مع اقتراب الإعلان عن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين والمسمّاه بصفقة القرن يتصاعد القلق في الأردن خصوصاً مع التكهنات التي تتحدث عن ضم غور الأردن للسيادة الإسرائيلية.

النخب الأردنية بدأت بنثر حصى "التوجس" على زجاج الغموض السياسي. فهناك قلق غير مسبوق حيال المستجدات المتعلقة بمواقف القوى الدولية، ودولة الاحتلال من "حلّ الدولتين" وربط ذلك بالأوضاع الداخلية الفلسطينية، والانقسام السياسي والجغرافي الذي أضعف الحضور الوطني الفلسطيني إلى حدود غير مسبوقة.

إعلان رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حول نيته ضم الضفة الغربية أو أجزاء كبيرة منها، ومن قبله تصريح وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، بأن "المستوطنات" بالضفة الغربية قانونية وشرعية، وكذلك نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، ما هي إلا معالم ودلائل لمخطط متكامل لتصفية القضية الفلسطينية. فالجميع متيقن، رغم أنهم متخوفون من البوح، بأن الأردن سيكتوي بنيرانها أكثر من جهة.

نخب أردنية تستيقظ وتطرق الخزان

الاشتباك مع التجاوزات الإسرائيلية والتصريحات اليمينية "الإسرائيلية والأمريكية" كانت تلقى بروداً من قبل النخبة الأردنية، وكان التساؤل: أهو قرار دولة أم تردد نخب؟ لا سيما أن ملف الخارجية برمته هو في جعبة الملك عبد الله.

لكن في الآونة الأخيرة، ومع تنامي التحرش الإسرائيلي بالأردن، واستمرار الإساءات الموجهة للملك، وكذلك، مع تصريحات سفير الولايات المتحدة الأمريكية في إسرائيل عن الضفة الغربية وتسميتها "يهودا والسامرة" ووصف الوجود الأردني في الضفة قبل 1967 بالاحتلال، بدأت النخب الأردنية الرسمية "سابقاً" تتململ وتتحدث، والملاحظ أن معظم هذه النخب كانت جزءاً من مفاوضات السلام مع إسرائيل.

من هي النخب التي غادرت الصمت؟

على رأسهم معروف البخيت، رئيس وزراء سابق وسفير أردني سابق في إسرائيل، ويعتبر خبيراً بالإسرائيليين ودهاليز تفكيرهم، غاب عن الساحة السياسية لعامين، وإذ به يطل علينا بحديث يحذر مما يطبخ بحق الأردن تحديداً تجاه القضية الفلسطينية.

قبل البخيت، تراجع موقّع ومهندس اتفاقية وادي عربة، الدكتور عبد السلام المجالي، رئيس وزراء سابق، عن مقولته الشهيرة وقوامها أن "وادي عربة دفنت الوطن البديل". وخلال أقل من ربع قرن بدأ سياسيون ينقلون عن المجالي قوله بأن السلام لم يدفن هذا الخيار.

وقبل الجميع، أسس وزير الخارجية الأسبق الدكتور مروان المعشر الناطق باسم الوفد الأردني في محادثات السلام وسفير عمّان لدى إسرائيل سابقاً لقاعدة الاشتباك الأساسية عندما رفع شعار: "إسرائيل انقلبت على السلام وعلينا"، جملة يرددها الآن بإيمان، ويقترح مقاربة جديدة للتعامل مع إسرائيل.

هناك أيضاً طاهر المصري، رئيس وزراء الأردن إبان مؤتمر مدريد للسلام، والشخصية العريقة الخبيرة بإسرائيل، لا ينفك يتحدث عن خطر قادم يتعلق بالقضية الفلسطينية، وهذا الخطر سيمس الأردن وسيتلاعب بهويته.

وتعد من أبرز أدبيات الخطاب الذي يتصف بالقلق للنخب الأردنية ما يتعلق بأن فرضية نهاية "حل الدولتين" من شأنها أن تهدد بشكل جذري مستقبل القضية الفلسطينية وثوابت الأردن وخياراته. كما أن الأردن يرفض أن يكون مجرد ورقة تفاوض بأيدي أطراف أخرى تتلاعب بمستقبل القضية الفلسطينية. وأن الأولويات العربية اختلفت والحل المجتزأ سيكون على حساب الأردن وفلسطين معاً.  

كل ذلك نابع من قناعة بأن المنطقة بشكل عام، والأردن وفلسطين بشكل خاص، يواجهان أخطر مرحلة في الحياة السياسية، ويأتي ذلك وسط "تواطؤ" عربي في الرد على الإدارة الأمريكية وإعلاناتها المنحازة للكيان الصهيوني، ومن قبلها عصابات الاحتلال.

لم يعد الحديث عن مصالح الدولة بل عن أمن وطني مهدد

الجديد في خطاب النخب الأردنية، هو الانتقال من الحديث عن مصالح الدولة العليا المتعلقة بما يجري في فلسطين، إلى الحديث عن مخاطر تتهدد الأمن الوطني الأردني.

إن ضم الأغوار لإسرائيل، ووضع المستوطنات في الضفة تحت بند القانون الإسرائيلي، كل ذلك يعني شطب الجغرافيا الفلسطينية، والإبقاء على الفلسطينيين كمشكلة ديموغرافية "سكان بلا وطن".

بالنسبة للنخب الأردنية، هذا يعني تصدير المشكلة للأردن، وبالتالي وضعه في مواجهة تغييرات بنيوية في هويته وتركيبته السكانية مما يعني تعريض أمنه الوطني وسلمه الأهلي للخطر.

إن النخب التي رفعت صوتها في الآونة الأخيرة، معظمها، من النخب التي آمنت وشاركت بعملية السلام الأردنية الإسرائيلية، والتي كانت تعتقد أن "وادي عربة" طريق لنهاية التهديدات الوجودية للأردن.

لذلك تبدو تلك النخب قلقة، تعتريها حالة عدم اليقين، مما دفعها للخروج عن صمتها بطريقة شديدة اللهجة، مما اعتبره كثير من المراقبين دليلاً حاسماً على اقتراب المخاطر.

نحتاج إلى خطة وتنسيق أقوى مع الفلسطينيين

إن التخلي عن مبدأ "حل الدولتين" يؤكد أن الحل سيكون على حساب الأردن، ومن قبله على حساب الشعب الفلسطيني، فالتخلي عن ذلك "المبدأ"، سيقود حتماً إلى إنهاء أو إلغاء ملفات الوضع النهائي: اللاجئون والأمن والقدس والمياه والحدود، وحتمًا ليس ذلك لصالح الأردن أو فلسطين.

لذلك لابد من وضع تصوّرات جديدة وتقديم اجتهادات بشأن القضية المركزية الأولى وهي القضية الفلسطينية، بكل أبعادها المتداخلة مع المصالح الوطنية الأردنية، دون تفريط لا بثوابت القضية الفلسطينية ولا بالمصالح الوطنية الأردنية.

إن التصدي للمخططات الصهيونية والأمريكية يستدعي وحدة الساحة الفلسطينية، وإعلان توجهها الكامل والتنسيق التام مع الأردن الذي يتوجب عليه الاستمرار في توفير الدعم والمساندة الكاملين للشعب الفلسطيني، والانفتاح على كل قواه "حماس والجهاد وكل الفصائل".

أما الانغلاق الإقليمي فيجب عدم الاستسلام له، فهناك دول يمكن أن تدعمنا في هذا الملف، ولعل مواقف تركيا من الشأن الفلسطيني مما يمكن البناء عليه واستثماره والتنسيق معه.

نخب الأردن بدأت تتحدث وتغادر المسكوت عنه، وهذا تطور جيد ولافت، وفي تقديري أن الأردن يحتاج إلى خطة عمل حقيقية لمواجهة هذا التحدي الوجودي.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي