رئيس وزراء السودان المؤقت عبد الله حمدوك ورئيس المجلس السيادي الانتقالي عبد الفتاح البرهان (Others)
تابعنا

سؤال يطرح نفسه بقوة ضمن أسئلة أخرى، بعد الاتفاق السياسي الذي وقعه الرجلان في الخرطوم في الحادي والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني 2021 م.

جاء الاتفاق بعد الإجراءات التي اتخذها قائد الجيش في 25 أكتوبر/تشرين الأول إذ تضمن الاتفاق 14 بنداً، تعهد الرجلان بتنفيذها خلال ما تبقى من عمر الفترة الانتقالية في السودان، من بينها عدة بنود "لم يُوفَّقا" في تنفيذها طوال العامين الماضيين من عمر الفترة الانتقالية، منها تشكيل المجلس التشريعي وأجهزة العدالة من محكمة دستورية ومحكمة عليا، وتعيين رئيس للقضاء ونائب عام، وإكمال بقية المفاوضات ومؤسسات الانتقال الأخرى مثل مفوضية صناعة الدستور والمؤتمر الدستوري ومفوضية الانتخابات ومفوضية الإصلاح القانوني ومفوضية العدالة الانتقالية.

وهذه بنود رئيسية نصت عليها الوثيقة الدستورية الانتقالية الأولى الحاكمة للبلاد والتي وقّع عليها الطرفان المدني والعسكري في الرابع من أغسطس/آب 2019، بحضور شهود دوليين وإقليميين من الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي ودول الجوار. ووعد الطرفان بتنفيذها أكثر من مرة ووضعا مصفوفة بذلك في أكثر من مناسبة ولكن الحال استمر كما هو عليه، فعلى سبيل المثال نصت الوثيقة الدستورية الانتقالية الأولى على تشكيل "المجلس التشريعي" خلال ثلاثة أشهر من تاريخ التوقيع عليها، ومضى عامان ونيف ولم يتحقق ذلك، وكذا الحال بالنسبة إلى مؤسسات العدالة والمفوضيات التي أشرنا إليها آنفاً.

وعود الدكتور حمدوك

في أول مؤتمر صحفي له، عقده في القصر الرئاسي بالخرطوم عشية عودته إلى البلاد من إثيوبيا في 21 أغسطس/آب 2019 بعد تكليفه رسمياً المنصب، أعلن الدكتور عبد الله حمدوك عن جوانب من برنامج حكومته، والذي قال إنه "يستند على شعار الثورة (حرية وسلام وعدالة) وإن الأولوية القصوى ستكون لوقف الحرب وبناء السلام المستدام، والعمل على وقف معاناة أهلنا في معسكرات اللجوء والنزوح، والعمل على معالجة الأزمة الاقتصادية الطاحنة، وبناء اقتصاد وطني يقوم على الإنتاج، وليس على الهبات والمعونات، إضافة إلى إصلاح مؤسسات الدولة، ومحاربة الفساد، وبناء دولة القانون، والشفافية والعدل، ووضع سياسة خارجية معتدلة تأخذ المصالح العليا للبلاد كهادي لها، وتمثيل النساء التمثيل العادل والمستحق" وجميعها وعود نصت عليها الوثيقة الدستورية الحاكمة.

سلام منقوص

إذا أعدنا النظر في وعود د.حمدوك والتي نصت عليها بنود الوثيقة الدستورية لاحقاً، نجد أن جهداً مقدراً قد بٌذِل على صعيد وقف الحرب وتحقيق السلام، تَمثَّل في التوقيع على اتفاق جوبا للسلام في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 2020م بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية، التي تضم فصائل ومجموعات مسلحة، لكنه ظل سلاماً منقوصاً لأنه لم يشمل حركتين رئيسيتين هما الحركة الشعبية شمال التي تقاتل في منطقة جبال النوبة بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان التي تقاتل في إقليم دارفور بقيادة عبد الواحد محمد نور المقيم في فرنسا، فضلاً عن الخلل الذي لازم مسار شرق السودان في الاتفاق ونجم عن ذلك احتجاجات قادها رئيس المجلس الأعلى لنظارات البجا الناظر محمد الأمين ترك، الذي أغلق الطريق بين العاصمة الخرطوم وميناء بورتسودان الرئيسي على البحر الأحمر عدة أسابيع.

أما على صعيد الاقتصاد ورفع المعاناة عن كاهل الشعب السوداني، فقد اتبعت حكومة حمدوك وصفة صندوق النقد الدولي حرفياً، وتبع ذلك تحرير سعر العملة التي ضاعفت من معاناة المواطنين، فضلاً عن ارتفاع التضخم إلى درجات قياسية، رغم الإعلان عن رفع العقوبات الاقتصادية على السودان بعد رفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

حقوق الشهداء

نص الاتفاق السياسي الأخير في الفقرة السابعة على "إجراء تحقيق في أحداث وقعت في أثناء التظاهرات من وفيات وإصابات للمدنيين والعسكريين" وهي فقرة تبدو فضفاضة ويصعب تحقيقها، فمنذ فض الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش في الثالث من يونيو/حزيران 2019، شُكِّلت عدة لجان للتحقيق في فض الاعتصام الذي أوْدَى بحياة العشرات وآخرها اللجنة التي شكلها رئيس الوزراء د. حمدوك برئاسة المحامي نبيل أديب عضو إعلان قوى الحرية والتغيير في 22 سبتمبر/أيلول 2019 ومضى إلى الآن عامان على تشكيل هذه اللجنة، ولا تزال عاجزة عن إكمال عملها وإعلان نتائجها.

عقبات في الطريق

أبرز العقبات التي قد تعرقل تنفيذ اتفاق الفريق البرهان ود.حمدوك وإكمال ما تبقى من الفترة الانتقالية بنجاح وقيام الانتخابات، تتمثل في التدخلات الخارجية وتضارب مصالح القوى الغربية ودول الإقليم، فقد كانت للضغوط التي مارستها الولايات المتحدة والنرويج والمملكة المتحدة، أو ما تعرف بدول "الترويكا"، بالإضافة إلى مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة في السودان "فولكر بيرتس"، دوراً في صدور قرار إعادة الدكتور عبد الله حمدوك إلى المشهد من جديد، باعتباره الضامن لتنفيذ المشروع الغربي في السودان، والذي اتضحت ملامحه خلال العامين السابقين والرامي إلى إبعاد الدين عن الحياة السياسية. أما دول الجوار الإقليمي فقد تسعى إلى وضع عقبات في الطريق أمام إجراء انتخابات حرة نزيهة في البلاد خشية أن تعُّم "عدواها" في المنطقة.

يضاف إلى ذلك عراقيل قد تضعها "الحاضنة القديمة" المتمثلة في قوى إعلان الحرية والتغيير (أ) المنقسمة على نفسها، والتي كانت تسيطر على الحكم في البلاد ووجدت نفسها فجأة على قارعة الطريق بعد قرارات الخامس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2021، والتي قضت بفض الشراكة مع ما تبقى من مكونات "قوى الحرية والتغيير" وهي حزب "التجمع الاتحادي" المنشق عن الحزب "الاتحادي الديمقراطي" وحزب "البعث العربي الاشتراكي" وحزب "المؤتمر السوداني" وجناح من حزب "الأمة" بقيادة د.مريم الصادق المهدي، يضاف إليها الحزب "الشيوعي السوداني" الذي بدأ استغلال علاقاته بحركتي عبد الواحد محمد نور وعبد العزيز الحلو المتمردتيْن في تأجيج الصراع في بعض مناطق إقليم دارفور وفي منطقة جبال النوبة. كذلك تملك هذه الأحزاب القدرة على تأليب قطاعات واسعة من الشباب، ودفعهم للتظاهر ضد الحكومة، وهذا ما حدث فيما سميت بمليونيات السابع عشر، والحادي والعشرين، والخامس والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني.

إن ما ذكرناه يُعَدُّ أبرز التحديات التي قد تواجه تنفيذ الاتفاق السياسي بين قائد الجيش الفريق عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء العائد إلى منصبه الدكتور عبد الله حمدوك، والتي ربما توفر مبررات إضافية لإطالة أجل الفترة الانتقالية إلى ما لا نهاية.

ورغم أن الوقت لا يزال مبكراً، فمن جملة أربعة عشر بنداً احتوى عليها الاتفاق السياسي لم يُنَفَّذ حتى الآن سوى إلغاء قرار قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إعفاء رئيس الوزراء عبدالله حمدوك من منصبه، وإطلاق سراح بعض المعتقلين السياسيين، وتعيين رئيس للقضاء بقرار صادر عن رئيس مجلس السيادة، وهو أمر ينافي ما نصت عليه الوثيقة الدستورية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي