رئيس وزراء حكومة الوحدة الليبية عبد الحميد دبيبة .  (Michelle Nichols/Reuters)

قليل من يتخذ السلام استراتيجية يعمل من خلالها ولأجلها، قليل من ينتظر المستقبل لتعزيز الاستقرار ولتحقيق مصالح الشعوب والدول المحيطة بالبلد التي تعاني من النزاعات.

في ليبيا، هذه الأيام، نشهد نموذجاً آخر للحروب الأهلية التي شارفت على النهاية، لكن فيما يبدو أنه رغم كل هذه الدراسات التي تمطرنا بالحديث عن عمليات التحول في النزاعات، إلا أن مقاربة واحدة لا يريد المجتمع الدولي تركها هي التي تتكرر.

كما أن هناك وصفة واحدة يجب أن تطبق على كل دولة تعاني من النزاع، هذه الوصفة تسمى في أدبيات الأمم المتحدة بالمقاربة "الليبرالية" وأهم ما فيها هو أن تعتمد على شرعية العملية السياسية Process Legitimacy وفي الغالب تكون هذه العملية محصورة في العملية الانتخابية، ورغم حجم النقد الذي وجّه إلى هذه المقاربات إلا أنها لاتزال هي الحاكمة لسلوك البعثات الدولية، التجارب كثيرة، لبنان، العراق، جنوب السودان وغيرها.

ليبيا الآن نموذج آخر، فهنالك فيما يبدو بلد خرجت لتوها من حرب، انخفض حجم العنف، وبدأت العملية السياسية من خلال الاتفاق على إجراء انتخابات في 24 من ديسمبر القادم. متابعة الجدل حول الانتخابات تؤكد بوضوح أننا أمام عملية مفروضة على المجتمع من خارجه وأن التصريحات وسلوك الفاعلين السياسيين، ومؤسسات المجتمع المدني، ووجهاء المجتمع في ليبيا في الغرب والشرق تبدو في حيرة من أمرها، تارة تصر على الانتخابات كونها حبل النجاة، وتارة تخاف من عواقب تلك الانتخابات، فتخشى من غدها على يومها، وتطمع في يومها ليصنعَ مستقبلها.

لو تجولت في الشارع الليبي، أو قمت بدراسة وسائل التواصل الاجتماعي ستجد هذه الشرعيات في الطرقات وفي المقاهي وفي النقاشات الطويلة في الواقع الافتراضي المسموع والمقروء والمرئي.

فهنالك من ينادي بشرعية الإنجاز، وهي أن السيد عبد الحميد الدبيبة أظهر شيئاً من القدرة على استخدام موارد الدولة في إعادة ثقة المجتمع في إمكانية تغيير أحوالهم عبر استخدام هذه الموارد في بناء الدولة وبنيتها التحتية وتحسين الظروف المعيشية للناس.

شرعية الإنجاز Performance Legitimacy هذه قد لا تعني شيئاً من الناحية القانونية إذا ما انتخب الشعب الليبي قيادته نهاية هذا العام، لكن في دولة تعاني من انقسامات داخلية قد تعني تناقضاً وضعفاً في بناء الشرعية القادمة، أو بطريقة أخرى، أن التعبير عن إرادة الشارع غير مكتملة، شعبية عبد الحميد الدبيبة- بعد دراسة ومتابعة عبر التحليل الاجتماعي لوسائل التواصل الاجتماعي- تؤكد أنه فيما سمح له بالمشاركة في الانتخابات سيكون الرقم الصعب أمام جميع المرشحين بمن فيهم الجنرال المتقاعد خليفة حفتر.

عبد الحميد الدبيبة لن يستطيع المشاركة في الانتخابات لأن شرعية العملية السياسية تمنع ذلك، فالقانون المثير للجدل والذي عُدِّل ثلاث مرات من قبل مجموعة داخل مجلس النواب يقول في المادة 12 (يُعد كل مواطن سواء كان مدنياً أو عسكرياً، متوقفاً عن العمل وممارسة مهامه قبل موعد الانتخابات بثلاثة أشهر، وإذا لم ينتخب فإنه يعود لسابق عمله وتصرف له مستحقاته كافة). هنا بدأ الجدل في ثلاث قضايا أساسية:

أولا. كيفية إصدار هذا القانون داخل مجلس النواب من حيث انسجامه مع لوائح المجلس نفسه، فالجلسة لم تعلن وهناك تشكيك من أعضاء المجلس أنفسهم في أن هذا القانون أعده رئيس المجلس نفسه.

ثانيا. أن هذا القانون الذي صدر في سبتمبر/أيلول وعُدل بعد ذلك في أكتوبر/تشرين الأول يتناقض، فحساب المدد الزمنية (3 أشهر) تبين أن التعديلات التي جرت على القانون في منتصف أكتوبر/تشرين الثاني تنسف هذه المادة، لأنها مستحيلة إذا حسبنا المدة، كما جاء في رسالة نائب رئيس مجلس النواب يطلب من المفوضية العليا للانتخابات إلغاء هذه المادة فهي مطعون فيها بسهولة أمام المحاكم الليبية.

ثالثا. أن هذا يتنافى مع القانون العسكري الليبي (85) الذي يحظر على العسكريين المشاركة العملية السياسية بدون استقالة، وهذا القانون الذي أقره مجلس النواب يريد منهم العودة إلى مناصبهم وهذا ما فسر على أنه قانون مفصل على شخص خليفة حفتر.

عبد الحميد الدبيبة لا يزال رئيساً لحكومة الوحدة الوطنية وهكذا تتناقض شرعية الإنجاز التي أعطت عبد الحميد الدبيبة هذه الشعبية، مع مدخلات العملية السياسية التي تقصي رئيس حكومة الوحدة الوطنية. هذا التناقض سيفضي في نهاية النهار إلى أن المجتمع ينقسم على نفسه، بين شرعية الإنجاز والانتخاب، وهذا يؤكد أن الانتخابات لن تكون نهاية الأزمة الليبية.

هذه الفرضية ستتكرر إذا نظرنا إلى خليفة حفتر كمرشح رئاسي، فكثير من الليبيين يرى بأن حفتر مجرم حرب، ولاتزال المقابر الجماعية تُكتشف كلَّ يومٍ في ترهونة، وهنالك آلاف العائلاتِ التي شرَّدها خليفة حفتر في الشرق والغرب والجنوب، والعدالة الانتقالية في ليبيا معطلة بحجة أنها قد تعرقل العملية السياسية، لذا فإن هناك رفضاً كبيراً من طيف واسع من المجتمع في الغرب الليبي يرفض ترشح حفتر، هذا الترشح الذي تفرضه العملية السياسية يخلق تناقضاً آخر بين شرعية العملية السياسية وشرعية الإنجاز، وهذا قد ينسف نتائج الانتخابات، الأمر الذي عبرت عنه قوى عسكرية في المنطقة الغربية ووجهاء ومؤسسات مدنية رافضة ترشح خليفة حفتر للانتخابات.

في نظري أن هذا يؤكد أن العملية السياسية لا ينبغي أن تكون هي المدخل الوحيد لإحداث تغيير في المشهد الليبي، صحيح أن الانتخابات عملية قد تسهم في خلق شرعية جديدة، لكن هذه الشرعية يجب أن تتسق مع إرادة المجتمع، والتفاهمات السياسية التي اتفق عليها أطراف النزاع، حتى لا تتراكم تلك التناقضات لتنتهي لحرب جديدة يبدو أن خليفة حفتر يتجهز لها، حين ذكر بأنه في حال ثبت أن هذه الانتخابات غير نزيهة فإنه سيعود لسالف سيرته من تقديس العنف وتبجيل التوحش!

لكن كيف يمكننا أن نخرج من هذا المأزق؟ في علوم النزاعات نجد أن الحديث عن الانتخابات كمقاربة لبناء الشرعيات محفوف بالمخاطر، فرغم نجاح الانتخابات في ثورة البرتغال عام 1974، إلا أنها لم تتكرر بعد في كثير من التجارب في الحرب الباردة كما حدث في ناميبيا، وموزمبيق والسلفادور والانتخابات في أنغولا عام 1992 كانت سبباً في اندلاع حرب داخلية جديدة والانتخابات في بوروندي عام 1993 أدت إلى اندلاع شرارة تطهير عرقي في بوروندي، وضرب لنا التاريخ مثلاً كذلك بالبوسنة عام 1995، وأفغانستان عام 1994 ومؤخراً العراق عام 2005 وعام 2021 حيث لاتزال العراق في مأزق سياسي خطير نتج بعد انتخابات لم تسلك مسلك النزاهة.

الخروج من هذا المأزق سيتمثل فيما يعرف بتصميم نظام سياسي، وهو لا يهدف فقط إلى بناء شرعية العملية السياسية كما تصر الدول الغربية، بل شرعية تحقق انسجام المجتمع مع نفسه وقدرته على تمثيل إرادته في نظام سياسي، إن السؤال البسيط الذي لم يجب عنه الساسة الليبيون، هل هناك حقاً رغبة من الأطراف السياسية في إنهاء العنف؟ وهل توجهات هذه الأطراف تجاه بعضها البعض توحي بأن هناك رغبة في إلقاء العنف عن كاهل النظام السياسي وتحكيم القانون ليحكم بينها؟

كل المؤشرات تبين أن هذا المسار بدأ لكنه لم ينضج بعد ليتوجه بانتخابات حرة ونزيهة، لأنه ببساطة تلك المقاربة الليبرالية لا تناسب الحالة الليبية، أو أن نموذج الديمقراطية التوافقية المفترض لم تتحقق أركانه، وأن روح المغالبة هي السائدة، لذا فإنه يمكن للانتخابات أن تجرى نهاية هذه السنة وربما ستحقق للمجتمع الدولي الشرعية التي يريد وسيحقق من خلالها مصالحه، لكن جروح الماضي، والانقسامات الداخلية في ليبيا، ومستقبل العدالة الانتقالية، و تلك الدماء التي سالت في الشرق والغرب والجنوب، والأمهات والثكالى سيسألون بأي ذنب قُتلت ولماذا؟! إن اختصار التحول الديمقراطي في العملية الانتخابية اختزال مفرط، وتجاوز لمنطق العقل والتاريخ وكل الليبيين يرددون: آه كم أخشى غدي هذا، وأرجوه اقتراباً.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي