إن الهجمات التي شُنت على أبقيق وخريس، وهما من المرافق النفطية الهامة التابعة لشركة أرامكو المملوكة لحكومة المملكة العربية السعودية، جاءت غير مسبوقة في تأثيراتها السياسية والاقتصادية.

إلى الآن لم تُحسم مسألة "المسؤول عن الهجمات"، فالرواية الأمريكية تتحدث عن إيران وتلميح آخر للعراق، وهذا يشكك في تبني الحوثيين المسؤولية عن الهجمات، ويبدو أن الأمر يروق للسعودية.

في تقديري إن الضربة التي تلقتها المملكة العربية السعودية في أهم منشأة نفطية تابعة لأرامكو هي أكثر من مجرد اشتباك ناتج عن الحرب اليمنية.

صحيح أنها تدشن قواعد اشتباك جديدة بين الرياض والحوثيين عنوانه "دقة أكبر وخسائر أعمق"، إلا أن العامل الإقليمي يبدو أكثر أهمية وحضوراً ووضوحاً.

الواضح أن الهجمات تعتبر بمثابة رسالة أخرى من إيران إلى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، بأنه ما دام الحصار المفروض على الاقتصاد الإيراني استمر، فإن أحداً لن ينعم بالاستقرار بالمنطقة.

الانفعال الأمريكي يؤكد طبيعة الرسالة

ما يلفت الانتباه أن الانفعال الأمريكي تجاه الضربة كان سريعاً وغاضباً، فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب سارع للاتصال بولي العهد السعودي وأعلن تضامنه مع الرياض.

أما وزير الخارجية الأمريكي فأبدى حنقاً تجاه الهجمات وسارع إلى اتهام إيران وشكك في انطلاق الطائرات من اليمن، وهنا ظهر على جبين الوزير مقولة "الرسالة الإيرانية وصلت".

إيران بدورها نفت الاتهام الأمريكي لكن الحقيقة المرجوحة تقول: دقة الضربة لافتة، هناك إتقان في التنفيذ وعمل استخباراتي بحجم دولة كبرى، بالتالي لا مفر من الحديث عن دورها في إرسال الرسائل.

إيران تضيف ورقة جديدة لمناوراتها

الصبر الاستراتيجي الإيراني على العقوبات الاقتصادية له نهايات، فلا يعقل أن يقبل نظام الملالي بالسقوط تحت أقدام الجماهير الإيرانية صابراً محتسباً تجاه الخنق الأمريكي الناجم عن العقوبات.

الإيرانيون اعتمدوا على مرتكزين أساسيين في مواجهة الحصار، الأول تعلق بتهديد الملاحة في الخليج، والثاني ارتبط بإعادة النظر في مسألة التخصيب للمفاعل النووي.

الآن تبدو ورقة أخرى ضاغطة على الخصوم، وهي ورقة استهداف نفط السعودية من خلال الأدوات الإقليمية، الحوثي أو الحشد الشعبي العراقي.

بالمحصلة، مرة أخرى لن تسمح إيران لنفسها أن تموت واقفة بسبب الحصار، وأكاد أجزم أنها في نهاية المطاف مستعدة للحرب الشاملة بدل الموت اختناقاً.

تراشق إيراني أميركي.. وتوارٍ للرياض

من يراقب المشهد بدقة يلاحظ أن الضربات التي أصابت العمق السعودي في أكبر عملية وأدت إلى تعطل إنتاج النفط وإرباك الأسواق العالمية، استقرت في النهاية على تراشق إيراني أمريكي وغياب للاشتباك السعودي.

فقط تصريح يتيم للتحالف السعودي الإماراتي شكك في مسئولية الحوثيين وتبنى الرواية الأمريكية، وهنا يأتي الإقرار بترك المسألة لواشنطن تعالجها كيفما تريد.

ما قاله بومبيو حين اتهم إيران وما رد عليه روحاني أكد أن الجميع أدوات لا أكثر ولا أقل، فالصراع أمريكي إيراني والباقي متفرجون مطيعون.

خرق هائل بمقاييس التوازنات الدولية الحرجة في منطقة الخليج

فشل منظومة الدفاع السعودي الجوية باهظة الكلفة والثمن في مواجهة صواريخ إيران وطائراتها محلية الصنع في غاليتها، يساعد في إحداث خرق كبير في لعبة التوازنات العسكرية في المنطقة.

فعلى الرغم من مرور أربع سنوات من القصف المركّز على مواقع الحوثيين، فإن النتيجة انعدام الجدوى وانكشاف سماء السعودية ونفطها أمام هجمات أدواتية لمقربين من طهران، ويبدو هنا أن مقاربة "عدم نجاعة الحل العسكري" أكثر وضوحاً.

وقت حرج للسعودية ومخططاتها

على المستوى السعودي تبدو الضربات محرجة، فمن جهة اهتزت هيبة الحكم أمام الرأي العام الداخلي، ولعل سؤالاً مسكوتاً عنه داخل أروقة الجماهير السعودية عنوانه "لماذا وصلنا إلى هذا الانكشاف؟".

كما أن الضربة تأتي في وقت حساس من الناحية الاقتصادية، إذ تعلق الرياض وولي عهدها الأمير محمد بن سلمان آمالاً عريضة على تسويق 5% من أسهم الشركة وقد اقتربت أزمنة طرحها للبيع من الحل.

هنا سيتأخر المشروع على الأغلب، فالضربة لا محالة ستؤثر على احتمالات البيع الرشيد للأسهم. وتبدو السعودية أكثر اقتراباً من أزمة اقتصادية يتقاطع فيها الماضي مع حاضر احتمالات تأخر إصلاح العطب الناجم عن الهجمات.

الحادثة لن تغير قناعات الرئيس الأمريكي

مهما كانت الحادثة كبيرة وحاسمة، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سيبقى ثابتاً على موقفه الذي يقدم الصفقات على الحروب.

ولهذا السبب، لم يتردد ترمب في إقالة مستشاره للأمن القومي جون بولتون، فالرئيس لا يطيق مع اقتراب الانتخابات سماع طبول الحرب تقرع هنا وهناك.

إيران تفهم مزاج ترمب وتعرف كيف يفكر، ومن هنا تقوم بإرسال رسائلها العسكرية المسيسة فهي تعلم أن الحرب لن تقع، وبالتالي لا تتردد في رفع منسوب التصعيد الساعي نحو تحريك الملفات ومحاولة جذب الجميع إلى طاولة الحوار.

استمرار الحصار يعني استمرار التصعيد الإيراني

حالة اللا سلم واللا حرب لن تستمر في منطقة الخليج العربي، والسبب ببساطة أن إيران لن ترضى البقاء تحت بند العقوبات الأمريكية.

إذن التحرش الإيراني سيستمر، هذا التحرش سينال من الملاحة والأمن السعودي وأمن النفط، وسيحاول اللعب على ورقة التخصيب ورفع مستوياته.

لكن ماذا إذا استمرت واشنطن في مواصلة لعبة الإنكار وإدارة الظهر وتركت حلفاءها يتلقون رسائل الإيذاء الإيرانية، هل ستكتفي طهران بذلك أو أن ارتفاع منسوب غضبها لا يزال ضمن حسابات الأمريكان؟.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي