بعد ثورة يناير 2011، اتجهت مصر للجمع ما بين الدبلوماسية الشعبية والرسمية في التعامل مع الأوضاع السياسية والاقتصادية، لكنها لم تتبع إطاراً واضحاً في تعريف التهديد أو المصلحة.

وقد واجه النفوذ الإقليمي تحدي القدرة على تفعيل القوة الناعمة، وخصوصاً أن كثيراً من نفوذ مصر يرتبط بالإمكانات الثقافية أو ترقية القدرات الأمنية والعسكرية، وبالتالي تبدو أهمية تناول سياسة مصر الخارجية من خلال القدرة على توظيف القدرات الذاتية والاضطلاع بدور يتناسب معها.

وقد دفعت تقلبات، ما بعد يناير 2011، باتجاه تبني سياسة دفاعية لترتيب الشئون الداخلية. وشكلت مطالب الأمن القومي معضلة في ظل التعقيدات التي تشهدها مسألة المياه، وتقلب العلاقات السياسية مع السودان وإثيوبيا، حيث لم تتمكن مصر من بناء علاقات مستقرة أو وضع خريطة أولويات المصالح المصرية بالحد الأدنى.

على أية حال، انتهت سنوات حكم الرئيس مبارك بهيمنة الطابع الانكماشي على السياسة الخارجية، وهذا ما ينطبق على كثير من دوائر العلاقات السياسية. ومع ظهور ثورة يناير 2011، لقيت الدولة تحديات جديدة، كان أهمها ما يتعلق بإعادة بناء الدور السياسي الإقليمي والاستقرار على ملامح الأمن القومي. بالإضافة إلى القدرة التنافسية مع الأطراف الإقليمية الأخرى.

كانت مواقف مصر تجاه غزو العراق خطأ استراتيجياً، حاولت معالجته عبر سياسات تكتيكية. فتحْت تأثير أولوية الأمن الخليجي دعمت العراق في مواجهة إيران. لكنها تحولت لاحقاً لمواجهة سياسات صدام حسين، لتجد نفسها أمام مفاضلة ما بين مصالحها مع الخليج أو العراق. المهم أنه ترتب على هذه السياسة تراجع النفوذ لصالح إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

لعل التغير المهم، هو حدوث انقلاب في خريطة النفوذ الإقليمي. فبينما زاد الدور الإقليمي لدول الخليج، بانتقال مركز الثقل من العواصم التقليدية، بغداد، دمشق، والقاهرة، إلى العواصم الخليجية، الرياض، الدوحة، وأبو ظبي، الأمر الذي شكل متغيراً مهماً في الجغرافيا السياسية للمنطقة العربية. وهو ما رتب على مصر مواجهة تحديات وأعباء النفوذ الإيراني والأمريكي في العراق، بشكل يجعل محاولات تطوير العلاقات المصرية ـ العراقية قليلة الجدوى. وتؤكد التطورات ما بعد اغتيال قاسم سليماني على تراجع قدرة مصر على التأثير في الشئون العراقية والسورية.

رتبت هذه النتائج حالة من التداخل في أدوار كلٍّ من مصر والسعودية والإمارات. وتحت مظلة التحالف الدولي ضد داعش، دخلت مصر للمشاركة الإقليمية عبر التحالف مع السعودية والإمارات لتكوين تحالف إقليمي للسيطرة على الملفات الحيوية، والحد من الطموحات السياسية لحركة "الإخوان المسلمين"،وتقليص الطموحات الإقليمية لدولة قطر.

كما عملت هذه الدول كتحالف ضد محاولات التغيير في البلدان العربية، وأطلق عليه "تحالف الثورة المضادة" كتسمية إعلامية لا تخلو من دلالة، وخصوصاً لدى مكافحة المسار الديمقراطي في تونس ودعم الحرب الأهلية في ليبيا واليمن وسوريا.

وعلى الرغم من تقارب مصالح أعضاء التحالف، لم تكن سياسة هذا التحالف متماثلة؛ فمن جهة لم تتضح ملامح واقعية للتعاون الدفاعي، سواء من طرف السعودية أو الإمارات، عندما اعتذرت مصر عن المشاركة في الحملة على اليمن، عاصفة الحزم، وانسحبت من التحالف الدفاعي، الناتو العربي. كما رفضت مصر الاستجابة لطلب الولايات المتحدة بنقل وحدات عسكرية إلى سوريا. وبالإضافة لذلك، تقاربت مصر مع حركة حماس على خلاف مواقف دول الخليج (السعودية والإمارات)، وتوضح هذه الحالات جانباً من تراجع التساند المصري الخليجي وفقدان التحالف بينها لأهم مقتضياته الدفاعية والأمنية.

ومن جهة أخرى، لايبدو أن دخول مصر التحالف الخليجي ضد قطر قدّم مساندة للمصالح المصرية، بقدر ما فرض قيوداً عليها، وخصوصاً عندما ظهرت أزمة السودان، ما بعد سقوط عمر البشير؛ حيث ظهرت تناقضات ما بين المصالح المصرية والتدخلات السعودية والإماراتية لتشكيل المرحلة الانتقالية السودانية وتبنيهما مواقف لاتتوافق مع المصالح المصرية.

وفي ظل هذه الأجواء، اتجهت مصر لتنويع علاقاتها الخارجية، وبدأت في 2014 ببناء علاقات استراتيجية مع روسيا، وقامت خطتها على أساس التباعد مع دول الخليج العربي وتحييد النفوذ الأمريكي. وفي هذا السياق، وقعت العديد من اتفاقيات التبادل التجاري والتسليح، ويمكن القول إن هذا التغير السريع للسياسة الخارجية لم يؤدّ إلى تقليل ارتباط مصر بالدول الخليجية، ولم يزد من اعتماد روسيا على مصر كحليف إقليمي، بقدر ما عزز العلاقات الثنائية في المجال العسكري.

وقد شكل تنامي الصراعات الإقليمية واحداً من التحديات للسياسة المصرية، حيث صارت محاطة بدول مفككة، منها ليبيا والسودان. ففي حالة ليبيا انخرطت مصر في الأزمة، لوقف تمدد الإسلاميين وضبط انتقال السلاح عبر الحدود. أما في حالة السودان، فلم تتمكن من بناء علاقات مستقرة مع الدولة. وكان لعامل التنافس الدولي أثر واضح في تهميش الدور المصري. فرغم الأهمية الأمنية والاقتصادية، صار التعامل الدولي الخاص بليبيا يجري في عواصم غربية وفي بلدان عربية أخرى.

وفي سياق الخلاف على قضايا الغاز والطاقة في البحر المتوسط، ظهر تياران دوليان أحدهما يضم كلاً من إسرائيل وقبرص واليونان ويعمل بالتعاون مع الولايات المتحدة، لضمان نقل الغاز إلى أوروبا، ويبدو أن هذا التحالف يعمل على عزل شمال المتوسط عن جنوبه. أما التحالف الآخر فيضم كلاً من مصر وقبرص الرومية وفرنسا، وكان هناك محاولات لضم إيطاليا.

وبقراءة تركيبة هذين النمطين، يمكن ملاحظة أن هدفها الأساسي تهميش الميزة النسبية لموقع مصر الجغرافي؛ فمن جهة تعمل التحالفات على تعميق إلحاق مصر في السياسة الأوروبية والأمريكية، ومن جهة أخرى، تقلل من ميزة دخول مصر في تحالفات مع محيطها الإقليمي.

وبشكل عام، ظلت السياسة الخارجية غير واضحة وضعيفة التكيف مع التنافس الدولي الساعي لتشكيل النفوذ في الشرق الأوسط وحوض النيل والقرن الإفريقي، حيث تبنّت مصر سياسات قصيرة الأجل، كما وضح في تناولها لأزمة سد النهضة وقبلت، فعلياً، التنازل عن مبدأ الحقوق المكتسبة الذي اعتبرته أصلاً غير قابل للتفاوض، بشكل يعبر عن غياب استراتيجية سياسية يكون بمقدورها تأمين المصالح المصرية.

بمرور الوقت، صارت السياسة المصرية تفقد ميزة الموقع الجغرافي فيما تتحمل أعباءه؛ فبينما تقع جنوباً تحت التحدي الإثيوبي، تأتي تهديدات الأمن القومي من الشمال والشمال الشرقي. فمن وجهة التكلفة والعائد، يمكن ملاحظة أن مشاركة مصر في حرب الخليج الثانية والدخول في تحالفات إقليمية في البحر المتوسط، لم تستند إلى مسار استراتيجي يضع تعريفاً محدداً للمصلحة الوطنية، كما تبدو غالبيتها غير متجانسة ومتناقضة المصالح، ولاتضطلع فيها مصر بدور قيادي، وهنا يمكن الإشارة لتنافر سلوك التحالفات في كل القضايا الإقليمية.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي