زعيمي حزب "ديمقراطيِّي السويد"، جيمي أكيسون وجيسيكا ستيغرود يشاركون في احتفالية انتخابية في فاستيراس (Reuters)
تابعنا

انصرفت الأنظار مجدداً صوب السويد مع قفزة جديدة أحرزها اليمين المتطرف الذي يصعد في الحياة السياسية تحت لافتة حزبية برّاقة تحمل اسم "ديمقراطيِّي السويد".

يُعتبر هذا الحزب في حقيقته ذا جذور يمينية متطرِّفة، فهو مُقرّب في منشئه من أوساط الفاشيين والنازيين الجدد و"القومية البيضاء"، لكنّه أظهر حرصاً على إعادة تقديم ذاته بشكل أنيق في الحياة العامّة السويدية، والتخلّص من بعض الوجوه التي اشتهرت بتطرّفها، ساعياً إلى كسب مزيد من الأصوات من الوسط المجتمعي العريض وليس من ناخبي التطرف اليميني التقليديِّين وحسب، وقد تأتّى له ذلك بوضوح في الجولة الجديدة.

في البدء كانت المفاجأة، عندما نجح "ديمقراطيو السويد" في دخول البرلمان "ريكسداغ" للمرة الأولى سنة 2010 بحصولهم على نحو ستة في المئة من الأصوات، ثم توالت المفاجآت بأن أضافوا مزيداً من النقاط إلى رصيدهم الانتخابي في الجولات اللاحقة تباعاً، حتى آل بهم المشهد إلى أن يصيروا الحزب الثاني في البلاد بأكثر من عشرين في المئة من الأصوات في اقتراع الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2022، ما يمنح الكتلة اليمينية واليمينية المتطرفة في البرلمان قرابة نصف الأصوات.

ورغم احتفاظ الحزب الديمقراطي الاجتماعي بالموقع الأوّل مع الفارق، إلاّ أنه يفتقر إلى القدرة على تشكيل حكومة تحظى بأغلبية برلمانية.

تُعدّ هذه النتائج انتصاراً لنهج زعيمه جيمي أكيسون الذي قاد إحداث تغييرات في الانطباعات السائدة عن الحزب. لكنّ الحزب لا ينفكّ في الواقع عن نمط الشعبوية التي تُذكي الحنين إلى ماضٍ تفترض إمكانية العودة إليه وتقديم وعود سطحية بحلّ معضلات الواقع الاجتماعي والاقتصادي على نحو حالم.

تكتسب النتائج الجديدة أهمية إضافية بالنظر إلى أنها أوّل انتخابات عامّة في السويد بعد سكون موسم كورونا المديد، علاوة على ما أظهرته من أنّ المستجدّات الاستراتيجية الكبرى في الشمال الأوروبي بعد حرب أوكرانيا وعواقبها، ومنها عزم استوكهولم التخلِّي عن الحياد والالتحاق بحلف شمال الأطلسي؛ لم تزعزع الانشغال التقليدي بالملفات الداخلية التي خيّمت على الجولات الانتخابية السابقة؛ مثل الهجرة واللجوء والجريمة والخدمات.

لا تقتصر تأثيرات تحوّل المزاج السويدي نحو اليمين المتطرِّف على نطاق مملكة الشمال الإسكندنافية هذه؛ فأن يجري هذا في السويد تحديداً التي كانت في صدارة أوروبا على صعيد إظهار الالتزام القيمي والانفتاح السياسي والاحتفاء بالتنوّع وتقديم تجربة ديمقراطية اجتماعية ذات ريادة؛ من شأنه أن يمنح الانطباع بأنّ التراب أُهيل على تجربة الماضي العريقة، بما فيها إرث رئيس الوزراء الأسبق ألوف بالمه.

ثمّ إنّ هذا المدّ اليميني المتطرِّف يكشف عن قلق جمعي يساور جمهور الناخبين السويديين جراء إحساس مُستثار بوطأة تحوّلات متسارعة من حولهم ووقوعهم تحت تأثيرات خطابات مضلِّلة يتزعّمها أقصى اليمين في المنصّات السياسية والإعلامية والشبكية؛ على نحو يجمح بالحياة الديمقراطية السويدية التي استحالت مواسمها الانتخابية محطّات مكرّسة لتأجيج الهواجس وشحن الجمهور وإثارة الكراهية بصفة صريحة أو إيحائية.

من واقع الحال أنّ خطابات أقصى اليمين تدغدغ أوساطاً من الجمهور تتملّكها الهواجس من التحوّلات الديمغرافية والثقافية الجارية من حولها، فيستشعر بعض المواطنين "الأصليين" فقدان السيطرة على الواقع المتفاعل من حولهم، وأنّهم لم يعودوا يستأثرون بالمشهد المجتمعي مع حضور مكوِّنات جديدة فيه.

من شأن هذا أن يُحيل السويديين الجدد، الذين يحملون خلفية هجرة، إلى مشجب جاهز لتعليق الأوزار المتثاقلة عليه وتفسير معضلات الواقع إجمالاً من خلاله؛ ومنها ترهُّل دولة الرفاه الاجتماعي في السويد والشكاوى من تراجع جودة الخدمات الصحية مثلاً.

لم تزهد الخطابات الشعبوية في استغلال ملفّ الهجرة واللجوء فدفعت بمقاربات سطحية وتعسّفية في تناوله، وأمعنت في شقّ صفوف المجتمع المتنوِّع على أساس "نحن" و"هم"، لأجل تحسين فرصها في مواسم الاقتراع.

استثمر الخطاب السياسي لليمين المتطرف في ظواهر الجريمة المُنظّمة وأعمال القتل التي تنفذها عصابات مافيا في مناطق ذات كثافة سكانية من أصول مهاجرة، وعدّها برهاناً على إخفاق تجربة الديمقراطيين الاجتماعيين المديدة في الحكم، مع التغاضي عن ظواهر أخرى منها النزعات العنصرية والتوجّهات العنيفة ضمن أوساط اليمين المتطرف مثلاً.

والواقع أنّ المتضرِّر الأكبر من ظواهر الجريمة والانفلات الأمني هو المكوِّن السكاني الوافد الذي يتكبّد الضريبة المضاعفة من أمان أحيائه وسلامة أبنائه، وبتحميله فوق ذلك مسؤولية تعميمية ساذجة في خطابات التأجيج السياسي عن هذا التدهوُر في الوقت ذاته.

ثمّ إنّ تقدُّم أقصى اليمين يبعث برسالة سلبية للغاية إلى الأجيال الصاعدة من "السويديين الجدد"، الذين يحملون خلفية هجرة، بإشعارهم بالخشية على مستقبلهم في هذه البلاد وبإعاقة فرصهم في الصعود الاجتماعي، وتضييق سبل مشاركتهم في مجالات الحياة في البلد الذي عُرف باحتفائه ببواكير هذه المشاركة من قبل.

لا تقتصر المعضلة على الحصص المتزايدة التي يُحرزها اليمين المتطرف في الانتخابات العامّة السويدية جولة بعد جولة؛ ذلك أنّ أحزاب الوسط السياسي عموماً لا تُبدي جرأة في مواجهة هذا المدّ الصاعد؛ بل إنها تتملّق هواجس الناخبين الذين يصوِّتون للتطرّف سعياً إلى تحسين فرصها في جولات الاقتراع. انعكس ذلك على تراجع ثقة السويديين الجدد، المنحدرين من خلفية هجرة، في جدارة الأحزاب الجماهيرية التقليدية بتمثيلهم في الحياة السياسية. سجّلت الجولة الانتخابية الجديدة تطوّراً لافتاً للانتباه في هذا الشأن، من خلال ظفر حزب "الجدد" المتشكِّل من مبادرين من خلفية هجرة، ببعض أصوات الناخبين في مالمو الواقعة جنوب السويد، وعُدّ ذلك تعبيراً عن أزمة ثقة لدى هذه الأوساط نحو العناوين التقليدية في يسار الوسط التي استأثرت على أصواتها من قبل.

يتّضح التأثير الأكبر لصعود اليمين المتطرِّف في الحياة العامّة السويدية في أنّه صار عملياً ناظم الإيقاع في الأولويّات السياسية، وبات خطابه مهيمناً على المشهد الحزبي الذي انزلق في عناوينه ومضامينه نحو اليمين أو لم يجرؤ على مقاومة هذا المنحى خشية فقدان مزيد من الرصيد الانتخابي.

لا عجب، مثلاً، أنّ حكومة يسار الوسط هي تحديداً التي سبقت في سنة 2016 إلى إغلاق الباب في وجه اللاجئين رسمياً وفرضت رقابة على حدود السويد رغم اتفاقية شنغن المعمول بها.

يتعاظم نفوذ اليمين المتطرِّف في الحياة السياسية الأوروبية مع تآكُل رصيد أحزاب الوسط الجماهيرية التقليدية، وتبدو السويد شاهداً جلياً على هذه الحالة، إلى درجة عجز يسار الوسط أو يمين الوسط عن ضمان أغلبية برلمانية بعد انتخابات 2018، وكذلك بعد جولة 2022 الأخيرة.

تعاظمت قوّة الترجيح التي يحوزها حزب "ديمقراطيي السويد" الآن بعد أن ظفر بأكثر من خُمس أصوات الناخبين في اقتراع الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، فلا غنى ليمين الوسط عن استرضاء هذا الحزب المتطرف لأجل تمرير جولات التصويت البرلمانية؛ حتى وإن لم يُستوعَب في أي تشكيلة حكومية.

تمنح هذه الحالة "ديمقراطيي السويد" إيّاهم فرصة إعلاء الصوت وتسجيل الحضور في المشهد السياسي حسب التقاليد الشعبوية النمطية حتى دون النزول إلى اختبار الممارسة العملية، ما قد يعزِّز حظوتهم في خريطة البلاد الحزبية قدُماً.

في المحصِّلة، تبدو السويد الجديدة غير التي كانت، فلم يعد هذا البلد الإسكندنافي الهادئ مثالاً في الانفتاح على الوافدين إليه والترحيب بمظاهر التنوّع الثقافي في مشهده المجتمعي، فهو اليوم يُقدِّم نموذجاً ملهماً لقوى التطرّف اليميني في سعيها الجموح إلى اكتساح الجولات الانتخابية عبر القارّة الأوروبية والهيمنة على أولويات الحياة السياسية وإن لم تُختَبر في واقع الممارسة الحكومية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي