يعتبر عرض ما سمي بـ"صفقة القرن" تحولاً جذرياً في الشرق الأوسط والمنطقة برمتها يعصف بكل القواعد الجارية في المنطقة ويُدخلها ثقباً أسود.

كانت المعادلة هي أن القضية الفلسطينية هي جوهر الصراع العربي الإسرائيلي، مع ما يتضمن ذلك من إقرار حقوق الشعب الفلسطيني بناء على الشرعية الدولية، ومحورية القدس، وأهمية ملف اللاجئين، في سياق نهاية الحرب الباردة، رغم التلكؤ الذي كانت الإدارة الإسرائيلية تبديه في الالتزام بما وقعت عليه، إلى أن تنصلت عملياً بعد رفض الطرف الفلسطيني عرض الرئيس الأمريكي كلينتون في منتجع كامب ديفيد عام 2001 لأنه يُشرعن لسيادة إسرائيلية على القدس، وهو ما أدى إلى قيام ما عُرف بالانتفاضة الثانية. منذ ذلك التاريخ واتفاق أوسلو في موت سريري.

"صفقة القرن" تعلن وفاة الاتفاق بإنهاء وهم التعامل مع الطرف الإسرائيلي و"الوسيط النزيه". وتؤشر إلى فصل جديد من التوتر في علاقة الغرب بالعالم الإسلامي.

ليس من قبيل الحذلقة القول بأن "صفقة القرن" تعبير عن صفاقة، تلغي الطرف الفلسطيني من الاتفاق لكي يُستدعى فقط ليلف حبل المشنقة حول رقبته. يأتي ذلك بعد سلسلة من الإجراءات التي تنزع من الولايات المتحدة أي موضوعية أو مصداقية بعد الإقرار بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والاعتراف بسيادة إسرائيل على المستوطنات في الضفة، وضم مرتفعات الجولان وغور الأردن.

في النهاية، يتم تقديم عرض يحيل فلسطين إلى أرخبيل غير قابل للحياة، يشرعن عملياً لنظام أبارتايد في ظل بانتوستان، أو محمية إسرائيلية. والأدهى هو التهديد بأنه آخر عرض.

الولايات المتحدة كما إسرائيل تدرك الوضع القائم عليه العالم العربي لكي تعرض الصفقة في هذا الظرف والسياق، مع ما يعرفه من تمزق شديد ووهن كبير، وتغيير مسلسل الأولويات بداخل الدول، مما وقفت عليه الصحافة الإسرائيلية وركزت عليه عقب الإعلان عن الخطة، واعتبرته نكبة أخرى، وتغيير طبيعة التناقضات بالنسبة لكثير من الأنظمة العربية التي قد ترى في إسرائيل حليفاً ضد "الإمبريالية الفارسية والتغول الشيعي".

لكن هل هذه التغييرات كافية لطيّ القضية الفلسطينية، والتعلل بالمقولة الإسرائيلية، بأن الفلسطينيين لا يفوتون فرصة كي يفوتوا الفرصة، أو ما نقله وزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد في تغريدة له محذراً الفلسطينيين من تفويت الفرصة؟

رغم الصمت المريب الذي ران على بعض الحكومات العربية، عبرت الشعوب عن شجبها للخطة، واضطُرت الحكومات إلى الصمت، أو بعضها اضطر للتعلل بالدراسة. كان لافتاً كذلك موقف الجامعة العربية، رغم الضعف الذي هي عليه، وغيابها شبه التام، أنها شجبت الخطة، وهو مما سيلجم كثيراً من الحكومات عن التأييد لها، وهو التأييد الذي لن تستطيع الجهر به الآن، فيما شجع دولاً أخرى على رفضها، كما هو حال الجزائر وتونس.

قبل شهور كنتُ في لقاء مع مسؤول دبلوماسي بريطاني، عقب ضربة أرامكو، مع ثلة من السياسيين وأصحاب الرأي من المغرب، وكان مما سأله الدبلوماسي البريطاني: ألا ترون أن القضية الفلسطينية فقدت وهجها، وأن الطابع "العاطفي" الذي غلب على الداعين لها أخذ يخفت في العالم العربي؟ وكان مما رد به سياسيّ مغربيّ، ووزير سابق، من الحزب الاشتراكي، أن القضية الفلسطينية ولو هي فقدت تجذرها في المنظومة العربية، فهي قد تحولت، إلى آسيا، حسب تعبيره. كان هو التعبير المستعمل من قِبل القيادي الاشتراكي المغربي، لأنه بحكم مرجعيته، لم يكن ليحيل على دول إسلامية، وهو يعني بالأساس تركيا وإيران وماليزيا.

القضية الفلسطينية لن تبقى جوهر الصراع العربي الإسرائيلي، ولكن ستنتقل لكي تصبح إحدى بؤر التوتر في علاقة الغرب والعالم الإسلامي. أي أن مداها سينتقل من المدى العربي إلى البعد الإسلامي.

إلى ذلك، لم تُبد أوروبا تأييداً لخطة ترامب، مما سيفقد الخطة أي دعم غربي، عدا صاحبتها الولايات المتحدة، وحليفتها بريطانيا. وقد اعتبرتها روسيا مخالفة للشرعية الدولية. روسيا التي تتطلع إلى الاضطلاع بدور في المنطقة، وتبني سياستها الخارجية على التوازن مع الولايات المتحدة، في لعبة تكاد تشبه لعبة الحرب الباردة لا يمكن أن تدعم الطرح الأمريكي، لأن ذلك سيرهن أي دور لها في المستقبل بالمنطقة، رغم محاولات التودد الإسرائيلي إليها. مثلما أن فرنسا رفضتها، والمجموعة الأوروبية لم تزكّها.

"الصفقة" وُلدت ميتة، ولكن تداعياتها ستكون كبيرة.

على المستوى العربي ستزداد حدة التوترات بين الأنظمة والشعوب، كما بدا من تخاذل الأنظمة حينما ضُربت غزة سنة 2009 مما كان من أسباب عديدة وراء الغضب الذي تفجر في الربيع العربي.الصمت الذي التزمته بعض الأنظمة حول صفقة القرن، أو اللغة المنمقة تجاهها هو التحسب لردود فعل الشارع.

ستزداد بذات الوقت حدة التوترات بداخل العالم العربي بين أنظمة "الاعتدال" و"الواقعية"، والأنظمة الأقرب إلى توجهات شعوبها، حول قضايا آنية، داخلية أو خارجية، من قبيل المشاركة الشعبية والتمثيل الديمقراطي، أو حول بؤر توتر، كما في اليمن وليبيا، وسيضاف إليها الموقف من القضية الفلسطينية، كمؤشر تمايز.

لكن التوتر الأكبر، هو في علاقات الغرب والعالم الإسلامي. "صفقة القرن" فصل من الفصول المتوترة في علاقات الغرب والعالم الإسلامي، منذ الاستعمار والقولبة التي أجريت عقب الحرب العالمية الأولى، من خلال التقسيم وإقامة مناطق نفوذ، ثم ما بعد موجة الاستقلالات، من خلال التدخلات. الممالأة الأمريكية المطلقة لإسرائيل، من شأنها أن تؤجج سوء الفهم ما بين الغرب والعالم الإسلامي.

الأحادية القطبية التي كانت تقودها الولايات المتحدة، في أعقاب سقوط حائط برلين كانت تخدم إسرائيل، ولكن تغيير قواعد اللعبة الدولية، وبزوغ أقطاب جديدة، على المستويين العالمي والإقليمي، لن يحكم على القضية الفلسطينية بالضمور، على خلاف ما راهن عليه عتاة اليمين الإسرائيلي وحلفاؤهم في واشنطن. ولا تزال القضية الفلسطينية إحدى بؤر التوتر الكبرى في علاقات الغرب مع العالم الإسلامي، ولن يخمد ذلك التوتر إلا بحل القضية الفلسطينية بناء على الشرعية الدولية، وليس عن طريق ديكتات.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي