من صور الدمار الذي أحدثه القصف الإسرائيلي على المدنيين في غزة  (Mahmud Hams/AFP)

ما يجري من جرائم وعدوان إسرائيلي يستهدف الوجود الفلسطيني على أرضه هو امتداد للنكبة الفلسطينية، وحكومة الاحتلال الإسرائيلية لا تزال مسكونة بهاجس نفي الشعب الفلسطيني والاستيلاء على أراضيه ودفعه إلى الهجرة والتشريد من خلال قوانينها العنصرية وتعقيد ظروف حياته اليومية واستمرار القمع والعدوان والحصار والقتل اليومي والتمييز العنصري.

أولاً: التصعيد إسرائيلي متجاوز لكل الحدود، بدأ بمحاولة تطهير عرقي شديدة الوقاحة والانحطاط في الشيخ جراح وصولاً إلى حرب تدمير بشعة في غزة ومروراً بقمع شديد لانتفاضة فلسطينيي الداخل تضامناً مع انتفاضة القدس وأهالي الشيخ جراح، بجانب خروج المواجهات في كل مدن الضفة الغربية على الحواجز ونقاط التفتيش والمعابر التي بنتها دولة الاحتلال على مدار عقدين وزيادة. تلك المواجهات والاحتجاجات التي شملت الكل الفلسطيني على الرغم من عزل الفلسطينيين في الكانتونات والمدن المحاصرة وتضييق الخناق عسكرياً واقتصادياً واستيطانياً من كل الجهات مما يعني تشتيت القوة العسكرية الإسرائيلية وإنهاكها.

ثانياً: أثبتت صواريخ المقاومة الفلسطينية بكل أذرعها العسكرية بخاصة القسام ولأول مرة منذ سنوات طويلة أنها قادرة على إلحاق ضربات موجعة بإسرائيل بشهادة محللين عسكريين إسرائيليين. وهذه الصواريخ لم تطل فقط المستوطنات الواقعة ضمن غلاف غزة بل وصلت إلى شمال تل أبيب، أي على بعد 75 كم وفي بئر السبع والنقب، وأجبرت نحو 5 ملايين يهودي على نزول الملاجئ باتوا ليلتين بها.

هذا فضلاً عن الخسائر الاقتصادية التي كبدتها المقاومة للكيان الصهيوني التي بلغت وفقاً لمحللين اقتصاديين خلال الأيام الثلاثة الماضية 912 مليون دولار من طلعات الطائرات وثمن الصواريخ الباتريوت وتزويد الآليات بالوقود واستهلاك الذخيرة، هذا غير تعطيل حركة التجارة والمطارات وهبوط البورصة وتوقف معظم المؤسسات وأعمال البناء والمصانع وخطوط القطارات وتدمير البيوت والمحال التجارية، صحيح أن غزة تدفع ثمناً باهظاً لكن هذا قدر الفلسطينيين في كل مكان.

ثالثاً: من التطورات المهمة التي تشهدها الساحة الفلسطينية امتداد الانتفاضة إلى الداخل الفلسطيني، عكا والرملة والناصرة واللد وحيفا وسخنين وأم الفحم… إلخ.

أدرك الفلسطينيون في الداخل المحتل أنهم محميون بظهير شعبي فلسطيني أكثر عدداً من الكتلة السكانية اليهودية المتداخلة معهم في المناطق نفسها، الأمر الذي يحرم دولة الاحتلال ميزتين عسكريتين هو قصفهم بسلاح الجو أو السلاح التقليدي، ولم تستطع القوة الشرطية الإسرائيلية مواجهتها، ورفض جيش الاحتلال التدخل بقمعها كما أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو فاستعان بقوة حرس الحدود. ولم تكن كافية فاستعان بجحافل المستوطنين للهجوم على الفلسطينيين بأكثر من 70 موقعاً بفلسطين التاريخية فيما يعرف بالخط الأخضر مدججين بالأسلحة الفردية والبيضاء مدعومين بالأمن الإسرائيلي.

رابعاً: تراكم المواجهات وتنوعها يشكل ضغطاً على النظام العنصري الذي تفرضه إسرائيل على الفلسطينيين حتي يتغير. بمعنى أن البلاد لن تكون قابلة بعد اليوم لأن تُحكم بنفس السياسات العنصرية التي تنتهجها دولة الاحتلال من قوانين عنصرية وإجراءات تعسفية واعتقالات وإبعادات وتضييق اقتصادي في حق الفلسطينيين السكان الأصليين للبلاد الذين وجدوا في المواجهات اليومية في المدن العربية والمدن المختلطة والعصيان المدني والإضرابات حلاً وحيداً لانتزاع الحقوق.

كذلك فإن السكان اليهود وعوا جيداً أن تلك الدولة لم تعد آمنة ولا هي الجنة الموعودة التي أراد مؤسسوها لها ذلك، وأن كل الدعاية الصهيونية بشأن الديمقراطية والمساواة والعدل والتطور التكنولوجي والاقتصادي ودولة الرفاه أصبحت أكذوبة من صناع القرار السياسي ولمصالحهم الخاصة، وأن تلك الدولة أصبحت دولة المتدينين المتطرفين الذين يشكلون عبئاً على هذا البلد ويديرون في الحقيقة سياسته وتوجهاته مما يشكل خطراً إضافياً عليهم وعلى استحقاقاتهم المدنية.

خامساً: مظاهرات التضامن مع الفلسطينيين في كل أنحاء العالم لعبت دوراً مهماً في دعم صمود أهالي الشيخ جراح وغزة على الرغم من الإمكانيات الضخمة التي تملكها إسرائيل واللوبي الصهيوني في كل وسائل الإعلام التقليدية وصفحات التواصل الاجتماعي بوقف وتزييف وتعطيل كل أشكال الدعم الدولي ونقل الحقائق وفضح جرائم الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين لم يكن مسبوقاً، ويعمل على وجود نقلة نوعية في حركات التضامن للشعب الفلسطيني بعد أن خفت صوتها لسنوات طويلة.

وكما قيل: "الظلم خطر على الظالم كما هو خطر على المظلوم" وليس لدى الفلسطينيين ما يخسرونه أكثر مما خسروه، وإن جرى وقف إطلاق النار أو حصلت هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس أو انتهت هذه الموجة من تحرير كل فلسطين يوجد شيء تغير بالفعل ليس في الوعي الجمعي العالمي بل في العقل الجمعي الفلسطيني في فلسطين وخارجها، بل شيء تغير بدولة الأبارتهايد الإسرائيلية أي داخل الوعي والعقل الجمعي للسكان اليهود وخارجها من المتضامنين والداعمين لهذه الدولة العنصرية.

كل ما فعله الفلسطينيون بهذه الانتفاضة هو الدخول في العاصفة مباشرة، أغمضوا عيونهم وسدوا آذانهم وفردوا أذرعهم ومددوا أجسادهم وساروا نحو البلاد. هناك حيث لا يوجد غير صوت الريح، لا شمس ولا قمر ولا زمان، فقط دوامة من رمال بيضاء محببة تركت ندوباً في أجسادهم منذ طفولتهم في المخيمات والمعازل والمعتقلات والسجون والمعابر ونقاط التفتيش اليومية، ندوب تكونت قذائف وشظايا وانفجارات، من طائرات حربية فرضت علينا الموت، من الموت الذي ضل طريقه إليهم ذات غارات فعاشوا بمحض المصادفة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي