مهاجرون محتجزون ينتظرون بجوار الحدود بين روسيا البيضاء ولاتفيا بالقرب من فيرسوفا (Ints Kalnins/Reuters)

ما الذي يعنيه اليوم العالمي للشباب بالنسبة لعشرات ألوف العالقين على تخوم أوروبا في ظروف مزرية؟ يستبدّ القنوط بحشود من البشر في مقتبل العمر، تفترش الأرض وتلتحف السماء في جزر متوسطية أو في غابات البلقان ودول البلطيق، بعد أن أحرقوا مراكب العودة وسُدّت أبواب القلعة الأوروبية المحصّنة في وجوههم.

تتفاقم مشاهد بؤساء الأرض الذين يتحرّكون عبر القارّات بحثاً عن فرص حياة كريمة. يُنتشَل بعض هؤلاء جثثاً هامدة بعد غرق مراكبهم في عرض البحر، أو يخرج ذوو بشرة سمراء وهم أحياء من بين الأمواج ليتلقّفهم المصطافون الذاهلون على شواطئ أوروبا الجنوبية بالأغطية والإسعافات. تشكّلت لوحات إنسانية مأساوية من واقع مغامرات أولئك الشباب كما التقطتها عدسات وثّقت هذه المشاهد أو سردتها روايات شهود العيان من الميدان مباشرة.

واقع الحال أنّ مزيداً من شباب الجنوب يندفعون صوب وجهات في الشمال بعد أن فقدوا الأمل في مستقبلهم المحلِّي، وأنّ هذه الظاهرة صعدت بقوّة إلى صدارة شواغل السياسة الدولية. يحرِّض على هذا الاندفاع مزيج من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، علاوة على تطوّرات جسيمة مثل أعباء موسم "كوفيد- 19" المديد على شعوب ومجتمعات هوى مستواها المعيشي إلى القاع خلال شهور معدودة.

تنقشع أوهام الفردوس المُتخيّل عند بلوغ الوجهات المقصودة في العمق الأوروبي. فالشباب الذي اجتاز مغامرات العبور عبر مسالك بحرية وبرية محفوفة بالمخاطر، تنتظره قوانين وإجراءات تزداد تشدّداً في استيعاب طالبي اللجوء والهجرة، وقد يواجه هؤلاء هواجس الترحيل العكسي الذي تتمسّك به مزيد من الحكومات الأوروبية حتى بالنسبة للفارِّين من بؤر نزاعات واضطرابات، رغم الالتزامات المقررة بمقتضى القانون ومعايير حقوق الإنسان.

تتعايش في الأوطان الجديدة قصص نجاح متفرقة يحرزها بعض الشباب الوافد، مع متاعب متزايدة يواجهونها على صعيد اكتشاف الواقع الجديد ومحاولة تحقيق الذات فيه.

من شأن الخشية من التنوّع الثقافي وإحساس "الشعوب الأصلية" بفقدان السيطرة على المشهد المجتمعي المستجدّ أن يدفعا بمخاوف من المستقبل لدى مجتمع الأغلبية، فتعلو الهواجس ويتأجّج الهوَس.

تتّخذ الحمّى الشعبوية من مسألة القادمين الجدد ذريعة لها، وتتفاقم نزعات عنصرية تعتبرهم غزاة، وقد تنزع الصفة الإنسانية عنهم بما يمهِّد لاقتراف تعدِّيات جسدية ولفظية ضدّهم توقع بينهم ضحايا على نحو مستمرّ.

إنها من شواهد العولمة العرجاء، التي رحّبت بانسلال الشركات متعددة الجنسية من مواطنها وبتدفُّق التجارة ورؤوس الأموال عبر أقاليم الأرض بلا كوابح، لكنها عرقلت في الوقت ذاته حركة البشر من وجهات معيّنة وسدّت المنافذ في وجوههم إلى حد تشييد الأسوار العملاقة وتكثيف المراقبة الحدودية وخفر السواحل.

كان لهذه العولمة المُجتزأة وطأتها على شباب الأرض في بيئات لم تَقْوَ على المنافسة في عالم اكتسحه اقتصاد السوق الليبرالي.

بدأ الأمر، مثلاً، في بعض البيئات مع علامات تجارية بازغة حطّت من بلد غربي لتجرف وفرة من المصانع المحلية المستقرّة في بلدان الجنوب، وامتصّت عصارة عوائد المبيعات لصالح شركات متعددة الجنسية.

وكان لسياسات الدعم الزراعي السخيّ في أوروبا وأساليب الوفرة التي لا تُضاهى في الإنتاج الزراعي الأمريكي تأثيرات شديدة الوطأة على فرص المنافسة المتبقية لمزارعي الجنوب في سوق مُعولَمة.

لم يجد شباب المجتمعات الزراعية، المتضرِّرة من هذا الاختلال الجسيم في القدرات والموارد، ما يجتذبه للعمل في أرض تختزن إرثه الثقافي وخبرات أجداده، فقرّر الارتحال من ريف بائس نحو حواضر مكتظّة تعجز عن استيعاب طموحات المتكدِّسين فيها، أو توجّه شمالاً خارج الحدود لتحقيق حلم ماثل في أفلام وصور ومخيال جمعي عن فردوس أرضي يقع في مكان ما.

انتهى حلم بعض الشباب الإفريقي بالعمل في ظروف تشغيل تشبه الاستعباد في حقول الجنوب الأوروبي بأثمان بخسة، كما وثّقت ذلك تقارير ميدانية مفزعة، أو وجد فرصته الأيسر في ترويج العقاقير المخدرة في الطرقات لصالح شبكات الجريمة المنظمة قبل انتهائه إلى السجن وربما الترحيل.

ينسلّ بعض الشباب من المشهد بطرق أخرى، مثل الانغماس في عوالم افتراضية ملوّنة يفرّون بها من عالمهم المباشر، أو بأن يلتمسوا نشوة عابرة يفارقون بها واقعهم البائس بمسحوق مخدِّر أو أقراص ملوّنة وجرعات تفترس أبدانهم ومستقبلهم.

يلتحق بعضهم بوعود تحقيق الذات عبر تشكيلات متطرِّفة ومنظمات مسلّحة ترفع راياتها ترحيباً بشباب مُهمّش من كلّ مكان ثم تدرِّبهم على فنون التوحّش. استقبلت "داعش" وأخواتها عشرات الألوف من الشباب الذي لم يجد ما يقنعه بالبقاء في مجتمعه، وانزلق بعضهم إلى مغامرات متطرِّفة بعد هزّات نفسية ومعايشات قاسية لفظتهم بعيداً نحو براري المسلّحين وكهوفهم.

آلت حشود غفيرة من هؤلاء الشباب إلى مراكز اعتقال لا تضمن للمكتظِّين فيها حدّاً أدنى من الكرامة الإنسانية، بعد أن سحقت طائرات بدون طيّار أقرانهم دون أن يشعر بهم أحد. إنها بعض النهايات المأساوية التي عايشها شباب من بلدان شتى، بعد مسيرة من الإحباطات المريرة التي تعاقبت عليهم وصور الاستغلال والتغرير التي استهدفتهم.

هوت آمال "الربيع العربي" على رؤوس جيل الشباب مشرقاً ومغرباً، بعد أن خُذِلت وعود الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية على مرأى من ديمقراطيات الأرض، أو حتى بتواطؤ من ساستها الذين أظهروا انحيازاً مكشوفاً إلى أنظمة الاستبداد العسكري والحكم السلطوي والقبضة الحديدية.

ما زال المستقبل قاتماً في عيون ملايين الشباب الذين يندفعون كل سنة إلى سوق العمل في بعض البلدان دون أن يجدوا فرصاً عادلة تنتظرهم، كما عليه الحال في البلدان المغاربية مثلاً. ولا تبدو آفاق الشباب في وادي النيل أو على ضفاف الرافدين أفضل حالاً. واحترقت في غضون ذلك آمال جيل من الشباب العربي على جبهات القصف في سوريا وليبيا واليمن وغيرها، ولهذا ما يناظره في بلدان أخرى مثل أفغانستان التي تجرّ تجاربها المريرة مع حملات الغزو والاحتلال والحروب الداخلية التي تنتهي بعض خيوطها بقوى النفوذ الدولي والإقليمي.

وصار على الشباب في بلدان أخرى، مثل لبنان، أن يكافح لضمان مواد تموينية أساسية بعد انهيار الاقتصاد وسقوط العملة وعجز الدولة التي لم تستوعب الشباب أساساً في صناعة القرار وتسيير المؤسسات.

أمّا الهدوء الماثل على السطح في بلدان نفطية فيبدو مضلِّلاً أحياناً، فشبابها يستشرفون نهاية زمن الرفاه الذي عهده سابقوهم تحت وطأة سوء التخطيط الاقتصادي والاجتماعي المزمن، علاوة على كبح فرص المشاركة الشعبية في شؤون البلاد.

لا يُعزى الأمر إلى قصور في الكفاءات، فقد عادت أجيال من المبتعثين الشباب من أفضل جامعات العالم إلى أوطانها الثرية لتجد المدرسة القديمة قابضة على زمام الأمور فيها دون فرصة للإصلاح والتغيير، رغم التحوّلات المتسارعة ومؤشرات الفقر والبطالة الزاحفة.

لا يكفّ الضالعون في تشكيل هذه الأزمات عن الاحتفال باليوم العالمي للشباب والذي يوافق 12 أغسطس/آب، وإلقاء خطابات مكلّلة بالوعود والإنجازات، وستطفو مزيد من المآسي التي تلمّ بشباب الحاضر على السطح بعد أن غرقت آمالهم في العثور على مكان لائق بهم تحت الشمس أسوة بأقرانهم الشباب في بيئات وأوساط أخرى.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي