أفغانستان (Getty Images)

أفغانستان بوصفها استشراقية

كم منّا يستطيع التعرف على شاعر أفغاني مثل غول زهوانداي (توفي عام 1988) أو عالم الرياضيات صدّيق أفغاني (مواليد 1958)؟ وقد لا يتصور كثيرون وجود أية صلة بين أفغانستان والعارف المتصوِّف الإسلامي الكبير جلال الدين الرومي (ولد في بلخ 1207 وتوفي في قونية عام 1273). في أحسن الأحوال قد يسترجعون اسم خالد حسيني مؤلف الرواية الشهيرة "The Kite Runner - عدّاء الطائرة الورقية". ومع ذلك يجري الخلَط بسهولة بين أفغانستان وطالبان. ويفشل العديد من طلابنا في ذكر اسم واحد لهؤلاء اللامعين. ومع ذلك لديهم فكرة غامضة عن قادة طالبان عبد الغني برادر والراحل ملا عمر.

وحتى المخرجة الأفغانية الفائزة بإحدى جوائز مهرجان كان، شهربانو السادات، والمخرجة صحراء كريمي، لا تُذكران اليوم إلا في سياق هروبهما من حركة طالبان التي يشار إليها عامةً على أنها رجال قبائل "أصوليون" و"متشددون" وعنيفون من قبائل البشتون.

وفي الخلط بين طالبان وأفغانستان يُضفى الطابع المستشرق على دولة بأكملها، وعلى حد تعريف إدوارد سعيد للاستشراق فإنَّ "أسلوب التفكير" حول هذا البلد المسلم في آسيا الوسطى يعيد إنتاج الثنائية المعرفية التي تضع أفغانستان في مواجهة العالم بأسره وبخاصة دول أوروبا وأمريكا الشمالية. في مثل هذا الأسلوب ينسحب التنوع بمواجهة الأحادية ويُطمَس النسيج الثري متعدد الأعراق الذي يتألف من أفغانستان (بدءاً من البشتون والطاجيك والأوزبك والتركمان والهزارة والقيرغيز والسادات والباميرية والغوجر وغيرهم) أو على أقل تقدير يتعرض للتهميش. وهذه حالة واضحة من العنف المعرفي مثلما ترى الناشطة والناقدة الأدبية الأمريكية من أصول بنغالية سيراهن سبيفاك، لأنَّ أفغانستان وفق الصورة المرسومة لم تعد المجموع الكلي لهذه الأعراق وصارت تُعمَّم على أنها "طالبانية" مجردة من الثقافات "الحقيقية" والشعوب "المتحضرة"، بخريطة أشبه بالباشتون.

وهكذا وعلى نحو شبه دائم فإنَّ الانعكاس الذي يظهر في المقدمة هي أفغانستان المتخلفة ثقافياً والفوضوية سياسياً والمُشرّذمة اجتماعياً. ويُغَض الطرف عن الغزو السوفيتي السابق في عام 1979 وحرب السنوات العشر، ونظيره الأمريكي الذي استمر ضعف مدة هذا الغزو وبطشه، وعواقب كل صراع. وعانى جميع الأفغان استخدام أكثر الأسلحة تطوراً في العالم على الرغم من حقيقة أنَّ معارك الأمريكيين وحلفائهم كانت بالدرجة الأولى مع طالبان.

33 ألف طفل أفغاني قتلوا وشوهوا على مدار 20 عاما (AFP)

خريطة علاقات القوى

تتعلق إحدى سمات الخطاب المُهيمِن بالإفراط في تبسيط التصنيفات في سياق الإنتاج الثقافي الاستشراقي، إذ يعمل التعميم والاختزال جنباً إلى جنب. لاحظ كيف ترتكز المبالغة الحالية التي تحيط بفئة "الأمن" على كتابة غير نقدية عن أفغانستان. ويُقرأ الرحيل المفاجئ لـ"المُستَعمِر" (الولايات المتحدة وحلفائها) من منظور التهديد المستقبلي (المُتصوَّر) والعنف والاضطراب وانتهاكات حقوق الإنسان من قبل "المُستَعمَرين". وتميل المعاني الضمنية لانتقادات بايدن إلى إبراز هوس السياسة الواقعية بتوازنات القوى وتهديدات الأمن القومي والاضطرابات التي يواجهها أصدقاء الولايات المتحدة في آسيا الوسطى، بينما بالكاد تُذكَر الفوضى والوفيات التي سببها المُستَعمِر، وما يُكتفَى بذكره أنَّ المُستَعمَرين خاسرون محتملون في مستقبل غير محدد.

ومن ثم فإنَّ الضجيج الليبرالي عن حماية المدنيين المُهدَّدين من الأعمال العنيفة والانتقامية لطالبان، على الرغم من كونه مبرراً، لا يخفي حقيقة وجود تفضيلات باستمرار الغزو.

وفي هذا السياق، العلاقات الدولية الواقعية مذنبة بالبناء "الماهي" للفئات، والديناميات المزدوجة لـ"الذات مقابل الآخر" لها دور هنا أيضاً، بمعنى أنَّ عدم أمان الآخر لا يمثل عبئاً أخلاقياً على الإطلاق في حسابات القوة من حيث القوة النارية، على سبيل المثال الحفاظ على أمن الذات عند الانخراط أو فك الاشتباك مع الآخر عسكرياً. ويمثل هذا قصوراً أخلاقياً شكَّك فيه النسويون بوضوح من بين نماذج العلاقات الدولية المتنوعة. وككل "الآخرين" من "الذات الأخرى"، فإنَّ الممارسة الواقعية لصُنع المعرفة (كالأمن والقومية) والسياسة (الديمقراطية الليبرالية) تعيد إنتاجهم باعتبارهم عملاء متدني المنزلة، وكائنات "مشبوهة" (آن تيكنر)، وقبل كل شيء غير آمنين.

وهذا هو السبب في أنَّ الضرر البنيوي الذي خلّفته 30 عاماً من الحروب الغربية على الأفغان لا يُعطى الاهتمام الواجب باعتباره يضر بالأمن البشري للنساء والرجال. وعلى الرغم من العنف فإن طالبان ليست الفاعل الوحيد المذنب الفعلي أو المحتمل بممارسة القمع، فقد أثبت نظام إعادة الإعمار الكامل الذي أتبعه المُستَعمِر والذي تأسس على جميع أنواع المذاهب (الإنسانية والعالمية والأبوية والنسوية الليبرالية)، هيمنة محتواه على الدوام. واليوم لا يسع المرء إلا التساؤل عن فائدة إعادة الإعمار (تطبيقياً ونظرياً) المدعوم منذ سنوات بالجيوش والأموال (التي ابتلع أكثرها المنظمات غير الحكومية المدنية التي تطلُب الحماية) والذي لم يثبت قيمته بأنه أداة ذاتية التجديد. ولولا ضمور إعادة الإعمار الذي قاده المُستَعمِر لما قرأ المرء اليوم عن الأفغان كأنهم مجرد أشياء.

فقد بُنيَ الأفغان في الأساس في صورة أدوات للكتابة الاستشراقية، ونساء محتاجات إلى الحماية (ما تسميه ليلى أبو لغد "إنقاذ النساء المسلمات") وأشخاص محتاجين إلى الإنقاذ. فبدلاً من تمكينهم من التجديد الذاتي على قدم المساواة مع المُستَعمِر يُصوَّر الأفغان اليوم باعتبارهم معرضين للخطر، وقوة متدنية. وحسب بعض الروايات ربما يستحقون إعادة غزو أفغانستان، ربما في محاولة أخرى لـ"تمدين" رجال القبائل البشتون.

المرأة الأفغانية (Others)

إرادة المعرفة… أنظمة "الحقائق" الاستشراقية

وفقاً للنظرية الفوكوية فإنَّ الكتابة عن أفغانستان وبنائها تُنقَل عبر خطابات لا تُقابَل بتساؤلات. وفيما يتعلق بأفغانستان فإنَّ مثل هذه الخطابات في الوقت الذي يصارع العالم فيه مع الانسحاب الأمريكي ترتكز على أطر إرادة المعرفة الخاصة بالتمثيل والتفكير. وفي مثل هذه الأطر تُمرَّر حقائق الأنظمة المهيمنة باعتبارها عالمية، وهذا جزء لا يتجزأ من إعادة إنتاج الثنائيات لإبراز تضارب الذات، حيث الصور النمطية لمراكز القوة (العسكرية أو الاقتصادية أو من حيث الإنتاج الثقافي) تُفرَض باعتبارها الإدراك عن "الآخر".

كما هو الحال في "اللعبة الكبرى" في ثلاثينيات القرن التاسع عشر يتوازى لعب القوة مع اللعب بالكلمات، وفي بعض الأحيان يكون التلاعب بالكلمات هو الأكثر ديمومة وخطورة، ففي النهاية تغادر الجيوش. فقد اضطر البريطانيون إلى المغادرة بعد الحروب الأنجلو-أفغانية الثلاث التي شهدت السعي وراء وهم أفغانستان المهزومة بالكامل على حساب الخصوم الروس في آسيا. وثبت أنَّ هذا السعي كان "غبياً"، وهي الكلمة ذاتها التي استخدمها دوق ويلينغتون عام 1838 لتسجيل معارضته لغزو أفغانستان أمام البرلمان. ولا يمكن لأية لعبة بالكلمات أن تُمرَّر إلى الأبد عبر "نظام الحقيقة" المُهيمِن على أنها معقولة، فبما بالك بموثوقة. ومثلما فشل أولئك الذين نصبت جيوشهم وكلماتهم قبل ما يقرب من قرنين من الزمان شجاع شاه في إثارة إعجاب الأفغان، فإنَّ ترتيب الكلمات والسلطة الذي حاوله الأمريكيون قبل 20 عاماً، لتحقيق أهداف مماثلة ينهار اليوم. وعادت طالبان كما فعل دوست محمد خان من قبلهم (بعدما طرده البريطانيون عام 1839).

إذا كان يوجد أي كلام يقال لوداع "بناء" أفغانستان في الماضي والحاضر فهو أنه لا يوجد قدر من التلاعب بالكلمات الاستشراقية وأنظمة الحقيقة المصاحبة لها، سواء من خلال وسائل الإعلام أو الشبكات الاجتماعية أو النصوص الرسمية للسلطات القائمة، يمكن أن تكسب معركة القلوب والعقول في "الغرب" أو "الشرق". وبالتأكيد ليست اللغة ولا ممارسات المعرفة التي تمثل جزءاً لا يتجزأ من علم الأمراض الإمبريالي -كـ"الحرب الدائمة" و"الحرب الطويلة" و"الحرب ضد الإرهاب" ببعيد عن ذلك. ويواجه صناع المعرفة اليوم خياراً صارخاً بين تحريف النقد وتشويه العنصرية والتمييز على أساس الجنس والإمبريالية.

وتكمن الفائدة المستمرة للأوساط الأكاديمية أو وسائل الإعلام في إزعاج مسامع السلطة بإيصال الحقيقة وتصحيح "الحقائق" حول جميع أنواع "الآخر" في عالمنا. إنَّ مثل هذا التصرف هو الذي يعيد تشكيل إدراك المعرفة من العنف المعرفي الإمبريالي إلى وعي فكري مُشبّع بالالتزام الاجتماعي والأخلاقي، بمعنى الالتزام نحو إعادة التفكير في علاقات القوة بين المُستَعمِر والمُستَعمَرين ونبذ أنظمة القهر الخطابية أو السياسية.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي