تعتبر تركيا أن حقها في التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط لا يمكن لأحد نكرانه، وأن أي اكتشاف للغاز في المنطقة سيكون لتركيا نصيب فيه.

لا شك أن تركيا تقاتل على جبهات عسكرية ودبلوماسية عدة وعلى رأسها الجبهة المشتعلة منذ أكثر من 7 سنوات على حدودها الجنوبية مع سوريا بعد عمليتين مباشرتين هما درع الفرات وغصن الزيتون بالإضافة إلى عملياتها المستمرة شمال العراق وفي بعض مناطق تركيا ضد PKK الإرهابي.

أما على الصعيد الدبلوماسي فإن المعركة والتنافس الذي تخوضه تركيا أكثر اتساعاً، فهي تشمل علاقاتها مع قوى كبرى كالولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي وقوى إقليمية كالسعودية وإسرائيل وإيران وغيرها.

ولكن ثمة جبهة جديدة بدأت تتشكل حديثاً وتشعل أضواء إنذار أكثر خطورة بالنسبة إلى تركيا، وهي مرشحة بقوة لأن تعتلي سلم التهديدات على أمن تركيا متقدمة على التوترات في سوريا، وهذه الجبهة هي جبهة شرق المتوسط.

مع الاكتشافات الجديدة للموارد الكربوهيدراتية وبخاصة الغاز في مناطق شرق المتوسط وتحديداً في محيط قبرص (حوالي 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي وفق أقل التقديرات)، بدأت الأهمية الاستراتيجية للمنطقة تتزايد، ما أشعل التنافس الموجود أصلاً منذ عام 1974 وهو التاريخ الذي تدخلت فيه تركيا لحماية القبارصة الأتراك.

أدت الثورات المضادة إلى دخول تركيا في خصومة مع بعض الدول المؤثرة في الإقليم، على رأسها مصر التي تعد دولة مهمة في التأثير على شؤون شرق المتوسط. وقد قامت القاهرة فعلاً بترتيبات عدة مع قبرص الرومية واليونان اعتبرها البعض مناكفة لتركيا.

كما أدى تدهور العلاقات بين تركيا والكيان الإسرائيلي إلى تزايد التنسيق بين إسرائيل واليونان وقبرص الرومية، وبالتالي بدأت تتشكل كتلة من دول شرق المتوسط تجمع اليونان ومصر وإسرائيل وقبرص الرومية، تعمل على تحجيم دور تركيا ودفعها إلى خارج اللعبة.

وفي هذا السياق علينا ألا ننسى تراجع علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي منذ 2016، إذ بدت عملية استمرار مباحثات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عملية عبثية ولم يعد لتركيا أمل بالانضمام إلى الاتحاد. وقد انخفض سقف تركيا من الانضمام كامل العضوية إلى الحديث عن تعاون وشراكة في قضايا محددة.

برز الخلاف بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي من رفض الأولى السماح للشركات التابعة لها بالاستثمار في موارد الطاقة المكتشفة شرق المتوسط، ما لم تتحدد حصة القبارصة الأتراك في الموارد المكتشفة والتوافق عليها.

وقد حدثت مشاحنات مع شركة إيني الإيطالية إذ منعت تركيا الشركة من التنقيب. كما رد الرئيس أردوغان بقوة على الرئيس الفرنسي الذي انتقد تنقيب تركيا عن موارد الطاقة شرق المتوسط حينما قال "إن الرئيس الفرنسي طالب تركيا بالتوقف عن أنشطة التنقيب. ماذا تقول أنت؟ وماذا تفعل هناك أصلاً؟ نحن لدينا سواحل في هذه المنطقة. كما أننا دولة ضامنة في قبرص، وكذلك اليونان وبريطانيا ضامنتان. ولكن أنت ما صفتك؟ ليس لديك أي هوية هناك".

ومما يزيد الطين بلة بالنسبة لتركيا هو أن علاقاتها مع الولايات المتحدة تمر بواحدة من أسوأ مراحلها، إذ كانت الولايات المتحدة تقوم بضبط علاقة تركيا والاتحاد الأوروبي كحليفين لها. ولكن يبدو أن استمرار هذه السياسة في ظل إدارة ترمب الحالية أمر مشكوك فيه أيضاً. بخاصة مع بدء تنفيذ الولايات المتحدة عقوبات ضد تركيا وإخراجها من برنامج طائرات F-35 بسبب حصول تركيا على منظومة S-400 الروسية، ولا يزال هناك احتمال لمزيد من العقوبات ضمن قانون جاستا.

إذن في ظل تدهور علاقات تركيا مع الولايات المتحدة كقوة عظمى فقد أصبحت لدينا دول تنتمي إلى شرق المتوسط هي اليونان وقبرص الرومية وإسرائيل ومصر ولديها سياسة تتعارض مع سياسة تركيا، ودول لديها مصالح في شرق المتوسط وهي فرنسا وإيطاليا، ما يشكل جبهة بدت ملامحها في تشكيل منتدى غاز شرق المتوسط الذي استبعد تركيا حين التقى وزراء الطاقة من قبرص الرومية ومصر واليونان والأردن وإسرائيل، إلى جانب ممثلين عن إيطاليا والسلطة الفلسطينية في القاهرة لمناقشة التعاون الإقليمي في الغاز البحري، وقد أسفر ذلك عن إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط. واعتبرت تركيا أن هذا الاستبعاد لها هو أمر يشكل جبهة أو محوراً ضدها ولهذا بدأت التحرك العملي إزاء هذا الأمر.

تخشى تركيا أن يحرمها هذا المحور ويحرم قبرص التركية من حقوقهما من النفط والغاز في المنطقة. كما تخشى أن يحرمها أي ترتيب محتمل بين هذه الدول من طموحها لتكون مركز تصدير للغاز إلى أوروبا، ومن طموحاتها في القيادة الإقليمية. ولهذا بدأت تركيا في إجراء تدريبات عسكرية في المنطقة. وقال الرئيس التركي إن بلاده لن تسمح بخطط استخراج الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط إذا استُبعدت تركيا وحلفاؤها في جمهورية شمال قبرص، مؤكداً أن بلاده كما قضت على الإرهابيين في سوريا ستقضي "على إرهاب قطّاع الطرق شرق المتوسط".

بالإضافة إلى هذا بدأت تركيا التنقيب في منطقتها الخاصة وأرسلت سفينتَي "ياووز" و"فاتح" للتنقيب قبالة قبرص. وقد انتقد الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عمليات التنقيب التركية بالإضافة إلى سفينة "خير الدين بارباروس" وأعلن وزير الخارجية عن التجهيز لإرسال سفينة رابعة.

تشير عبارة أردوغان "كما قضينا على الإرهابيين في سوريا سنقضي على إرهاب قطّاع الطرق شرق المتوسط" إلى أن تركيا أضعفت بشكل كبير من خلال عمليتَي درع الفرات وغصن الزيتون والترتيبات الجارية مع واشنطن وروسيا وإيران درجات التهديد على أمنها في سوريا. كما أنها رتبت مع إقليم شمال العراق للقضاء على ما تبقى من تهديد تنظيم PKK الإرهابي.

ولهذا فإن التهديد الذي يحتل صدارة الأولويات لدى تركيا يأتي حالياً من شرق المتوسط. وهو تهديد كبير من دول المنطقة ومن دول الاتحاد الأوروبي التي باتت تشكل جبهة واحدة. وسوف يتعقد الأمر إذا دخلت روسيا على الخط إذ صرح وزير الطاقة الروسي مؤخراً بأن الشركات الروسية مستعدة للتعاون مع تركيا في التنقيب عن مصادر الطاقة التقليدية في المياه الإقليمية الواقعة شرق البحر المتوسط.

وجاء هذا مع قرارات أوروبية لعقاب تركيا لثنيها عن مواصلة التنقيب في المنطقة. لذلك تشير كل المؤشرات تقريباً إلى أن جبهة شرق المتوسط بدلاً من أن تكون فرصة للتعاون مع تركيا أصبحت تسخن تدريجياً ويمكن أن تفتح مواجهات في أي وقت قريب.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي