بدأت مصر في استيراد الغاز الطبيعي من أكبر حقل للغاز البحري تستحوذ عليه إسرائيل في شرق المتوسط في خطوة نحو تحويل مصر إلى أن تصبح مركزاً إقليمياً للطاقة وسط شكوك في ظل سماح النظام المصري لهذا الغاز بالدخول إلى السوق المحلي.

"ما يزعجنى هو أن القضية سيضيع فيها مزيد من الوقت، وبالتالى ضياع المزيد من أموال مصر، طالما أنها ستستمر فى تصدير الغاز لإسرائيل" بهذه الكلمات عبّر السفير المصري الراحل الدكتور إبراهيم يسري عن غضبه وقلقه على أموال مصر وهي تمضي قدماً في صفقة تصدير الغاز المصري إلى إسرائيل.

وهي الصفقة التي وقّعتها الحكومة المصرية عام 2005، وتقضي بتصدير 1.7 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي لمدة 20 عاماً، بثمن يتراوح بين 70 سنتاً و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية، في حين كان سعر التكلفة 2.65 دولار، كما حصلت شركة الغاز الإسرائيلية على إعفاء ضريبي من الحكومة المصرية لمدة 3 سنوات من عام 2005 إلى عام 2008، وهي الاتفاقية التي لم تعرض على البرلمان في مخالفة صريحة لنصوص الدستور المصري القائم وقتها.

مسيرة نضالية طويلة بدأها السفير ابراهيم يسري ضد التفريط في الغاز المصري وقف فيها ضد الحكومة المصرية قضائياً. ولم يكن يعلم أن بعد وفاته بأقل من عام أن ستتحول مصر من مصدر للغاز الطبيعي إلى مستورد له ومِن مَن؟ من إسرائيل.

وهذا بلا شك تحول يطرح ألغازاً كثيرة حول دوافع وأسباب هذه الصفقة، ومدى جدواها على دولة بحجم مصر لديها اكتفاء حقيقي من الغاز الطبيعي بعد اكتشاف حقل "ظهر" بواسطة شركة "يني" الإيطالية.

"مليارات الشواقل ستحول لرفاهية المواطنين الإسرائيليين. وهذا هو حدث اقتصادي ودبلوماسي كبير لأنه يحمل في طياته بشرى مهمة جداً عبارة عن تحالف أقامته إسرائيل في شرق المتوسط" بهذه الكلمات المحملة بالبهجة عبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن سعادته البالغة ببدء تصدير الغاز إلى مصر. وهي الخطوة التي سبقها بأيام قليلة البدء في تصدير الغاز من إسرائيل إلى الأردن وهو القرار الذي أثار غضباً شعبياً وبرلمانياً في المملكة الهاشمية.

خلال السنوات القليلة الماضية، اكتشف العالم منطقة غنية بإمدادات الطاقة. حيث تم اكتشاف ثلاثة حقول غاز كبيرة هي " ظهر وتمار، وليفيثيان"، وهذه الاكتشافات أكسبت المنطقة اهتماماً دولياً كبيراً، وجعلتها منطقة للنزاع على النفوذ الإقليمي.

وفي الوقت نفسه قدمت تحدياً جيوسياسياً كبيراً لقادة الدول الكبيرة في المنطقة. وبات عليها الاتفاق على آلية الاستفادة من هذا المخزون الاستراتيجي الكبير للغاز في المنطقة، مع حاجة السوق الأوروبية وخاصة الدول المستهلكة للطاقة إلى الاستفادة من هذه الوفرة الكبيرة في الطاقة.

فوفقاً لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، والشركات العاملة في التنقيب عن الغاز في منطقة شرق المتوسط ​، فإن المنطقة تطفو على بحيرة من الغاز مع مخزون يقدر بـ 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، و 1.7 مليار برميل من احتياطي النفط.

تقدر حصة مصر من هذه الثروة بنحو 850 مليار متر مكعب، وقبرص بنحو 140 مليار متر مكعب، بينما تستحوذ إسرائيل على 310 مليارات متر مكعب من مخزون الغاز العربي. مع العلم أن إسرائيل هي أول من اكتشف مخزونات الغاز في أعماق شرق البحر الأبيض المتوسط ​​في عام 2009.

الجانب الإسرائيلي تحرك في هذه الاتفاقية من منظور سياسي يمنح دولة الاحتلال لأول مرة نفوذاً حقيقيّاً فيما يتعلق بالقرار السيادي المصري. فالصفقة لا تتعلق بتصدير الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا بعد إسالته في محطات التكرير المصرية. ولكنه سيستخدم مباشرة في السوق المحلية المصرية. وهو ما أكدته صفحة إسرائيل بالعربية. وهي صفحة تابعة لوزارة الخارجية الإسرائيلية تعليقاً على بدء تصدير الغاز إلى مصر.

أشارت الصفحة إلى أن هذه الصفقة تنص على استخدام الغاز الإسرائيلي في السوق المحلية المصرية. وهو ما يعني الانتقال من مرحلة التنسيق الأمني المستمر منذ 2013 بين نظام السيسي ودولة الاحتلال في منطقة شمال سيناء إلى مرحلة أكبر وأخطر من التطبيع فيما يتعلق بملف الطاقة.

إسرائيل من الآن ولمدة خمسة عشر عاماً ستتحكم بنسبة كبيرة في أي قرار مصري عن طريق التحكم في جزء كبير من الطاقة التي تحتاجها السوق المحلية المصرية. ولن تستطيع مصر مخالفة ذلك وإلا ستتعرض لعقوبات دولية واقتصادية كبيرة.

نتنياهو لم يكن يمزح إذن عندما قال إن إسرائيل تحولت لقوة عظمى في ملف الطاقة. وهنا أتذكر مقولة عبد الفتاح السيسي الشهيرة التي قالها تعليقاً على إبرام هذه الصفقة "جبنا جول" وهي تعني أن مصر أحرزت هدفاً بمفهوم كرة القدم فيما يخص ملف الطاقة؛ حيث أوضح السيسي أنه يسعى بهذه الصفقة مع إسرائيل إلى جعل مصر مركزاً للطاقة في المنطقة ولكن يبدو أنه أحرز هدفاً في مرماه دون أن يدري.

حماية الأمن القومي وتر حساس وخطير للغاية استطاع النظام المصري ورئيسه أن يدغدغ عواطف الشعب المصري بالعزف عليه، وتصدير صورة أن جنرالاً عسكرياً ومديراً سابقاً للمخابرات الحربية هو فقط الأجدر بحماية أمن مصر القومي، بما له من خلفية عسكرية ولكن إذا وضعت فشله في ملف سد النهضة والخطر الحقيقي الذي يهدد أمن مصر المائي إلى جانب التهور الشديد الذي يتعامل به في الملف الليبي ومحاولة التصعيد المستمر ضد تركيا، وأضفت إلى ذلك الأضرار الجسيمة التي ستجلبها صفقة استيراد الغاز من إسرائيل، كل ذلك يهدم ما بناه السيسي كونه الضمانة لحماية الأمن القومي المصري من أي خطر قادم وليتركنا مع ما نعيشه الآن من ألغاز صفقة الغاز.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي