنان مثلاً، دون الانزلاق إلى مستنقع حروب الثقافة الاختزالية؟

ما مدى قدرة الجمهور العربي على تخطي أو تجاوز مفهوم الدولة الوطنية/ القومية ومؤسساتها وهي في الواقع تواجه الآن مآزق تداعيها؟ كيف يمكنه ممارسة الواقعية السياسية بعيداً عن هواجس ورطانة مقولات الوطنية والاستقرار والممانعة والمؤامرة؟ ما هي إمكانات انتقال الجمهور من شعار الشعب يريد إسقاط النظام، أي الوعي بذاته، إلى الشعب يريد تأسيس النظام أي الوعي والعمل لذاته؟

في السبعينيات والثمانينيات خرجت الجماهير تطالب بالخبز بعدما عولمته مؤسسات النظام العالمي بشروطها المجحفة وأعادت دواليب التبعية، لكن لم تجرؤ هذه الجماهير على قول لا للنظام، ولم تجرؤ على الجهر عما هو أبعد من الخبز واللحم، وفي ضوء هذا التأميم والتكميم، وعى نزيه الأيوبي حقيقة "سياسة الشوارع" أي تلك الاحتجاجات التي بلا قائد ولا حزب سياسي أو نقابة عمالية أو طليعة ثورية، إذ رأى أنها غالباً، "لن تكون سوى إيقاع مجتمعي ترقص عليه الدولة"، وقد تعقبه بسياسات تسكينية مهدئة كأن تخفض الأسعار وتعيد إدراج بعض مستحقي الدعم على قوائمها، كما حدث في مصر على استحياء بعد المظاهرات الأخيرة.

نقر بأنّ السياق التاريخي مختلف، وأنّ الجمهور، على الرغم من تعطيل طاقاته وتأميمها، إلا أنه تمكّن من اجتراح سبل وثغرات لتحرره عبر وسائل الاتصال والمعلوماتية التي صنعتها العولمة في البدء تسخيراً لخدماتها، بيد أنّ الجمهور العربي في ثوراته وسياقه يختلف عن شعوب الما بعديات الغربية، التي مارست السياسة والديمقراطية بوصفها الشعب السيد، وعاينت الحياة المدنية بتمايزها وصراعات مؤسساتها وجبهاتها السياسية والمهنية.

يجب ألا يعمينا الظرف العولمي الذي نعيشه عن حقيقة كوننا شعوباً في طور التعرف على ذواتنا واكتشافها، وأننا من خلال الحراك الثوري ربما لأول مرة في تاريخنا الحديث نرفع شعاراً يعبر عن إرادتنا الذاتية ضد النظم السياسية الداخلية؛ ضد دولة الاستقلال والحماية الأبوية التي مارست النضال والمواطنة بالإنابة عن الشعب، ولا نغفل عن التقسيمات الطائفية والقبلية ما قبل الحداثية الكامنة التي تعمل كقوى مضادة معتصمة بالمال والسلاح والأتباع المدجنة، وآلة الحرب المسلطة وساحات النزاع المستعصية حول القضية الفلسطينية... الخ.

نحن لا نقلل أبداً من قيمة هذا الحراك الثوري، بل نؤكد على أهمية ما أنتجه من خطاب ثقافي يمهد لمزيد من التحرر، وإنما يلزمه تعقيده واشتباكاته، البحث عن شروط تحويله إلى واقع عبر وساطات تنظيمية وخطاب سياسي متماسك، إنّ التحدي الحقيقي، لا بدّ وأن يغادر شعار " الشعب يريد" حيز اللغة والتخييل إلى اجتراح ثغرات لإيجاده وإجادته واقعاً. دولوز نفسه الذي رأى في ثورية الجمهور خط هروب مناقضاً ومصدر نفي للسلطة، قال :" ينبغي العمل على الهروب، ولكن مع البحث أثناءه عن سلاح ما"، بل أعتقد أن تجريد الثوري من التنظيمي السياسي، يمكن درجه _دون أي معنى مسيء_ تحت مسمى " ترييف الثورة"، أي مجرد احتجاجات فلاحية لا تدرك ماذا تفعل بعد الهوجة، ولا كيف تتلافى خطر العودة دون مزيد من الجلد بالسياط؟

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي