مظاهرات في بغداد ضد الحكومة والمليشيات  (Thaier Al-Sudani/Reuters)

وسرعان ما أشعل الغضب منصّات التواصل الاجتماعي في العراق، ومن ذلك استمرار غرفة على تطبيق كلوب هاوس لأكثر من أربع وعشرين ساعة من سجالات الناشطين والصحفيين حول تداعيات هذا الاغتيال الصادم، والبحث في أسبابه والجهات المتَّهَمة بتنفيذه، وما هو أهمّ: التحضير لعودة الاحتجاجات إلى ساحات التظاهر، واختير لذلك يوم 25 مايو/أيار ليكون موعداً لتظاهرات تتجمّع من كل المحافظات العراقية في ساحة النسور ببغداد، القريبة من بوابات المنطقة الخضراء ودائرة المخابرات العراقية والمحكمة الاتحادية العليا.

خلال الأسبوعين اللاحقين حتى موعد التظاهرة تَكشّف بعض الخيوط التي وضعت إصبع الاتهام على شخصيات بارزة من الحشد الشعبي في كربلاء، على رأسها قائد تنظيم "الطفوف" في الحشد الشعبي قاسم مصلح الخفاجي. وجاء الاتهام صريحاً على لسان والدة المغدور إيهاب الوزني في مقابلة على قناة الحرّة الأمريكية. وكشف أفراد من عائلة الوزني ان تهديدات كانت تصل إلى إيهاب الوزني من مصلح بشكل منتظم في الفترة ما بين احتجاجات أكتوبر/تشرين حتى لحظة اغتياله.

لم تكن هذه الاتهامات شيئاً غريباً أو لافتاً، فقد اعتادت عوائل الضحايا من الناشطين القيام بتحقيقات خاصة توصّلهم إلى الجناة، بعد فقدان الثقة بقيام الأجهزة الأمنية الرسمية بواجبها، بل وتواطؤ بعض القيادات الأمنية في إخفاء الأدلة، أو توجيه تهديدات مبطنة تحذّر العوائل من مغبّة الاستمرار في ملاحقة الجناة.

وحدث هذا سابقاً مع عائلة المغدورين أحمد عبد الصمد وريهام يعقوب، وقاد الإصرار على كشف الجناة والد المختطف والمغيَّب المحامي علي جاسب الهليجي في مدينة العمارة بمحافظة ميسان إلى أن يواجه القتلة أنفسهم، فراح مطلع مارس/آذار الماضي ضحيَّة برصاص الجهة التي خطفت ابنه قبل عام.

كل هذه الحوادث وغيرها جعلت من الصعب الثقة باجراءات الحكومة أو جديتها في كشف الجناة، بل ومنع القتلة من تنفيذ مآربهم تجاه المدنيين في أي وقت يشاؤون. وبسبب ذلك صار التركيز مكثفاً على تعبئة الرأي العامّ، ومحاولة الاتصال بالمؤسسات الدولية لكشف ما يجري في محاولة لإحراج الحكومة وتحريضها على القيام بواجباتها تجاه المواطنين.

لكن غير المتوقع حصل في ليلة 26 مايو/أيار الماضي، إذ اعتقلت قوّة أمنية عراقية القيادي في الحشد الشعبي قاسم مصلح الخفاجي عند سيطرة أمنية في مدخل بغداد، واقتادته إلى اللجنة الخاصة للفريق أحمد أبو رغيف داخل المنطقة الخضراء، وانتشر الخبر على الفور في منصات التواصل الاجتماعي بأن سبب الاعتقال هو اغتياله الناشط إيهاب الوزني.

كل ذلك بعد أقل من 24 ساعة على قيام تظاهرة 25 مايو/أيار الحاشدة في بغداد وبعض المحافظات الجنوبية، التي رفعت شعار المطالبة بالكشف عن قتلة إيهاب الوزني وغيره من المتظاهرين، تحت وسم #من_قتلني.

لم تنتهِ التظاهرة التي جرت في موقعين في بغداد بلا إراقة دماء من المتظاهرين، إذ انفضّت التظاهرة في ساحة النسور بتعهُّد أطراف في مجلس القضاء الأعلى لعائلة الوزني وعوائل الشهداء الآخرين بإتمام إجراءات التحقيق التي يطالبون بها، لكن التظاهرة المتزامنة في ساحة التحرير تم فضّها بالقوّة، وباستخدام الهراوات ثم الرصاص الحيّ الذي أسقط العديد من الجرحى وقتيلين على الأقلّ.

سرعان ما غطت تداعيات اعتقال قاسم مصلح على مأساة سقوط ضحايا وجرحى من المتظاهرين، برصاص أجهزة أمنية تابعة لحكومة تدّعي أنها جاءت بضغط من احتجاجات تشرين.

وعدت الحكومة، كما في كلّ مرّة، بفتح تحقيق بأسباب سقوط الضحايا، وكان النقاش محتدماً بين النشطاء والإعلاميين حول هذا الحدث حتى وقت متأخر من مساء يوم التظاهرة نفسه، حين نشرت مجموعات واتساب خبر اعتقال قاسم مصلح.

البيان الحكومي ذكر في وقت لاحق أنه "نفّذَت قوة أمنية عراقية مختصة بأمر من القائد العامّ للقوات المسلحة مذكّرة قبض قضائية بحق أحد المتهمين، وفق المادة 4 إرهاب وبناء على شكاوى بحقه".

هذا البيان عزّز التصور السائد بأن مصلح اعتُقل بناءً على اغتيال إيهاب الوزني، ولكن اللجنة التي اقتيد إليها للتحقيق "لجنة الفريق أحمد أبو رغيف" مختصَّة بملاحقة جرائم الفساد، كما أن بعض التغطيات الإعلامية ربط الاعتقال بدعاوى استهداف معسكرات وجود القطعات الأمريكية بالصواريخ.

لم يكن من السهل الوصول إلى "حقائق" ومعلومات دقيقة بسبب طوفان الأخبار المزيَّفة الذي أغرقت به الفضاء التواصلي تغريدات ومنشورات منصّات ومواقع الحشد الشعبي الإعلامية والفصائل المسلَّحة، والذي ترافق مع انتشار مسلَّح لعجلات وأفراد من الحشد الشعبي في بغداد، انتهى بتطويق المنطقة الخضراء، بما سُمّي ليلتها بأنه أشبه بالانقلاب العسكري على الحكومة.

وهو انتشار استمر إلى نهار اليوم التالي، أربك الشارع العراقي وجعل التكهنات تتصاعد بمآلات هذا الاعتقال الأول من نوعه منذ تأسيس الحشد الشعبي قبل سبعة أعوام، وهو ما ذكّر على الفور بحادثة مشابهة قامت بها حكومة الكاظمي في يونيو العام الماضي، إذ جرى اعتقال 14 عنصراً من مليشيا كتائب حزب الله في منطقة ألبو عيثة جنوبي بغداد، قبل تنفيذها هجمات بالصواريخ على المنطقة الخضراء.

تلك الحادثة التي انتهت بشكل مُخزٍ لصورة الحكومة أمام الشارع العراقي، إذ جرى تطويق المنطقة الخضراء، وإطلاق سراح عناصر المليشيا بالقوة، مع توسُّط سياسيين شيعة لمنع مليشيا الكتائب من التمادي في "معاقبة" الكاظمي. والأمر بمجمله عُدّ في وقتها انتصاراً معنوياً كبيراً لهذه القوّة المليشاوية على الحكومة الرسمية.

كانت التخمينات كلّها تذهب إلى تكرار ذات السيناريو، فلن تنتهي "فعلة" الكاظمي هذه المرَّة على خير، خصوصاً أن الهدف أكبر من مجرد أفراد في مجموعة مليشياوية، وإنما قيادي كبير في الحشد الشعبي، بما لا يدع مجالاً للمناورة بأنه مجرد قيادي مليشياوي.

ولكن غير المتوقّع، حتى من قِبَل الناشطين التشرينيين، حدث فعلاً. فبعد مفاوضات عقدتها الرئاسات الأربع (الجمهورية والوزراء والبرلمان والمحكمة الاتحادية) ثم مفاوضات أخرى بين الزعامات الشيعية، بقي موقف الحكومة ثابتاً هذه المرَّة بعدم تسريح المعتقل وإبقائه قيد التحقيق، بسبب الجرائم المنسوبة إليه.

كان التوصل إلى هذه الصورة مرهقاً من قبل المتابعات الإعلامية بسبب طوفان الأخبار المزيَّفة التي قلنا عنها سابقاً، وأيضاً شحَّة المعلومات المؤكدة القادمة من كواليس الحكومة.

غير أن ما ساعد على تكوين صورة مقاربة لحقيقة ما جرى هو مشهد ردود الأفعال المتنوعة في وسائل التواصل الاجتماعي، فمع المواقف الغاضبة والمنفعلة لمدوني الفصائل المسلّحة، وهو أمر متوقع ومفهوم، وجدنا أن زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، يغرّد باتجاه دعم ما قامت به الحكومة من هذا الاعتقال، ثم وجدنا أن القيادات الأمنية الرسمية تتجرأ لتعزيز موقف الحكومة الرسمي. وكذلك جاءت بيانات بعض القيادات السياسية الشيعية مثل رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، وزعيم تيار الحكمة عمّار الحكيم.

ما زال الحدث ساخناً، بسبب فرادته، والغموض الذي يحيط بالحيثيات التي أنتجته، واستمرار طوفان الأخبار المزيَّفة من قبل إعلام الفصائل المسلّحة الذي يحاول تخفيف حدّة الحدث. وعلى الرغم من التلقي الإيجابي من جمهور "التشرينيين" لهذا الاعتقال، وأنه قد يكون بادرة أولى لملاحقة القتلة والجناة، فإن أحداً لا يستطيع تأكيد شيء محدد، فما زال الموقف الإعلامي للحكومة حذراً، وما زالت نتائج التحقيق مع قاسم مصلح غير معلومة. لكن المناخ الذي أشاعته حادثة الاعتقال هذا يشير إلى بدايات صيف ساخن سياسياً في العراق، قد يغيّر المعطيات قبل انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 2021 المقبلة.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي